الباقر الحاضر الأثر وإنْ غاب الجسد
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
الباقر الحاضر الأثر وإنْ غاب الجسد
خالد فضل
يا منايا حوّمي حول الحمى واستعرضينا
واصطفي
كل سمح النفس بسام العشيات
الوفي
الحليم العف كالأنسام روحاً وسجايا
صلاح أحمد إبراهيم- نحن والردى
وكأن صلاحا قد أودع نصّه استباقا في وداع الباقر العفيف؛ العف في متن القصيد الذي يحيي ذكر من غادروا بأجسادهم لتبقى أرواحهم، أفكارهم، مواقفهم المؤثرة لا يطويها الترب أو تحتويها جبّانة.
من الناس من يعيش في الدنيا ثم يمضي فينتهي وجوده بالفناء، الموت الذي هو سبيل الأولين والآخرين، بل هناك من يتمنى الناس رحيلهم لما يسببونه من بلواء، بينما يخلد عبر الأزمنة آخرون، لأنهم لم يعبروا الحياة دون أثر باقٍ، وقد جاء في الأثر إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث علم ينتفع به أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له، والباقر قد حاز على كل هذه الصفات، بل تعددت مآثره لتشمل العطاء الإنساني الثر، فهو منافح مرموق عن حقوق الإنسان على منهج شرعتها الدولية وسمتها الإنساني الشامل.
تعرفت على د. الباقر أولا عبر مدخله الاجتماعي؛ شقيق أكبر لزميلتنا عفاف؛ لاحقاً زوجة صديقنا وزميلنا أمير إدريس فقد كانا في الدفعات التالية لنا في جامعة جوبا فيما بعد منتصف الثمانينات، وبحكم أننا من منطقة الحوش في جنوبي الجزيرة توثقت الصلات.
تابعت نشاطاته ومساهماته القيمة في مجالات حقوق الإنسان ونضاله الفكري والثقافي ومثابرته عبر مركز القاهرة لحقوق الإنسان، فقد قرأته كاتباً ومحرراً لعدد من إصدارات المركز خلال حقبة التسعينات ومطالع القرن الجديد، برز د. الباقر كأحد أعمدة الدفاع عن حقوق الإنسان في بلادنا، وتنوعت إسهاماته ومشاركاته في هذا المضمار، مع وضوح في الرؤية وسطوع للفكرة وشجاعة في الرأي بمسؤولية وحكمة، فلم يكن ناشطاً سياسياً خفيف الوزن بل ركناً ركيناً في العمل الفكري والإنتاج السياسي المعزز للوعي والمعرفة، وتجلى ذلك في إدارته لمركز الخاتم عدلان كواحد من أبرز منصات الوعي والرصانة في بحر العقد الأول للقرن الحالي.
التقيت الباقر كفاحاً خلال هذه الفترة، فوجدته يجسد فكرة الإنسان الحر الذي يفكر كما يشاء ويقول كما يفكر ويفعل كما يقول وذاك مقام رفعة وسمو، بجانب روح سمحة عذبة وحس مرهف ووفاء وحب للبيت الكبير والعائلة الممتدة، كان مخلصا وبارا بوالدته، شفوقا عطوفا بأخواته وأخوانه، تتكامل فيه خصائص الإنسان الراقي فكراً وسلوكاً، المتسق رأياً وشعوراً ولا غرو فهو من تلاميذ مدرسة الأستاذ الشهيد محمود محمد طه.
أكرمني الزمان بمعرفة د. الباقر، تعلمت منه، استلهمت من أفكاره النيرة، وسعدت بمحاورته، فكان حواراً عميقاً وشفافاً وجريئاً، ثم لاحقاً عبر صحيفة التغيير الإلكترونية التي ولدت منارة للوعي ورهاناً على الشعب في سنوات القمع والتشريد التي مارستها سلطات الإسلاميين ضد حرية الصحافة والتعبير، تعمقت علاقتي بالباقر وأخوانه خلف الله والمرحوم جمال، وأخواته، وخاصةً شقيقتهم الأصغر هاجر وزوجها الطبيب الصديق ربيع وزهراتهم مي ورهيد وأخوهن مصطفى في علاقة أسرية ممتدة كانت روح الباقر حاضرة فيها لم تغب في حياته ولن تغيب برحيله، وظل الباقر دوماً هو العمود الفقري في كل ذلك التواصل الرفيع، فهو الحليم العف، السخي المعطاء، ولن أنسى مساهمته الكبيرة ومساهمة مركز الخاتم عدلان في رحلتي الاستشفائية إلى موسكو مطلع العام 2018م، ومتابعته اللصيقة لحالتي وسؤاله المستمر ولهفته واشفاقه.
مداخل الباقر كلها رحيبة، وخطواته الواثقة تشكل معالم إنسانية رفيعة، في نضاله الصلب ضد الديكتاتورية والتزييف واستغلال الإسلام تجارة تبور عند الممارسة للسلطة، إنسانيته المفعمة بالخير والصدق والوفاء والمحبة، تواضعه وكرمه كقيم تدل على نصاعة المنبت وحسن التربية ورصانة النشأة، شغفه بالعلم وتفوقه الأكاديمي كأستاذ جامعي وباحث مرموق، يجمعها كونه إنسان فأنعم بها من قيمة لا يطالها كثر ممن عاشوا ومضوا، لكن الباقر يظل فينا ما دمنا أحياء.
عليه الرحمة الواسعة من رب العباد، فد مضى طاهر الأثواب تود كل رياض الأرض لو أنها قبره، لكن القبر لا يحوي مثله أبداً. سلام على روحك الطاهرة في عليين، مكانك شاغر جسداً لكنه حاضر أثراً وروحاً وعملاً.
الوسومالإسلام الباقر العفيف الديكتاتورية خالد فضل صلاح أحمد إبراهيم محمود محمد طه مدينة الحوش مركز الخاتم عدلان للاستنارة مركز القاهرة لحقوق الإنسان موسكو نحن والردى ولاية الجزيرة
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الإسلام الباقر العفيف الديكتاتورية خالد فضل صلاح أحمد إبراهيم محمود محمد طه مدينة الحوش مركز الخاتم عدلان للاستنارة موسكو ولاية الجزيرة
إقرأ أيضاً:
اتفاق بـ60 مليون دولار ينقذ مليار و300 مشاهد من حجب المونديال
عاش عشاق الساحرة المستديرة في الهند حالة من القلق والترقب الشديدين، بعد أن هددت أزمة حقوق البث التلفزيوني بحرمان واحدة من أكبر الدول اكتظاظاً بالسكان في العالم من متابعة منافسات بطولة كأس العالم.
جاء الانفراج المنتظر قبل أيام قليلة على انطلاق العرس الكروي العالمي، إثر ماراثون من المفاوضات المعقدة والشاقة بين الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وجهات البث المحلية.
????????رسمياً :
بعد 10 أيام فقط من بداية كأس العالم، توصلت الاتحاد الدولي لكرة القدم أخيرًا إلى اتفاق لنقل بطولة كأس العالم في الهند ????????
???? في البداية، كانت الاتحاد الدولي لكرة القدم تطالب بحوالي 100 مليون دولار أمريكي مقابل حقوق البث.
???? انخفضت القيمة في النهاية إلى حوالي 60… pic.twitter.com/HxlPO5kbuU
وبحسب شبكة "بي بي سي" فإن الخلاف المالي كان حجر العثرة الأساسي في هذه الأزمة غير المسبوقة، حيث كانت الجهات المالكة لحقوق الفيفا تطالب في بادئ الأمر بمبلغ فلكي يصل إلى حوالي 100 مليون دولار لمنح رخصة البث داخل الأراضي الهندية، وهو الرقم الذي واجه رفضاً قاطعاً من القنوات المحلية التي اعتبرت القيمة مبالغاً فيها ولا تتناسب مع السوق الإعلاني للعبة هناك مقارنة برياضة الكريكت.
ومع تصاعد حدة الانتقادات الجماهيرية وتزايد الضغوط على الاتحاد الدولي لتفادي خسارة سوق استهلاكي يضم ملايين المشجعين، بدأت القيمة المالية المطلوبة في الانخفاض تدريجياً لتبلغ نحو 60 مليون دولار، حتى نجحت الأطراف المتنازعة في التوصل إلى صيغة اتفاق نهائي أسدل الستار على الأزمة، مما سمح للقنوات الهندية بالبدء فوراً في نقل المباريات المتبقية من البطولة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وتعكس هذه الواقعة، التي سُجلت كواحدة من أغرب أزمات البث في تاريخ كأس العالم، حجم الصراع التجاري المحموم الذي يدور خلف الكواليس في عالم كرة القدم، حيث أثبتت التجربة أن الخوف من خسارة الشغف الجماهيري في الأسواق الكبرى قد يجبر أعتى المنظمات الرياضية على تقديم تنازلات مالية ضخمة في ربع الساعة الأخير لتأمين وصول اللعبة إلى الجميع.
وسبق أن عاشت بلاد المليار و300 نسمة مشكلة مشابهة قبل مونديال 2022 بقطر، إذ كانت شركة Infront (التي تمتلك حقوق البث الحصرية من الفيفا وقتها) تطلب مبلغاً ضخماً يتراوح بين 80 إلى 100 مليون دولار لمنح حقوق البث داخل الهند.
غير أن القنوات الهندية (وعلى رأسها التلفزيون الحكومي Doordarshan) رفضت دفع هذا المبلغ الضخم، لأن كرة القدم لم تكن اللعبة الشعبية الأولى هناك مقارنة بالكريكت، واعتبرت أن القيمة مبالغاً فيها.