أستاذ العلوم السياسية: الخلاف بين أوروبا وواشنطن مفاجئ وغير متوقع
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
اكد الدكتور سكوت لوكاس، أستاذ العلوم السياسية بجامعة دبلن، خلال مداخلة مع قناة "القاهرة الإخبارية"، أن الوضع الراهن بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يُعد "جنونياً وغير مسبوق"، مشيراً إلى أن التحالف الاستراتيجي الذي صمد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح من الماضي. وأكد لوكاس أن عام 2026 يشهد تحولات جيوسياسية غير متوقعة على المستوى الدولي، تهدد استقرار العلاقات العابرة للأطلسي.
وقال لوكاس إن التهديدات الأمريكية الأخيرة لدولة عضو في حلف الناتو، مثل الدنمارك، تمثل نقطة تحول خطيرة، موضحاً أن الحديث عن احتمالية مهاجمة حليف أو التدخل العسكري في جرينلاند كان يُعد ضرباً من الخيال قبل سنوات قليلة، لكنه اليوم أصبح مؤشراً على تآكل الثقة بين واشنطن وأوروبا. واصفاً تصرفات الإدارة الأمريكية الحالية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب ونائب الرئيس جي دي فانس، بأنها نوع من "التنمر السياسي" الذي يتجاوز التهديدات الاقتصادية ليطال السيادة الأوروبية.
وأضاف لوكاس أن أوروبا تواجه معضلة صعبة في التعامل مع هذه الضغوط، حيث أظهرت الـ 48 ساعة الماضية تنسيقاً أوروبياً عالي المستوى لمحاولة الوصول إلى موقف موحد يحمي مصالح القارة في مواجهة أي تهديد أمريكي مباشر. ومع ذلك، فإن الحكومات الأوروبية تسعى لتجنب مواجهة شاملة مع واشنطن، لكنها مضطرة في الوقت نفسه لاتخاذ إجراءات دفاعية لحماية مصالحها السيادية والترابية.
وأشار لوكاس إلى أن الأزمة الراهنة تتزامن مع تحديات مركبة أخرى، منها تبعات الحرب الروسية الأوكرانية والمشكلات الاقتصادية الطاحنة، مما يجعل قدرة الاتحاد الأوروبي على الصمود أمام ضغوط الولايات المتحدة اختباراً صعباً واستثنائياً في تاريخ العلاقات العابرة للأطلسي.
واختتم الدكتور لوكاس حديثه مؤكداً أن "الحلم الأطلسي" الذي جمع أوروبا وواشنطن لمدة سبعين عاماً قد انتهى فعلياً بالنسبة للكثير من المراقبين، وأن السؤال الآن لم يعد حول الحفاظ على التحالف التقليدي، بل حول المدى الذي ستذهب إليه السياسة الأمريكية في تفكيك المجموعات الدولية وإعادة صياغة النظام العالمي وفق رؤية أحادية الجانب.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: التوتر الدولي التحالف الاستراتيجي النظام العالمى الازمة الاقتصادية الحرب الروسية الأوكرانية السيادة الأوروبية التهديدات الأمريكية التحولات الجيوسياسية السياسة الدولية جرينلاند الناتو جي دي فانس ترامب الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة التحالف الأمريكي الأوروبي
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.