"علماء يستخلصون الحمض النووي لليوناردو دا فينشي من رسم عمره 500 عام"، كان هذا العنوان الذي اختارته العديد من المواقع الإلكترونية في تغطيتها لدراسة علمية حاول خلالها فريق بحثي أميركي العثور على آثار لحمض نووي بشري في عمل فني، يعتقد أنه منسوب للرسام الشهير، كافيًا لإثارة حالة من الجدل العلمي حول إمكانية استخراج حمض نووي بشري من عمل فني قديم.

توجهت الجزيرة نت بالسؤال إلى الدكتور يحيى زكريا جاد، أستاذ الوراثة الجزيئية بالمركز القومي للبحوث بمصر، والمشرف العلمي على معمل الحمض النووي القديم بالمتحف القومي للحضارة، فطلب مهلة قصيرة لقراءة الدراسة التي أجراها فريق بحثي بقيادة الدكتور هاريندر سينغ، الأستاذ المتخصص في الطب الجينومي بمعهد "جيه كريغ فينتر" في بروكفيل، والتي لا تزال في طور النشر والمراجعة،  ليعود إلينا بالقول: "ليست اختراقاً علمياً، وليست إثارة إعلامية"، ثم تابع: "ربما تكون التغطية الإعلامية للدراسة هي التي صنعت الإثارة، أما الباحثون أنفسهم فكانت مفرداتهم بالغة الدقة والتحديد، ولم يزعموا العثور على الحمض النووي لدا فينشي".

ومع حرصه على تبرئتهم من الإثارة العلمية، كان أيضًا حريصاً على أن يضع الأمور في حجمها الطبيعي، مضيفاً بنبرة حازمة: "نحن لسنا أمام اختراق، لكن يمكن القول إن هذه الدراسة وضعت منهجًا علميًا يمكن اتباعه عند محاولة الحصول على معلومات وراثية من الأعمال الفنية القديمة".

أعلن الباحثون نجاحهم في استخراج آثار ضئيلة من الحمض النووي البشري من أحد لوحات دا فينشي (بيكسابي)العودة لأصل الحكاية

ولشرح ما فعله الباحثون، يعود بنا زكريا إلى "أصل الحكاية"، وهي محاولات استخراج الحمض النووي القديم التي تتم عادة بالاعتماد على عظام مثل عظمة الصخرة التي تقع في قاعدة الجمجمة حول الأذن الداخلية، أو الأسنان أو الأنسجة الرخوة مثل الشعر.

إعلان

ولأن ذلك غير متاح في حالة دا فينشي لعدة أسباب، منها أن رفاته الموجودة في كنيسة "سانت هوبرت" في مدينة أمبواز بفرنسا غير مؤكد أنها تخصه، ومختلطة مع آخرين، ودراستها محاطة بقيود قانونية وأخلاقية صارمة، فضلًا عن غياب أي عينة مرجعية يمكن مقارنتها بها حتى يمكن للسلطات أن تسمح بإجراء مثل هذه الدراسة، ولذلك لجأ العلماء إلى الأعمال الفنية لعلهم يعثرون على أي آثار عالقة على ورق عمره أكثر من 500 عام، يكون مصدرها العرق أو خلايا جلدية.

وأعلن الباحثون نجاحهم في استخراج آثار ضئيلة من الحمض النووي البشري من رسم بالطباشير الحمراء يُعرف باسم "الطفل المقدس"، والمنسوب مع وجود جدل إلى دا فينشي، وأظهرت التحليلات أن هذه الآثار تتضمن تسلسلات من "الكروموسوم واي (Y)".

و"الكروموسوم واي"، جزء من الحمض النووي يورث حصرياً من الأب إلى الابن ويبقى شبه ثابت عبر أجيال طويلة، ما يجعله أداة مثالية لتتبع السلالات الذكورية التاريخية، وبما أن دا فينشي لم يتزوج ولم ينجب، لجأ العلماء إلى مقارنة تسلسلات "الكروموسوم واي" المستخرجة من رسم "الطفل المقدس" بتلك التي عُثر عليها في رسالة كتبها أحد أقاربه الذكور في القرن الـ 15.

وأظهرت النتائج أن العينتين تنتميان إلى السلالة الجينية "إي 1 بي 1 بي" (E1b1b)، المرتبطة بجذور في إقليم توسكانا، مسقط رأس دا فينشي.

5 أسباب مهمة

ويقول زكريا: "هذا التطابق لا يعد دليلاً قاطعًا على أن الحمض النووي يعود لليوناردو نفسه، والباحثون أنفسهم لم يدّعوا ذلك، وذلك لـ 5 أسباب مهمة؛ أولها أن التطابق وجد في الكروموسوم واي فقط، وهذا الكروموسوم يورث من الأب إلى الابن دون تغيير، ويكون مشتركًا بين جميع الذكور في العائلة الواحدة، ولذلك فإن التطابق يثبت الانتماء العائلي الذكري، لكنه لا يثبت هوية شخص بعينه".

أما ثاني الأسباب، فهو أن "السلالة التي عُثر عليها (إي 1 بي 1 بي) ليست نادرة ومنتشرة تاريخيًا في توسكانا، أي أن عددًا كبيرًا من الرجال غير المرتبطين مباشرة بدا فينشي قد يحملون السلالة نفسها، وبالتالي، التطابق قد يكون إقليميًا لا شخصيًا".

ويتعلق السبب الثالث بالعمل الفني نفسه الذي هو محل جدل، ويقول: "رسم (الطفل المقدس) غير متفق علميًا على أن ليوناردو رسمه بنفسه، ويرجح البعض أنه يخص أحد تلاميذه، وبالتالي قد يكون الحمض النووي لتلميذ من تلاميذه".

وتابع: "وإذا افترضنا أن العمل الفني يعود لدا فينشي بلا أدنى شك، فإن السبب الرابع يتعلق باحتمال التلوث القائم، فالعمل الفني لُمس على مدى 500 عام من المرممين ومن الأشخاص الذين اقتنوه، وقد يكون الحمض النووي المستخرج يخص أحداً منهم، وليس دا فينشي".

وأضاف: "أما السبب الخامس والأخير، فيتعلق بحجم العينة المحدود جدًا، وهو عبارة عن شظايا صغيرة جدًا من الحمض النووي تم الحصول عليها من خلال مسحة على اللوحة، وهذا يقلل من الدقة والقوة الإحصائية ويزيد مساحة الشك، لاسيما أنه لا توجد عينة مرجعية قاطعة يمكن المقارنة معها مثل رفات مؤكدة أو نسل مباشر".

تحديات لا تلغي الأهمية

ما ذكره زكريا من تحديات، يعود ليؤكد أن الباحثين أنفسهم اعترفوا بها، ولم يدّعوا الحصول على الحمض النووي لدا فينشي، وقال: "قوة هذا العمل في أنه وضع الأساس لمنهج علمي يمكن اتباعه لاستخراج معلومات وراثية من الأعمال الفنية القديمة، أما فيما يتعلق بالحمض النووي لدا فينشي، فهذا العمل خطوة أولى جريئة ومبتكرة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات النسب بشكل قاطع، وتتطلب استكمالاً بأدلة جينية أوسع وأكثر تنوعًا".

إعلان

وكان العلماء أصحاب الدراسة قد أعربوا عن تطلعهم إلى أن تساعد ورقتهم البحثية في إقناع المسؤولين وأمناء الأرشيف بالمتاحف التي توجد بها أعمال لدا فينشي، بالسماح لهم بمسح مزيد من الأعمال التي لا يوجد شك في انتمائها للفنان، وذلك للتغلب على أحد أهم التحديات، وهي أن العمل الفني الذي أخذت منه المسحة محل جدل.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات من الحمض النووی الکروموسوم وای العمل الفنی

إقرأ أيضاً:

لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟

رغم أن الشلالات الشهيرة حول العالم مثل نياجارا أو آنجل تجذب ملايين الزوار سنويا، فإن أكبر شلال على كوكب الأرض لا يمكن رؤيته بالعين المجردة ولا سماع هديره، لأنه يقع في أعماق المحيط المتجمد الشمالي، بعيدا عن الأنظار وتحت مئات الأمتار من المياه.

ويُعرف هذا الشلال باسم “شلال مضيق الدنمارك”، ويقع بين أيسلندا وجرينلاند، حيث تتدفق عبره كميات هائلة من المياه تتجاوز 3.2 ملايين متر مكعب في الثانية، ما يجعله أكبر تدفق مائي معروف على سطح الأرض. 

فك أسرار عمالقة الفضاء.. رصد تاريخي للميثان على كوكب معتدل يبعد 335 سنة ضوئيةافتراس غامض.. علماء يرصدون نجوما تلتهم كواكب شبيهة بالأرضالفطريات تمهد طريق البشر للمريخ.. هل اقترب حلم استعمار الكوكب الأحمر؟رصد كوكب غريب.. صباحات ملبدة بالسحب على بعد 299 سنة ضوئيةصخور غامضة فوق سطح المريخ.. اكتشاف يفتح بابا جديدا لأسئلة الكوكب الأحمرهلال فضي فوق الكوكب الأحمر.. مشهد نادر للمريخ | ايه الحكايةأكبر شلال على الأرض

رغم ضخامته الاستثنائية، فإن شلال مضيق الدنمارك يظل مخفيا بالكامل تحت سطح البحر، ولا تظهر له أي علامات مرئية مثل الرذاذ أو الضجيج المرتبط بالشلالات التقليدية.

ويعود تشكل هذا الشلال البحري إلى اختلاف كثافة المياه، فالمياه الباردة والمالحة القادمة من شمال المحيط تكون أكثر كثافة من المياه الأدفأ الموجودة جنوبا، مما يدفعها إلى الغوص والانحدار على طول قاع البحر عبر حافة صخرية مغمورة، مشكلة ما يشبه شلالا عملاقا تحت الماء. 

ويصل امتداد هذا الانحدار إلى نحو 11 ألفا و500 قدم، وهو ارتفاع يفوق بكثير أشهر الشلالات الموجودة على اليابسة.

وأكد علماء المحيطات وجود هذه الظاهرة خلال العقود الأخيرة باستخدام أجهزة متخصصة تقيس درجات الحرارة والملوحة وسرعة التيارات البحرية، إذ يصعب رصدها بشكل مباشر بسبب وقوعها في أعماق كبيرة. 

كما كشفت القياسات وجود تدفق مستمر للمياه الكثيفة عبر قاع المحيط، وهو ما ساعد الباحثين على فهم طبيعة هذا الشلال الفريد.

ما أهمية شلال مضيق الدنمارك؟

لا تقتصر أهمية شلال مضيق الدنمارك على كونه ظاهرة طبيعية مذهلة، بل يؤدي دورا محوريا في تنظيم المناخ العالمي، فالتدفق المستمر للمياه الباردة والكثيفة يسهم في تكوين تيارات المحيط الأطلسي العميقة، التي تساعد على نقل الحرارة والأكسجين والعناصر الغذائية بين مناطق مختلفة من العالم، ما يؤثر بشكل مباشر في درجات الحرارة والأنظمة البيئية البحرية.

ويحذر العلماء من أن التغيرات المناخية الحالية قد تؤثر في قوة هذا الشلال البحري، فذوبان الجليد وارتفاع كميات المياه العذبة في المناطق القطبية قد يقللان من ملوحة المياه وكثافتها، وهو ما قد يضعف حركة التدفق ويؤثر في نظام دوران المحيطات. 

ويرى الباحثون أن أي تغير في هذا النظام قد ينعكس على المناخ العالمي، من خلال التأثير في درجات الحرارة ومسارات العواصف والإنتاجية البيولوجية للمحيطات.

ويبقى هذا الشلال العملاق، رغم اختفائه عن الأنظار، أحد أهم العوامل الطبيعية التي تسهم في الحفاظ على توازن مناخ الأرض وتنظيم حركة المحيطات حول العالم.

طباعة شارك أكبر شلال على الأرض شلال مضيق الدنمارك أين يقع أكبر شلال في العالم أهمية شلال مضيق الدنمارك قصة أكبر شلال في العالم

مقالات مشابهة

  • علماء يجيبون.. هل يمكن للعسل أن ينافس مشروبات الطاقة ويدعم الأداء الرياضي؟
  • باقي 18 يوم.. ننشر جدول امتحانات الثانوية العامة 2026 لطلاب علمي وأدبي
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • هند الضاوي: إسرائيل تشعل حربا إعلامية لتحقيق مكاسب في مفاوضاتها مع لبنان
  • غروسي: لا يمكن إنهاء حرب إيران دون رقابة صارمة على الاتفاق النووي
  • متى يحق لأستاذ الجامعة الحصول على إجازة تفرغ علمي؟.. القانون يجيب
  • حزب الله: معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن أن تمر
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • احتفالية لتخريج دارسي لغة الإشارة المصرية وإطلاق مبادرة إعلامية لذوي الإعاقة بجامعة عين شمس
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش