مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية

بيان إحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل د. الباقر العفيف مختار رمز الاستنارة

23 أبريل 1955- 23 يناير 2025

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (سورة الفجر: 27-30)

في ذاكرة الشعوب التي لا تموت، وفي ضمير وطن سوف ينهض من رماده، تحلُّ علينا الذكرى الأُولى لرحيل عَلَمٍ من أعلام الفكر والنضال والاستنارة، وقامةٍ شامخةٍ من قمم الإنسانية المُلتزمة.

الدكتور: الباقر العفيف مختار لم يكن رقماً يضاف إلى سجلّ الراحلين، بل كان مشروعاً حيّاً للتغيير، ومدرسةً فكريةً متكاملة، وضميراً أخلاقياً تجسّد في إنسان.

نستذكر اليوم ليس الفقيد وحده، بل مشروعاً تحررياً، ورؤيةً استشرافيةً، ومنهجاً ثورياً سلمياً صاغته يد المفكر وخبرة المناضل وقلب الإنسان. رحل الجسد في الثالث والعشرين من يناير 2025 ، لكن الأثر باقِِ.

وُلد الدكتور : الباقر العفيف مختار في 23 أبريل 1955 بمدينة الحوش بولاية الجزيرة، حيث تشرّب قيم العدالة والكرامة والحرية من واقع الريف السوداني الأصيل. وفي جامعة الخرطوم، تشكّل وعيه الفكري المبكر من خلال انتمائه إلى تنظيم الإخوان الجمهوريين وتتلمذه على يد الأستاذ/ محمود محمد طه، واستيعابه فلسفة “الواجب المباشر” التي أصبحت نبراساً لمسيرته كلها.

تميّز مساره العلمي بالتحصيل العالمي، فحصل على بكالوريوس التربية واللغة الإنجليزية من جامعة الخرطوم عام 1984، ثم ماجستير تطوير المناهج من الجامعة ذاتها عام 1988، ليتبعها بماجستير اللغويات التطبيقية من جامعة أستون في بريطانيا عام 1991، ثم دكتوراه الفلسفة في دراسات الشرق الأوسط من جامعة مانشستر عام 1996.

كان الدكتور/ الباقر العفيف مثقفاً عضوياً التزمت معرفته بالواقع، حيث بدأ معلمًا في مدرسة ابتدائية بالحوش بين عامي 1973 و1980، ثم محاضراً في جامعة الجزيرة بين 1988 و1990. انتقل إلى الأستاذية العالمية محاضراً في دراسات الشرق الأوسط بجامعة مانشستر متروبوليتان بين 1996 و2001، حيث درّس اللغة العربية، وتاريخ الإسلام، والتصوف، والفلسفة الإسلامية، وحقوق الإنسان في الإسلام.

اتسع نطاق عمله ليشمل العمل الحقوقي الدولي، فشغل منصب منسق الحملة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية بلندن بين 2001 و2005، ثم كان زميلاً باحثاً أول في معهد السلام الأمريكي بواشنطن بين 2005 و2006، حيث طوّر نظريته التحليلية حول أزمة الهوية والصراع في السودان.

في عام 2007، أسّس الدكتور الباقر  العفيف مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية (KACE)، محوّلاً إياه إلى واحدة من أنشط منظمات المجتمع المدني السودانية  وإلى منارة فكرية تُصدر الكتب وتنظم الندوات وتبني القدرات وتقود الحملات، وإلى فضاء حر للحوار والعروض السينمائية وتدريب الشباب، وشريكاً دولياً لمؤسسات مثل اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

في عام 2012، أغلقت السلطات المركز وصادرت أصوله، لكن الدكتور الباقر واصل عمله من منفاه، مؤكداً أن “الأفكار لا تُحجّرها الجدران”، وفي عام 2013، أسّس صحيفة “التغيير” الإلكترونية لتكون منبراً للإعلام الحر وجسراً بين الداخل والخارج.

لا يمكن فصل اسم د. الباقر العفيف عن ثورة ديسمبر 2018 المجيدة، فقد كان له قصب السبق في طرح فكرة “لجان المقاومة” والدور التأسيسي في صياغة هياكلها التنظيمية والتدريب الاستراتيجي للناشطين عبر وسائل التواصل، محولاً الرؤية التنظيرية إلى آليات عملية شعبية. أدرك بحكمة المفكر ودهشة الثوري أن التغيير الجذري يجب أن ينبثق من تنظيم إرادة القواعد الشعبية.

تروي ابنته “أمل السودان”، كان الدكتور الباقر أباً حكيماً يملأ البيت هدوءاً وحكمة، ورفيقاً يحوّل اللحظات العادية إلى فرص للتأمل والنقاش، ومناضلاً صبوراً يجمع بين “القوة الفولاذية” في المواقف الصعبة و”الصبر الجميل” خلال صراعه الطويل مع المرض. عاش سنواته الأخيرة مؤمناً برحمة الله، محتسباً، مواصلاً واجبه نحو وطنه دون شكوى أو تذمّر.

رحل الدكتور الباقر العفيف تاركاً إرثاً متعدد الأبعاد: إرثاً فكرياً وعلمياً في كتبه المرجعية وأبحاثه الأكاديمية ومحاضراته التي جمعت بين الرصانة العلمية والعمق الروحي، وإرثاً نضالياً وتنظيمياً في ثباته على مبادئ التغيير السلمي ودوره التاريخي في صناعة أدوات الثورة ونموذج “لجان المقاومة” الذي أصبح مرجعية عالمية في التنظيم الشعبي، وإرثاً مؤسسياً يتمثل في مركز الخاتم عدلان الذي يبقى رمزاً للاستنارة وصحيفة “التغيير” منبراً للإعلام الحر المستقل، مع مقترح أصدقاء الراحل في دمج الاسمين في “مركز الخاتم والباقر” تكريماً لصداقة نادرة ورؤية مشتركة، وإرثاً إنسانياً وقيادياً في جيلٍ كاملٍ من الشباب والقيادات الذين صقلهم وأرشدهم، وفي نموذجه القيادي الذي تميّز بالقيادة الاستشرافية والتخطيط الاستراتيجي المبدع.

د. الباقر العفيف لم يمت، بل هو حيّ في كل شابٍ يطمح للتغيير، وكل مثقفٍ يرفع صوته بالحق، وكل ناشطٍ يؤمن بأن السلم طريق والوعي سلاح، وكل إنسانٍ يرى في المعرفة أداة للتحرير.

في هذه الذكرى الأليمة الأولى، نَعْهَدُ إليك – المستنير  والمناضل – بأن نحفظ تراثك الفكري ونشره بين الأجيال، ونواصل مشروع الاستنارة عبر مؤسسات راسخة، ونسير على الدرب الذي أضأت نحو سودان الحرية والسلام والعدالة والاستنارة، ونحمل شعلتك التي  أنارت درب الثورة والتغيير. لقد بلغتَ الرسالة، وأدّيتَ الأمانة، وزرعتَ البذور، فلترقدْ بسلامٍ يا رمزَ الاستنارة، يا من جعلتَ من الفكر سلاحاً، ومن السلم طريقاً، ومن الإيمان بالوطن عقيدة. رَحِمَكَ اللهُ يا دكتور/ الباقر العفيف رحمةً واسعةً، وأسكنكَ فسيحَ جنّاتِهِ.

وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

أسرة مركز الخاتم عدلان للاستنارة

23 يناير 2026 م

الوسومالشرق الأوسط الفكر والاستنارة اللغة العربية حقوق الإنسان د. الباقر العفيف شمال أفريقيا لبنان مانشستر متروبوليتان مدينة الحوش مركز الخاتم عدلان للاستنارة معهد السلام الأمريكي منظمة العفو الدولية ولاية الجزيرة

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الشرق الأوسط اللغة العربية حقوق الإنسان د الباقر العفيف شمال أفريقيا لبنان مانشستر متروبوليتان مدينة الحوش مركز الخاتم عدلان للاستنارة معهد السلام الأمريكي منظمة العفو الدولية ولاية الجزيرة مرکز الخاتم عدلان للاستنارة الدکتور الباقر

إقرأ أيضاً:

مختار جمعة: يجوز شرعًا سداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين من أموال الزكاة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دعا الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، إلى استثناء الطلاب المتفوقين غير القادرين على سداد المصروفات الدراسية من قرارات حجب النتائج، مؤكدًا أن الحفاظ على حقهم في التعليم ودعم تفوقهم العلمي يمثل واجبًا وطنيًا ومجتمعيًا لا يقل أهمية عن أي استثمار في مستقبل الدولة.

وقال “جمعة” في تعليق له على قرار حجب درجات الطلاب غير المسددين للمصروفات الدراسية، إن من الضروري مراعاة الظروف الاقتصادية للأسر غير القادرة، مقترحًا استثناء الطلاب المتفوقين من هذا الإجراء تقديرًا لتفوقهم العلمي، أو أن تتولى مؤسسات المجتمع المدني وكبار رجال الأعمال سداد المصروفات المستحقة عنهم، باعتبار أن التعليم يمثل أولوية قصوى وقاطرة التقدم لأي أمة.

وأكد وزير الأوقاف السابق، أنه يجوز شرعًا سداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين من أموال الزكاة، سواء بصورة فردية عن طالب بعينه أو بصورة جماعية عن مجموعة من الطلاب المتعثرين، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يمكن أن تضطلع به أيضًا وزارة التضامن الاجتماعي أو المؤسسات الخيرية المختلفة، في إطار مسؤوليتها المجتمعية تجاه دعم التعليم.

وشدد على أن الدولة المصرية تضع التعليم في مقدمة أولوياتها، وهو ما يستوجب أن يصبح دعم العملية التعليمية أولوية لدى جميع مؤسسات الدولة، وكذلك لدى مؤسسات المجتمع المدني وأهل الخير والقادرين من أبناء الوطن.

وأشار إلى أن حرمان طالب متفوق من استكمال مسيرته التعليمية بسبب عجز أسرته عن سداد المصروفات يمثل خسارة كبيرة للمجتمع بأكمله، متسائلًا عن الأثر النفسي الذي قد يتركه هذا الحرمان على الطالب، في مقابل ما يمكن أن يشعر به إذا وجد من يمد له يد العون ويفتح أمامه أبواب الأمل لاستكمال تفوقه الدراسي.

واستشهد وزير الأوقاف السابق، بأبيات لأمير الشعراء أحمد شوقي كان قد دعا فيها إلى رعاية طلاب الأزهر المكفوفين، مؤكدًا أن دعم المتفوقين ورعاية الموهوبين استثمار حقيقي في مستقبل الوطن، وأن الطالب الذي نساعده اليوم قد يصبح غدًا عالمًا بارزًا أو قائدًا ناجحًا يسهم في نهضة بلاده.

وشدد على أن الاستثمار في المعرفة والتعليم الجيد هو أعظم أنواع الاستثمار على مستوى الفرد والمجتمع، مشددًا على أن دعم الطلاب المتفوقين، خاصة من غير القادرين، يجب أن يحظى بأولوية خاصة لما يمثله من استثمار مباشر في مستقبل مصر وأجيالها القادمة.

مقالات مشابهة

  • بخاتم مختلف وفستان مستوحى من السبعينيات.. كم كلفة إطلالة دوا ليبا في حفل زفافها؟
  • جامعة العاصمة تحتفل باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية
  • ندوة ثقافية في الحديدة إحياء لذكرى يوم ولاية
  • صناع «إذما» لـ«الوفد»: الفيلم رحلة إلى أعماق النفس البشرية خارج حسابات الأكشن والكوميديا
  • أخطر داء يقـ.ـتل المواهب.. مختار جمعة يقترح تشديد عقوبة الغش في الامتحانات
  • لتأمين البنية التحتية الرقمية.. رئيس جامعة دمنهور يتفقد مركز البيانات الرئيسي ويوجه بتجهيز موقعًا احتياطيا
  • زيارة ضريحي فقيدي الوطن الحبيشي وناشر في الذكرى السنوية السادسة لرحيلهما
  • في الذكرى ال5 للإدارة الحالية.. موظفو الخطوط الجوية اليمنية يستعرضون إنجازات الشركة وسط ظروف استثنائية
  • ندب الدكتور باسم سيد نبوي لتسيير أعمال رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية
  • مختار جمعة: يجوز شرعًا سداد المصروفات الدراسية للطلاب غير القادرين من أموال الزكاة