لإبراز التراث الشعبي للمأكولات.. إطلاق الموسم الرابع من مبادرة «طبلية مصر»
تاريخ النشر: 19th, January 2026 GMT
تحت عنوان «إحياء الماضي توثيق الحاضر من أجل المستقبل»، شهد المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط انطلاق فعاليات الموسم الرابع من مبادرة «طبلية مصر» لإحياء الأكلات الشعبية المصرية، وذلك بالتعاون مع مؤسسة صادكو، وبحضور نخبة من الشخصيات العامة والباحثين والأثريين، إلى جانب المهتمين بالتراث الثقافي المصري.
واستهل الدكتور الطيب عباس الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف القومي للحضارة المصرية، فعاليات الافتتاح بكلمة رحّب خلالها بالحضور، معربًا عن سعادته باستضافة المتحف لهذه المبادرة التي حققت نجاحًا واسعًا وإقبالًا ملحوظًا خلال مواسمها السابقة.
وأكد أن مبادرة «طبلية مصر» تسلط الضوء على التراث الشعبي للمأكولات المصرية بوصفه أحد عناصر التراث الثقافي غير المادي، وتسهم في حمايته من الاندثار، فضلًا عن دعم الترويج السياحي للمطبخ المصري من خلال ما تتضمنه من فعاليات ثقافية وورش فنية وتفاعلية متنوعة.
وأشار إلى حرص المتحف على احتضان المبادرات التي تُبرز ثراء التراث والحضارة المصرية، لما لها من دور محوري في رفع الوعي الثقافي والأثري، وتفعيل رسالة المتحف في صون وحماية الموروث الحضاري والثقافي لمصر، ودعم الجهود الوطنية التي تُوِّجت بإعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إدراج «الكشري المصري» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لعام 2025.
وفي ختام كلمته، وجّه الدكتور الطيب عباس الشكر إلى جميع الجهات الداعمة والمشاركين والقائمين على المبادرة، تقديرًا لجهودهم المخلصة التي أسهمت في إنجاح هذه الفعالية وتحقيق أهدافها الثقافية والتراثية.
من جانبها، أوضحت نشوى جابر، نائب الرئيس التنفيذي للشؤون الأثرية بالمتحف، أن الموسم الرابع من المبادرة يأتي استكمالًا للنجاحات التي حققتها المواسم السابقة، ويضم مجموعة من الأنشطة والورش التفاعلية التي تُبرز قيمة التراث الغذائي المصري، وتسهم في تعريف الجمهور بأبعاده الثقافية والحضارية، إلى جانب إتاحة تجربة معرفية تفاعلية تجمع بين المتعة والتعليم لمختلف الفئات العمرية.
كما أعربت داليا فخر، مسؤولة التسويق الواعي وتطوير المشروعات الثقافية بمؤسسة صادكو، عن اعتزازها بالتعاون مع المتحف القومي للحضارة المصرية، مؤكدة أهمية دعم الأنشطة المجتمعية التي تسهم في تعزيز الهوية المصرية وترسيخ مفاهيم الاستدامة في مجال التراث الغذائي.
وتضمنت فعاليات الافتتاح إقامة معرض فني بعنوان «فن أكل الشارع»، ضم مجموعة من اللوحات الفنية ومشاهد مختارة من الأفلام السينمائية المصرية التي وثّقت الأطعمة التراثية والأدوات المرتبطة بثقافة أكل الشارع، إلى جانب عرض لعرائس الماريونيت من إنتاج المدرسة الصيفية للفنون، والمستوحاة من الأفلام الكلاسيكية القديمة، في تجربة فنية مميزة جمعت بين الإبداع التراثي والبعد السينمائي.
ويشمل الموسم الرابع من مبادرة «طبلية مصر» برنامجًا متكاملًا من الأنشطة الثقافية والتوعوية، من بينها ندوات متخصصة حول سياحة الطعام وأشهر الأكلات بالمحافظات المصرية، وورش عمل لتوثيق المأكولات الشعبية، إلى جانب ورش خارجية بالتعاون مع مدرسة «تواصل» بعزبة خيرالله لتعليم أساليب استخراج الصبغات الطبيعية من الطعام المصري.
