غارديان: منتدى دافوس هو الفرصة الأخيرة لإنقاذ النظام العالمي
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
قال تقرير نشرته صحيفة غارديان إن منتدى دافوس الاقتصادي لعام 2026 يُعقد في لحظة توصف بأنها من أخطر المراحل التي يمر بها النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية وتراجع ما تبقى من "النظام الدولي القائم على القواعد".
وينطلق اليوم الاثنين في دافوس بجبال الألب السويسرية المؤتمر السنوي الـ56 للمنتدى الاقتصادي العالمي، حتى 23 يناير/كانون الثاني الجاري، تحت شعار "روح الحوار".
وترى غارديان أن المنتدى قد يكون الفرصة الأخيرة أمام النخب العالمية لمحاولة إنقاذ النظام الدولي القديم أو إعادة ترميمه عبر الحوار.
غير أن الصحيفة تؤكد أن شعار المنتدى هذا العام يبدو متناقضا مع الواقع، في ظل مشاركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أمضى العام الماضي في تقويض أسس هذا النظام عبر سياسات تصعيدية، لا سيما في ما يتعلق بالتجارة والتحالفات الدولية.
السلوك الأميركي هو العامل الذي دفع النظام الدولي -الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية- إلى الاقتراب من حافة الانهيار
وسيقود ترامب أكبر وفد أميركي على الإطلاق إلى دافوس، يضم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزير التجارة هوارد لوتنيك، إضافة إلى مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، في إشارة إلى رغبة واشنطن في فرض أجندتها داخل المنتدى.
ومن المتوقع حضور أكثر من 60 رئيس دولة أو حكومة، و55 وزير اقتصاد ومالية، إلى جانب أكثر من 800 رئيس تنفيذي أو رئيس مجلس إدارة لشركات كبرى، وفق كاتبي التقرير هيذر ستيوارت محررة الاقتصاد في الصحيفة، ودان ساباغ محرر الدفاع والأمن.
ترامب والنظام العالميأشار التقرير إلى أن ترامب، بعد أيام من تنصيبه لولاية ثانية، وجّه خطابا حادا إلى دافوس عبر الشاشة هدد فيه بفرض رسوم جمركية شاملة، ودعا دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى رفع إنفاقها العسكري، وطالب مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي بخفض أسعار الفائدة فورا، وهو ما شكّل ملامح عام اتسم بالفوضى وعدم الاستقرار.
إعلانوأكدت غارديان أن ما تبقى من النظام الدولي كان قد تضرر بالفعل بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا وصعود النفوذ الصيني، بيد أن السياسات الأميركية التصعيدية تجاه فنزويلا وإيران سرّعت من عملية التفكك، في وقت بات فيه "الحوار" غائبا عن المشهد الدولي.
كما أشارت إلى أن ترامب صدم القادة الأوروبيين قبيل المنتدى بتهديده فرض عقوبات جمركية على حلفاء، من بينهم بريطانيا، إذا لم يدعموا خطته لضم غرينلاند.
ونقل التقرير عن رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي، بورغه برينده، وهو وزير نرويجي سابق، قوله -في مقابلة مع مجلة تايم قبل انطلاق المنتدى- إن إدارة ترامب تميل إلى "إبرام الصفقات"، وأضاف متفائلا أن "إبرام الصفقات يتطلب الحوار".
لكنه أقرّ في الوقت نفسه بأن المنتدى ينعقد وسط "أكثر اللحظات السياسية تعقيدا منذ تأسيس المنتدى".
جهود المنتدىوحسب التقرير، أظهر استطلاع أجراه المنتدى -شمل أكثر من 1300 سياسي ورجل أعمال وأكاديمي- أن المواجهة بين القوى الكبرى تُعد الخطر الأكبر خلال العامين المقبلين، تليها احتمالات اندلاع حروب مباشرة بين الدول.
ولفت التقرير إلى أن قادة أوروبيين بارزين، من بينهم الأمين العام للناتو مارك روته، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، يعتزمون استخدام دافوس للدفاع عن التجارة الحرة ودعم أوكرانيا وتعزيز التعاون عبر الأطلسي في ظل تهديدات ترامب.
ونقل التقرير عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش -الذي سيحضر المنتدى- تحذيره من أن تجاهل القانون الدولي يهدد النظام العالمي برمته، مؤكدا أن تآكل الشرعية القانونية يجري "في العلن وليس في الخفاء"، وربط ذلك بسلوك قادة الدول الكبرى.
وفي هذا السياق، أكد التقرير أن الحرب الروسية في أوكرانيا، إلى جانب الحرب الإسرائيلية على غزة، أسهمتا بشكل كبير في تآكل الضوابط القانونية الدولية، غير أن السلوك الأميركي هو العامل الذي دفع النظام الدولي -الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية- إلى الاقتراب من حافة الانهيار.
ومن غير المؤكد إذا ما كان سينجح المنتدى في الحفاظ على النظام العالمي، وفق التقرير، إذ قالت ويني بيانيما، المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة (إيدز)، التي شاركت في رئاسة دافوس عام 2015، إن سياسات ترامب تتناقض مع الهدف المعلن للمنتدى.
وأوضحت أنه من المفترض أن يسهم المنتدى في تشكيل عالم تحكمه القواعد، ويتعاون فيه قطاع الأعمال مع الحكومات، لكن ترامب -وفق تعبيرها- يمثل نقيض هذا التوجه.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات النظام العالمی النظام الدولی
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.