انعقدت ورشة العمل الثالثة ضمن فعاليات المؤتمر السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بعنوان: «المهن في مجال ريادة الأعمال كمتطلب في عصر الذكاء الاصطناعي»، وشارك في مناقشاتها نخبة من الخبراء والأكاديميين والمتخصصين، في إطار بحث العلاقة بين التطور التكنولوجي المتسارع، وقيم العمل، ومتطلبات البناء الحضاري.

وتحدث في الورشة كل من رائد الأعمال الدكتور محمد أبو النجا، والدكتور شيرين حلمي -لارئيس مجلس إدارة شركة فاركو، حيث تناولت المداخلات أثر الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل خريطة المهن، وظهور أنماط جديدة من ريادة الأعمال، في مقابل تراجع أو اختفاء بعض الوظائف التقليدية، مع التأكيد على أهمية الاستعداد الواعي لهذا التحول، وتنمية المهارات المستقبلية المرتبطة بالبيانات، والتقنيات الرقمية، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة.

وأكد الدكتور شيرين حلمي أن الذكاء الاصطناعي أسهم بالفعل في تحقيق إنجازات طبية نوعية، من بينها تطوير أدوية أسهمت في القضاء على بعض الفيروسات، مشيرا إلى أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على علاج أمراض الجسد، بل يمتد إلى مواجهة ما وصفه بـ«أمراض الروح والمعنى» في عالم يرهق الإنسان ماديًّا، مؤكدا أن التحولات المهنية المتسارعة تستدعي بناء وعي أخلاقي ومعرفي يحفظ للإنسان إنسانيته، ويحمي القيم الدينية من محاولات التشويه أو التوظيف المغلوط للتقنية.

وفي السياق ذاته، شدد الدكتور محمد أبو النجا على أن الخوف من اختفاء بعض الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن يقابله وعي بفرص جديدة تفرضها المرحلة، موضحًا أن المستقبل المهني يتجه بقوة نحو تخصصات تحليل البيانات، وتعلم الآلة، وتطوير البرمجيات، وإدارة الأمن المعلوماتي، وتصميم الواجهات الرقمية، في مقابل تراجع بعض المهن المرتبطة بالأعمال النمطية، مؤكدًا أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان القادر على التعلم المستمر والتكيف مع التحولات.

وشاركت في الورشة بأبحاث علمية نخبة من الباحثين، حيث قدم الأستاذ الدكتور باسم عبد الله - أستاذ الفقه المقارن بكلية الإمام الأعظم بالعراق، بحثًا بعنوان: «أثر الفقه في تنظيم المهن عند المسلمين من الإبداع إلى صناعة الحضارة»، تناول فيه البعد المقاصدي للمهن في القرآن الكريم، مؤكدًا أن التوحيد والتزكية والعمران تمثل أركانًا متلازمة في بناء الحضارة، وأن كل مهنة لا تنفصل عن مقام الإحسان، مشددًا على أهمية الحفاظ على الموروث المهني والهوية الحضارية في ظل الصراعات العالمية حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومؤكدًا أن توجيه البوصلة الأخلاقية هو الضمان الحقيقي للاستفادة من هذه الأدوات دون الارتهان لها.

كما قدمت الأستاذة الدكتورة إيمان كمال بحيري - واعظة متطوعة بوزارة الأوقاف وأستاذ الطب البشري بالقصر العيني، بحثًا بعنوان: «الطب الوقائي بين روحانية الإسلام والقواعد الطبية»، تناولت فيه مفهوم الطب الوقائي في ضوء المقاصد الشرعية، موضحة أن الطهارة في الإسلام تمثل نموذجًا متقدمًا للوقاية الصحية قبل اكتشاف الجراثيم بالمجهر، وأن العبادات، وفي مقدمتها الوضوء والصلاة، تسهم في حماية الإنسان صحيًّا ونفسيًّا، بما يحقق مقصد حفظ النفس والعقل.

وقدّم الدكتور محمدي صالح عطية من جامعة المنيا ورقة بحثية بعنوان: «مهنة تعليم العربية لغير الناطقين بها في عصر الذكاء الاصطناعي بين الواقع المهني والاستشراف المستقبلي»، أكد فيها أن تعليم اللغة العربية رسالة شرعية وتربوية قبل أن يكون وظيفة أكاديمية، وأن هذه المهنة تواجه تحديات كبرى، في مقدمتها فوضى الممارسة، والحاجة إلى ميثاق أخلاقي ومأسسة علمية تضمن جودة الأداء وكفاية المعلم، في ظل تزايد الإقبال العالمي على تعلم العربية.

كما ناقشت الواعظة ميرفت محمد رمضان في بحثها «الحرف والمهن في بناء الحضارة والتنمية بين القيم الإسلامية والتحديات المعاصرة» دور الحرف والمهن في ترسيخ قيم العمل والإتقان باعتبارهما أساسًا للتنمية المستدامة، ومواجهة التحديات المعاصرة عبر الجمع بين القيم الإسلامية ومتطلبات الواقع الحديث.

وشاركت الأستاذة الدكتورة إيمان إبراهيم - مدرس القانون التجاري بكلية الشريعة بنات بالقاهرة، ببحث تناول الضوابط الشرعية والقانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التجارة، مع الإشارة إلى أخلاقيات العمل التجاري في التشريع المصري، وأهمية التوازن بين الابتكار وحماية الحقوق والعدالة في المعاملات.

واختتمت الورشة بالتأكيد على أن ريادة الأعمال والمهن في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمكن فصلها عن القيم الأخلاقية والمرجعية الدينية، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في قيادة هذا التحول التكنولوجي، لا الانسياق خلفه، بما يضمن توظيفه في خدمة الإنسان، وحماية الهوية، ودعم مسيرة العمران والبناء الحضاري.

المصدر

المصدر: بوابة الفجر

كلمات دلالية: فيروسات الذكاء الاصطناعي صراعات مجلس إدارة محمد رمضان الحضارة رئيس مجلس إدارة التطور التكنولوجي وظهور مداخلات الأعلى للشئون الإسلامية اصطناعي الذكاء الاصطناع مقاصد الشرع فی عصر الذکاء الاصطناعی المهن فی

إقرأ أيضاً:

فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟

نشرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، تحليلاً اقتصادياً يحذر من أن طفرة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تحمل أعباءً أكثر مما يعترف به المستثمرون، مشيرة إلى أن الاقتصاد الأمريكي ودورة الأرباح وسردية السوق تستند جميعها إلى ركيزة ضيقة واحدة. 

وأوضح التحليل أن المؤشرات الرئيسية لصحة الاقتصاد لم تعد متوافقة، حيث يتركز النمو والأرباح في قطاع تكنولوجي محدود، مما يجعل القوة الظاهرية للاقتصاد هشة وتعتمد بشكل كبير على ثقة المستثمرين في عوائد الذكاء الاصطناعي.

تحذيرات من وصول أسعار النفط إلى 160 دولاراً مع تضاؤل الاحتياطيhttps://t.co/5rtzJNeAg7 pic.twitter.com/ObNpJsEaKz

— 24.ae (@20fourMedia) May 31, 2026

وبحسب "فايننشال تايمز"، يكمن اللغز في الاقتصاد الأمريكي في أن الإنفاق الاستهلاكي لا يزال متماسكاً، وأرباح الشركات تقترب من مستويات قياسية، بينما تراجعت وتيرة نمو الدخل الحقيقي المتاح، وبدا خلق فرص العمل ضعيفاً بشكل غير معتاد بالنسبة لاقتصاد يُفترض أنه لا يزال يتوسع بقوة. 

وأوضحت الصحيفة أن التفسير الأوضح لهذا التناقض هو "التركز"، حيث انحصرت مكاسب الأرباح وهوامشها والإنفاق الرأسمالي والقيمة السوقية في نظام بيئي ضيق للذكاء الاصطناعي، يضم صانعي الرقائق ومشغلي مراكز البيانات ومجموعات البنية التحتية المحيطة بهم، بينما تبدو الصورة أقل إقناعاً خارج هذه الدائرة.

أرباح استثنائية لأقلية تكنولوجية

وأشارت الصحيفة إلى أن أجزاءً كبيرة من الشركات الأمريكية لم تحقق سوى نمو متواضع في الأرباح أو واجهت ضغوطاً على الهوامش، إلا أن أداء السوق تهيمن عليه "أقلية استثنائية" بدلاً من الأغلبية المتوسطة، مما جعل الاقتصاد يبدو أقوى، وسوق الأسهم أوسع نطاقاً مما هما عليه في الواقع. 