كما تتضمن الفعاليات ورش عمل مخصصة للأطفال وذوي الهمم، للتعريف بطرق إعداد الأكلات التراثية والقصص المرتبطة بها، مع تسليط الضوء على مفاهيم الصحة العامة والحفاظ على البيئة.
وفي ختام اليوم، أُتيحت الفرصة للحضور وزوار المتحف لتذوق مجموعة من المأكولات التراثية المصرية، في أجواء مستوحاة من التراث الشعبي، حظيت بإعجاب وتفاعل كبيرين من الزائرين.
وتأتي مبادرة «طبلية مصر» لتؤكد الدور الثقافي والمجتمعي للمتحف القومي للحضارة المصرية بوصفه جسرًا يربط بين الماضي والحاضر، ويسهم في حماية الموروث الثقافي وتعزيز الوعي بقيمته لدى الأجيال القادمة.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: طبلية مصر الأكلات الشعبية المتحف القومي للحضارة المتحف القومي للحضارة المصرية المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط المتحف القومی للحضارة المصریة الموسم الرابع من طبلیة مصر إلى جانب
إقرأ أيضاً:
تحترق المكتبات وترحل المرويات!
كنت أستمع إلى خبر أوردته وكالة الأنباء العُمانية يشير إلى أن فريقاً مختصاً من التاريخ الشفوي يواصل زياراته الميدانية لمختلف المحافظات ضمن جهود وطنية تهدف إلى توثيق الروايات الشفوية، وصون الموروث الثقافي.
وفي اليوم نفسه شاهدت على شاشة قناة عُمان الفضائية مقابلات ولقاءات تجرى مع كبار السن. وقبل ذلك أحرص على متابعة برنامج (مناشدة) الذي يقدم عددا من اللقاءات مع كبار السن يستجدي أخبارهم عن الماضي وحوادثه.
أستعيد ذلك الخبر الآن وتلك المشاهد، وتحضر في بالي مقولة سيدنا الجاحظ «إن المعاني ملقاة على قوارع الطريق»، فأقول: إذا كانت المعاني والكلمات ملقاة على قوارع الطرقات، فيحق لنا أن نقول كذلك: إن المرويات والحكايات ملقاة على شفاه آبائنا وأجدادنا كبار السن والشيوخ، تنتظر من يحررها وينتشلها، وينزلها من علوها قبل أن تطير وترحل.
أن يروي لك كبير في السن حكاية أو قصة أو حكمة فتلك هي عصارة الحياة ورحيقها، فكلامه ليس كلاماً يومياً عابراً، بل كلام يستند إلى أساس ومنهج وبناء وحبكة، ويخضع لمعان ثابتة وخالدة.
لكبار السن قيمة معرفية تتجلى في درايتهم، وقدرتهم على استحضار الماضي وحيويتهم وخبرتهم فيه، لماض عايشوه أو شاركوا فيه أو شاهدوه، أو حتى سمعوا شيئا عنه، وكانوا قريبا منه. هؤلاء هم الذخيرة والكنز الذي لا ينضب معينه. وبوجودهم يتلألأ الحكي وتزدهر الحكاية، وبفقدانهم ورحيلهم تنكفي الحكاية، وتتلاشى إلى أن ترحل.
وصف ذلك الفيلسوف والمفكر المالي (أمادو همباتي با) بعبارة أطلقها عام ١٩٦٠ في مؤتمر اليونسكو قائلا: (عندما يموت شيخ مسن في أفريقيا فإن موته يكون بمثابة احتراق مكتبة)، وفي مراكش يموت حكاؤو ساحة جامع الفنا فتموت مكتبة.
نقول بكل حسرة: كم من كبار السن والحكائين الذين رحلوا ورحلت معهم حكاياتهم وقصصهم! ولم تدرك أهميتهم في حينه، لكنهم يرحلون بصمت، وتحترق في دواخلهم مكتبات زاخرة من المرويات الشفهية وتندثر، ولم يجدوا في زمنهم من يستنطق صمتهم، وينبش حضورهم ويستجدي تلك الدرر من الحكايات منهم. يموتوا يوميا دون أن نفكر تسجيل ذاكرتهم التي ترحل معهم، لا نفعل لهم إلا ثلاثة أيام حزناً، وتمضي، ثم تعود الحياة إلى مجرها ونهرها المتسارع. كل ذلك دون أن ندرك مدى الخسارة التي لحقتنا بموت ذلك الشيخ الكبير.
إنها بالأحرى موت ذاكرة ورحيل مكتبة ذات رفرف من الحكايات والقصص التي لم ترو أو التي رويت وتناثرت في الفضاء. بكلمة أخرى تكمن فلسفة الرحيل في الفقد من فقد عزيز إلى فقدان ذاكرة، لكن الفرق بينهما هو أن الذاكرة قد لا ترحل إذا لقيت من يحافظ عليها، ونعيدها للحياة من جديد، حتى لو رحل الجسد وصعدت الروح. نقول: من منا لم تعلق في ذاكرته رواية أو قصة قصيرة أو مثلاً أو حكمة سمعها وهو صغير من جد أو جدة، أو من شخص كبير في السن في الحارة؟ تلك المرويات التي غادرت أجساد راويها، ولم تغادرنا نحن، حكايات بقيت في ذاكرتنا، لكنها ذات يوم ربما تغادر وتسبقنا إلى دار الخلود. الحكاية المعلقة على شفاه كبار السن تظل حية تؤرق أخضرا، لكنها قد تذبل وتسقط وتتوارى عندما لا يوجد من يرويها ويعتني بها ليعيدها إلى تألقها الأول.
ليس الموت وحده من يهدد ذاكرة هؤلاء الحكائين كبار السن، أو الرواة، بل النسيان وفقدان الذاكرة، وطغيان وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع أدوارهم في المجتمع. وقد تكون بعض العادات والتقاليد تشكل عائقاً تمنع الراوي من الإدلاء بما لديه، ويفضل كتمها وعدم الإفصاح بها لمحاذير دينية أو مجتمعية، أو لأسباب قد يراها تخدش الحياة، أو تمس مجموعة أو فرداً معيناً.
لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله.
تاريخنا العُماني زاخر بالتراث الشفوي؛ مرويات قصص، والشعر، الحكم، أمثال، الرقصات، والأناشيد، والأهازيج، والفولكلور الشعبي، الملابس، والطبخ، والأساطير، النكت والألغاز، والغناء، ومجموعة من العادات والتقاليد، ومن الأحداث والمعارف والآراء وعادات، وممارسات سلوكية دينية وأخلاقية، وأخبار السحرة والمغيبين والأساطير الخارقة. ولا يزال بعض سارديها على قيد الحياة. ولا تزال ذاكرتهم متقدة تنتظر من يشعلها.
إن التراث بمجمله المدون منه والشفوي هو هوية ثقافية مختومة في حياة الشعوب وذاكرتها، والعلاقة بينهما، علاقة تكاملية تعادلية. (قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر) هكذا ينبغي أن تكون. وما من شيء يحفظ هذه الذاكرة أكثر من الاهتمام بها وتوثيقها وحفظها من الاندثار، وبالرغم من تزاحم التقانة ووسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها لجأت بعض الدول إلى انتشال ذلك الموروث.
يتحسر المرء، ويقول: لو فكرنا في ذلك منذ سنوات طويلة لكانت الحصيلة كبيرة جداً، ولكانت لدينا الآن مكتبات ومجلدات من الكتب والمراجع.
لكن دون ريب خطوة تدوين التراث الشفوي هي خطوة رائدة متسقة مع أهمية هذا التراث، وضرورة استنهاضه وبث الروح فيه من جديدة، وذلك ما يجب أن يكون لحمايته من الاندثار والانهزام وتدوينه وتصنيفه وتدريسه.
التراث الشفوي ذو أهمية قصوى في إبراز جزء مهم وأصيل من الثقافة العُمانية ورافد مهم ومكون في المحافظة على الهوية الوطنية.
وتتعدد أشكال المحافظة على ذلك التراث الشفوي كالاستفادة من المرويات والأساطير وحكايات السحرة والمغيبين في الإنتاج الأدبي في الشعر والإنتاج القصصي والروائي كتلك الحكايات التي تضمنتها الكثير من الكتب، خصوصا التراثية منها، وحكاية مسحورة نزوى التي دُوِّنَت لاحقا على شكل شعر، واسْتُفِيد منها في السرد والروايات، وكذلك ما تقدمه قناة عمان الثقافية كجزء من هذه المهمة. وفي المستقبل ربما يأتي يوما نشاهد فيه قناة تلفزيونية وثائقية خاصة بالتراث العُماني.
في مراكش مثلاً تجوب الحكاية ساحة جامع الفنا حيث الحكاؤون الذين يجدون ضالتهم في الساحة يطرحون فيها حكاياتهم، وينسجون أساطيرهم على إيقاعات ممسرحة مطرزة بالأغاني والأهازيج، يتمايلون في رقصات تطاول الفضاءات. وفي فلسطين أطلقت الجهات المختصة (مشروع الأرشيف الشفوي للتاريخ الفلسطيني) توثق فيه الشهادات التي يدلي بها الأجيال، والحكايات والمرويات، ويسعى إلى رقمنة هذه الشهادات وحفظها وتأمين الوصول إليها.
وفي جنوب أفريقيا عمدت لجنة الحقيقة والمصالحة التي تشكلت بعد مرحلة الفصل العنصري في عام ١٩٩٥ إلى اعتبار تلك الفترة ضمن التراث الشفوي، فعمدت إلى توثيق شهادات ضحايا العنف ومرتكبيه، وسمحت لهم أن يعبروا عن شهاداتهم.
هل علينا أن نعيد قراءة التراث الشفوي وتشذيبه؟
هناك رأيان في المحافظة على التراث الشفهيّ؛ الأول: أن نأخذ هذا التراث غير المادي كما هو، وننقله بحذافيره دون تدخل بينما يقول الرأي الآخر بضرورة تشذيب هذا الموروث وغربلته وتنقيته من الشوائب، وإخراجه بشكل مع الاحتفاظ بأركانه الرئيسية، وهذا ما أيده بعض المؤرخين والباحثين الذين يرون أهمية التراث الشفوي مع ضرورة تنقية الروايات الشفوية وتصفيتها من الكثير من المغالطات مثل ابن خلدون والطبري وغيرهم. وذكر ابن خلدون أن الرواية الشفوية جزء من التاريخ ومكمل له رغم أنه يضع شروطا لنقلها وصحتها.
الشيء الآخر الذي يهدد التراث المادي منه وغير المادي الشفوي بالخصوص هو السطو عليه وتبنيه من قبل دول ونسبه لها، فتعمل على توثيقه وتسجيله وكأنه تراث ملك لها. دول تجد نفسها بلا تاريخ ولا موروث، فتلجأ للسرقة والاستحواذ على تراث الدول الأخرى، كما فعلته وتفعله إسرائيل وبعض الدول التي تنسب بعض المأثورات الشعبية لها، وتسارع إلى تسجيلها في المنظمات الدولية. ولتجنب ذلك تقوم الدول والجماعات المضطهدة، أو التي تتعرض للاستعمار بحفظ تراثها الشفوي عن طريق تدوينه وترحيله لحفظه في مراجع دولية موثوقة خوفا من الطمس والضياع.
وهناك رواية المستعمر أو القوي، وهي غالبا ما يتم ترويجها وبثها عكس رواية المستضعف أو الضعيف المضطهد التي تتوارى، ولا يستطيع تدوينها نتيجة للاضطهاد والقهر الذي يتعرض له.