النازية الترامبية.. تقهقر داخلي وصلافة في الخارج
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
د. يوسف الشامسي **
لا تخطئ ذاكرة التاريخ في استحضار طرائق وأساليب الأنظمة الشمولية عند استعراضها اليوم العنجهية الترامبية لتجدها متشابهة حد التطابق، ابتداء من فترته الأولى والتشكيك في نتائج الانتخابات والسعي لترويض القضاء ومهاجمة وسائل الإعلام، وليس انتهاء بقمع المظاهرات المعارضة للصهيونية، وحملات الترحيل، وتوجيه وكالة إنفاذ قوانين الهجرة (ICE) لاستخدام أقصى درجات العنف، والتهديد بتفعيل "قانون التمرد" ونشر الجيش الفيدرالي لمنع المظاهرات!
هذا في الداخل، أما في السياسة الخارجية فحدّث عن "النازي الجديد" ولا حرج، فتطاوله على القانون الدولي وتغذيته للصراعات واختطافه رئيس فينزويلا، وابتزازه أوروبا للاستحواذ على جرينلاند، وخوضه حروبا بالوكالة لحماية إسرائيل، وتبنيه "مبدأ مونرو" التوسعي باعتبار العالم ساحات نفوذ مفتوحة أمام القوة الأميركية، كلها عناصر تشبه بل وتطابق الأساليب النازية في المراحل الأولى من صعودها إلى السلطة.
نجد على سبيل المثال تماهي الأساليب النازية في سعى ترامب على مدار عام من رئاسته الثانية لـ"تطويع" الجهاز الفيدرالي، والاستخبارات، والجيش، والبيروقراطية الأمريكية كي تصبح كلها أدوات منقادة لحركته السياسية، وهو- وفق الكاتب تيرنس بيني مؤلف كتاب "عدو الشعب: صحيفة ميونيخ بوست والصحفيون الذين عارضوا هتلر"- يُذكِّرُنا بمحاولة النظام النازي إجبار كل المؤسسات والمجتمع على التماشي مع إرادة هتلر. غير أن محاولات ترامب لتقويض أركان المؤسسة الديمقراطية الأمريكية ما تزال فاشلة؛ إذ تُظهر استطلاعات الرأي الحديثة، حسب تقرير وكالة أسوشييتد برس قبل أيام- تراجعًا كبيرًا في شعبية ترامب، خاصة في القضايا المحورية التي يعتمد عليها الناخبون. ففيما يتعلق بالاقتصاد- الذي كان يُعتبر نقطة قوة لإدارته- انخفضت نسبة الموافقة على أدائه انخفاضًا ملحوظًا. كما أن سياساته في الهجرة والعلاقات الخارجية تواجه معارضة متزايدة؛ حيث يعتبر كثيرون- بحسب الاستطلاع ذاته- أن قرارات ترامب في هذه المجالات زادت من حدة الانقسامات الداخلية وأضعفت مكانة أمريكا العالمية.. هذه البيئة الداخلية الهشة تدفع ترامب إلى البحث عن إنجازات خارجية تعوض عن فشله الداخلي ولو عن طريق ابتزاز "عملائه" في الخارج والسطو على "جائزة نوبل للسلام"!
وحتى على مستوى الخطاب، لا ينفك ترامب من إبراز تلك النزعة العنصرية المتطرفة في تغريداته المستفزة بمنصته وفي تصريحاته الإعلامية، ففي حواره الأخير مع صحيفة نيويورك تايمز حينما سئل عن شرعية تدخلات حكومته في فينزويلا، أجاب بكل صفاقة: “أنا لا أحتاج إلى القانون الدولي… أنا لست هنا لأؤذي الناس"! هذه التبريرات- التي لا تخلو من نظرة استعلائية ونرجسية فجّة- لاستخدام القوة دون التفات إلى المعايير الدولية، تكشف تلك النزعة القومية الاستبدادية الشبيهة للسياسات التي استخدمتها ألمانيا النازية لتبرير غزو دول أوروبا المجاورة.
وتتجلى مؤخرا صلافة ترامب النيو-نازية في اقتراحه الأخير بتشكيل "مجلس غزة للسلام" برئاسة أمريكا وحلفائها في المنطقة. هذه الخطوة المستفزة تتجاهل تمامًا حقوق أهل الأرض الذي تعرّضوا وما يزالون يكابدون إبادة لم يعهد لها التاريخ الحديث مثيلا، وبتواطؤ الأقارب والأبعاد، ثم أن هذا المجلس يكرس الهيمنة الإسرائيلية، ويجعل من ترامب- الشريك للصهاينة في إبادتهم لغزة- وحده المتحكّم في المنطقة. هذا النهج يعكس رؤية ترامب للعلاقات الدولية كمعاملات تجارية بحتة، إذ يتجاهل المبادئ الأخلاقية والقانون الدولي لمآرب الإمبريالية الصهيوأمريكية ومصالحها وفق مقاسات ترامب فحسب.
ومع ذلك، ما تزال بعض القوى العربية والإسلامية تتعامل مع الواقع الصهيو-أمريكي الجديد بسذاجة- إن أحسنّا النيّة- مثيرة للقلق، فعوضًا من قراءة التاريخ والوقائع وتحولات موازين القوى، تستمر هذه الدول في نهج التبعية والاستسلام لإملاءات القوة والخضوع باسم "التحالف" و"التشارك" مع عدوّ متربّص مجاهر، وتوافق على الانخراط في "مجلس الاستسلام" المزعوم لتسليم الأراضي المقدسة لقمة سائغة له. ولا ندري متى يدرك هؤلاء التحولات الخطيرة في السياسة الترامبية التي باتت تشكل تهديدًا محدقا للاستقرار الدولي كله لا في الشرق الأوسط فحسب.
** أكاديمي بقسم الإعلام الجماهيري بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
المونديال الأكبر في التاريخ.. مشاركة 1248 لاعباً من 449 فريقاً
أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم رسمياً عن القوائم النهائية للمنتخبات المشاركة في بطولة كأس العالم 2026، في خطوة تمثل واحدة من أبرز المحطات التنظيمية والإثارة الإعلانية مع تبقي 9 أيام فقط على ضربة البداية.
وتأتي هذه النسخة التاريخية بمشاركة 48 منتخباً لأول مرة، حيث تم اعتماد رقم قياسي يبلغ 1,248 لاعباً سيكونون متاحين للمنافسة على المستطيل الأخضر عبر 104 مباريات تحتضنها ثلاث دول هي كندا، المكسيك، والولايات المتحدة، مما يمثل نقطة تحول جوهرية في تاريخ اللعبة تفتح الأبواب لتمثيل عالمي غير مسبوق.
1248 players. 48 nations. Locked in. ????
The Official Squad Lists for #FIFAWorldCup 2026 are here ⤵️
ميسي ورونالدو وأوتشوا.. كتابة التاريخ بالنسخة السادسة
تتصدر الأيقونات العالمية المشهد المونديالي، حيث يستعد الأسطورة الأرجنتيني ليونيل ميسي، والنجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، وحارس المرمى المكسيكي المخضرم غييرمو أوتشوا، لخوض مسيرة استثنائية وغير مسبوقة عبر مشاركتهم في النسخة السادسة لهم في تاريخ كأس العالم.
ويقود هؤلاء العمالقة قائمة من النجوم والأسماء الرنانة التي تمنح البطولة ثقلاً فنياً وجماهيرياً كبيراً، مؤكدين على جاذبية المونديال المستمرة وقدرته على جمع أساطير اللعبة في محفل واحد.
صراع الأجيال.. ربع قرن يفصل بين المخضرمين والشباب
تتميز هذه النسخة بتباين عميق ومثير بين الأجيال، إذ يفصل بين اللاعب الأكبر سناً في البطولة، وهو حارس المرمى الإسكتلندي كريغ غوردون (43 عاماً و162 يوماً)، واللاعب الأصغر سناً، المكسيكي غيلبرتو مورا (17 عاماً و240 يوماً)، أكثر من 25 عاماً كاملة.
وتشير الإحصائيات إلى احتمال مشاركة 22 لاعباً تحت سن العشرين، مقابل 7 لاعبين بلغوا سن الأربعين أو تجاوزوه، في حين يشهد المونديال عودة 22 لاعباً من المتوجين باللقب سابقاً لإشعال حماس المنافسة.
وتؤكد القوائم المعتمدة حجم البطولة وجاذبيتها المستمرة؛ حيث يعود 357 لاعباً سبق لهم التواجد في قائمة كأس العالم لمرة واحدة على الأقل. وفي المقابل، يستعد نحو 891 لاعباً لخوض غمار المنافسة لأول مرة، مما يسلط الضوء على استمرارية اللعبة العالمية وتجددها في آن واحد.
أربعة منتخبات تدشن ظهورها التاريخي الأول
بفضل التوسعة الجديدة للبطولة، يفسح المونديال المجال لدخول قوى كروية جديدة إلى الساحة العالمية، حيث تستعد منتخبات الرأس الأخضر (كاب فيردي)، كوراساو، الأردن، وأوزبكستان لتسجيل حضورها الأول على الإطلاق في نهائيات كأس العالم.
وتأتي المشاركة التاريخية لأوزبكستان كواحدة من أكثر القصص إلهاماً، مدفوعة ببروز جيل واعد يتقدمهم نجم مانشستر سيتي الشاب "عبد القادر خوسانوف"، إلى جانب مواهب عالمية أخرى مثل الفرنسي وارن زاير إيمري والمغربي بلال الخنوس.
خريطة الأندية.. 449 فريقاً تغذي الشغف العالمي
تجسد القوائم المعتمدة الطبيعة التنافسية للأندية ومدى تغلغلها عالمياً، حيث يتوزع اللاعبون المشاركون على 449 نادياً مختلفاً ينتمون إلى 71 دولة حول العالم.
وتتوزع هذه الأندية على مختلف القارات بواقع 35 نادياً من الاتحاد الأوروبي، 14 من الاتحاد الآسيوي، 8 من الكونميبول، 7 من الكونكاكاف، 6 من الاتحاد الأفريقي، ونادٍ واحد من اتحاد أوقيانوسيا، مما يعكس الشراكة العميقة بين الهيئات المحلية والدولية في إنجاح الحدث.
فلسفة القوائم.. بين الانغلاق المحلي والاحتراف الخارجي
كشفت القوائم المعلنة عن تباين استراتيجي حاد في بناء المنتخبات، ففي الوقت الذي تعتمد فيه منتخبات مثل قطر والمملكة العربية السعودية بالكامل تقريباً على عناصر تنشط في الدوريات المحلية (بواقع 25 لاعباً من أصل 26 في كلتا الحالتين)، تبرز في المقابل منتخبات مثل الرأس الأخضر، جمهورية الكونغو الديمقراطية، كوت ديفوار، كوراساو، السنغال، وأوروغواي، والتي تشكلت قوامها وعناصرها بالكامل من لاعبين محترفين يلعبون في دوريات خارجية.
كارلوس كيروش.. التكتيكي البرتغالي يدخل بوابة العظماء
على صعيد الإدارة الفنية، يدخل المدرب البرتغالي المخضرم لمنتخب غانا "كارلوس كيروش" التاريخ من أوسع أبوابه بقيادة منتخب في كأس العالم للمرة الخامسة على التوالي، بعد أن أشرف سابقاً على البرتغال (2010) وإيران (2014، 2018، 2022). وبذلك يصبح كيروش الثاني فقط في تاريخ اللعبة الذي يحقق هذا الإنجاز المتتالي بعد المدرب الأسطوري بورا ميلوتينوفيتش، ليؤكد أن المونديال صراع عقول تكتيكية بقدر ما هو صراع أقدام.