ولفتت إلى أن حصة أرباح الشركات الأمريكية ارتفعت إلى مستوى قياسي بلغ 13.8% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تركزت قيادة السوق بشكل غير معتاد، حيث تستحوذ حفنة من الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الآن على نحو 40% من القيمة السوقية لمؤشر "إس آند بي 500"، وفقاً لبيانات "بنك أوف أمريكا".

وحذرت "فايننشال تايمز" من أن المستثمرين قد يدفعون مضاعفات أسعار مرتفعة لأرباح لا تمثل القطاع الأوسع للشركات، مؤكدة أن مخاطر التقييم لا تكمن فقط في أسهم التكنولوجيا باهظة الثمن، بل في احتمالية أن تكون خلفية الأرباح للسوق بأكمله أقل قوة مما تشير إليه البيانات الإجمالية.

سوق العمل والإنفاق الاستهلاكي

وفيما يتعلق بسوق العمل، أوضحت الصحيفة أن الشركات التي تحقق أكبر الأرباح حالياً هي الأقل كثافة في استخدام العمالة، وسجل نمو الوظائف في شهر أبريل (نيسان) نسبة 0.43% فقط مقارنة بالعام السابق، وهو أقل بكثير من الوتيرة السنوية المعتادة التي تتراوح بين 1% و1.5%. 

وأضافت أن مجموعات التكنولوجيا الكبرى حققت إيرادات ضخمة مع نمو محدود في عدد الموظفين، مما يضعف نمو الدخل الإجمالي ويجعل التوسع الاقتصادي أكثر هشاشة.

ويفسر هذا، وفقاً للتحليل، سبب ظهور الاستهلاك بشكل أقوى مما توحي به بيانات الدخل، حيث تأتي قوة الإنفاق بشكل متزايد من الأسر ذات الدخل المرتفع التي ترتبط ثرواتها بالأسهم أكثر من الأجور، وبحسب الصحيفة، أصبحت سوق الأسهم جزءاً من نموذج النمو، حيث إن ارتفاع أرباح الذكاء الاصطناعي يرفع أسعار الأسهم، مما يدعم القوة الشرائية للأثرياء، بينما تظل الأسر ذات الدخل المنخفض أكثر عرضة لضغوط الدخل الحقيقي وضعف سوق العمل.

طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع الأسهم إلى مستويات تاريخيةhttps://t.co/TlEP7rO4Tm pic.twitter.com/ycTSR9KaJO

— 24.ae (@20fourMedia) June 1, 2026 ركيزة هشة ومخاطر مستقبلية

وترى "فايننشال تايمز" أن هذا النطاق الضيق لا يعني بالضرورة إنهاء التوسع الاقتصادي حالياً، طالما أن المستثمرين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيحقق عوائد طويلة الأجل، لكنها حذرت من أن الهيكل ذاته الذي جعل الولايات المتحدة تبدو مرنة، يجعلها أيضاً تعتمد بشكل غير معتاد على "الثقة"، فكلما تدفقت المزيد من رؤوس الأموال نحو هذا القطاع، بدت الأرقام الإجمالية أكثر إقناعاً.

وتختتم الصحيفة تحليلها بالتأكيد على أن الخطر الحقيقي يكمن في استناد الاقتصاد ودورة الأرباح وسردية السوق إلى نفس الركيزة الضيقة، محذرة من أنه إذا تم التشكيك في العوائد المتوقعة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ولفتت إلى أن التداعيات لن تتوقف عند بعض أسهم التكنولوجيا، بل قد تمتد لتشمل ضعف الاستهلاك، وإعادة تقييم أوسع للقوة الاستثنائية الأمريكية، مشددة على أن أسس هذه القوة أضيق بكثير مما يود العديد من المستثمرين الاعتراف به.

مقالات مشابهة

  • الذكاء الاصطناعي يمنع «الانتحار بالقفز»
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد
  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • محافظ الوادى الجديد: وقف العمل بمنظومة البصمة خلال امتحانات الشهادات العامة والدبلومات الفنية
  • "لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
  • ما وراء الكود.. دراسة علمية حول السلطة الثقافة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي بجامعة بني سويف
  • ما السبب الحقيقي وراء استيقاظك بين الثالثة والخامسة فجراً؟ خبراء يكشفون الأسباب الخفية
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي