هدنة قصيرة بالأسواق العالمية بعد تراجع ترمب عن تهديداته لأوروبا
تاريخ النشر: 23rd, January 2026 GMT
تنفست الأسواق الأوروبية والعالمية الصعداء، ولو مؤقتا، عقب تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تهديده بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية، في خطوة أنهت فصلا جديدا من التصعيد التجاري الذي خيم خلال الأسابيع الماضية على العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي.
وجاء هذا التراجع بعد توتر متصاعد على خلفية الخلاف السياسي المرتبط بملف جزيرة غرينلاند، والذي كاد يتحول إلى أزمة تجارية مفتوحة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وكانت المفوضية الأوروبية قد اعتبرت، في خضم هذه التطورات، أن الاتحاد الأوروبي يقف عند مفترق طرق حاسم، تختبر فيه وحدته الداخلية وقدرته على الرد الجماعي والحاسم على تهديدات واشنطن، بما يضمن الحفاظ على استقلال قراره الاقتصادي وحماية مصالحه التجارية في مواجهة ضغوط الإدارة الأمريكية.
ولوّح ترمب بفرض رسوم جمركية تبدأ بنسبة 10% على الواردات الأوروبية، مع إمكانية رفعها تدريجيا لتصل إلى 25%، في خطوة اعتبرها مراقبون امتدادا لما بات يعرف بـ"الفصل الثاني" من الحرب التجارية بين الجانبين، بعد الرسوم التي أقرها البيت الأبيض خلال العام الماضي.
وتعكس هذه التهديدات حالة التدهور غير المسبوقة في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين واشنطن وبروكسل، حيث باتت الثقة المتبادلة في أدنى مستوياتها، وسط مخاوف أوروبية من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى تقليص حجم المبادلات التجارية وإلحاق أضرار واسعة بسلاسل الإمداد والأسواق المالية العالمية.
تجارة بقيمة تريليوني دولاروتكتسب هذه التوترات أهمية خاصة بالنظر إلى الحجم الهائل للتبادل التجاري بين الطرفين. ففي عام 2024، بلغ حجم التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نحو تريليوني دولار، ما يجعل هذه العلاقة التجارية الأكبر عالميا.
ووفق الأرقام المتداولة، صدّر الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة ما يقارب 624 مليار دولار، في حين استورد منها نحو 400 مليار دولار، وهو ما يعكس فائضا تجاريا لصالح أوروبا يُقدر بنحو 60 مليار دولار عند احتساب السلع والخدمات معا. ويعد هذا الفائض أحد أبرز الذرائع التي تستخدمها واشنطن للضغط على شركائها الأوروبيين واتهامهم بتحقيق مكاسب غير عادلة من التجارة الثنائية.
إعلانوتتصدر المنتجات الصيدلانية والطبية قائمة صادرات الاتحاد الأوروبي إلى السوق الأمريكية، إلى جانب السيارات وقطع غيارها، والآلات والمعدات الصناعية، وهي قطاعات حيوية تشكل ركائز أساسية للصناعة الأوروبية وتوفر ملايين فرص العمل داخل دول الاتحاد.
في المقابل، تستورد أوروبا من الولايات المتحدة منتجات البترول ومشتقاته، إضافة إلى آلات ومعدات توليد الطاقة، وقطع غيار الطائرات، وهي سلع إستراتيجية تعتمد عليها قطاعات الطاقة والنقل والصناعة الأوروبية.
أوراق ضغط أوروبيةورغم استخدام الولايات المتحدة لفائضها التجاري كورقة ضغط سياسية واقتصادية، يرى الأوروبيون أن لديهم بدورهم أدوات ردع قادرة على موازنة الكفة في حال تجدد التصعيد. ويبرز في هذا السياق قانون مكافحة الإكراه الاقتصادي الذي أقره الاتحاد الأوروبي عام 2023، والذي يتيح لبروكسل اتخاذ إجراءات مضادة ضد أي دولة تستخدم التجارة أو الرسوم الجمركية كوسيلة للضغط السياسي.
إلى جانب ذلك، لا يستبعد مراقبون لجوء الاتحاد الأوروبي إلى التصعيد التجاري المتبادل، سواء عبر فرض رسوم مقابلة أو عبر قيود تنظيمية تطول الشركات الأمريكية العاملة في السوق الأوروبية.
السلاح المالي خيار أخيروتتجاوز أوراق الضغط الأوروبية البعد التجاري لتشمل أدوات مالية ذات تأثير بالغ. إذ تمتلك دول الاتحاد الأوروبي سندات خزانة أمريكية تقدر قيمتها بنحو 3.6 تريليونات دولار، ما يمنحها نفوذا مؤثرا في الأسواق المالية الأمريكية.
ويحذر خبراء من أن استخدام هذا "السلاح المالي" سيعني عمليا بدء ابتعاد أوروبا تدريجيا عن أسواق وول ستريت، والتوجه نحو ملاذات آمنة مثل الذهب، أو تعزيز الشراكات المالية والتجارية مع تكتلات وأسواق دولية أخرى، وهو سيناريو قد يترك تداعيات عميقة على النظام المالي العالمي.
ورغم أن تراجع ترمب عن تهديداته الجمركية منح الأسواق هدنة قصيرة الأجل، إلا أن جذور الخلاف بين واشنطن وبروكسل ما زالت قائمة، وسط غياب حلول دائمة تعالج اختلالات العلاقة التجارية بين الطرفين. ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستظل محكومة بمنطق الحذر والترقب، في انتظار ما إذا كانت هذه التهدئة مقدمة لإعادة ضبط العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، أم مجرد استراحة قصيرة قبل جولة جديدة من المواجهة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة الاتحاد الأوروبی
إقرأ أيضاً:
من واشنطن.. أمريكا وإيران نحو مزيد من التصعيد وترمب يواصل استهداف المهاجرين
فبينما يعمل الوسطاء على إعادة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات، تتزايد التهديدات بين البلدين بالتزامن مع ضربات عسكرية يقول مسؤولون أمريكيون سابقون إنها ما تزال منضبطة، لكنها قابلة للتوسع.
فالمنطقة – كما تقول مساعدة وزير الخارجية الأمريكي السابقة باربرا ليف – تمضي باتجاه المساحة الخطرة للصراع بينما يعمل الوسطاء على خفض التصعيد والرجوع للمفاوضات.
وخلال مشاركتها في حلقة من واشنطن، قالت المسؤولة الأمريكية السابقة إن مستوى الثقة متدن جدا بين واشنطن وطهران، وإنه لن يكون ممكنا الدخول في مفاوضات البرنامج النووي قبل تسوية النزاع بشأن مضيق هرمز.
فإيران تريد السيطرة على المضيق وفرض معادلة إستراتيجية جديدة في المنطقة، وهو ما لن تقبل به الولايات المتحدة ولا دول الجوار، برأي ليف، التي قالت إن "المتشددين الذين يمسكون بالأمور في إيران يعتقدون أن بإمكانهم ممارسة مزيد من الضغط على الرئيس دونالد ترمب عبر الإمساك بالاقتصاد العالمي".
ومع ذلك، تعتقد المتحدثة أن مضيق هرمز "ليس هو النبع الذي ستواصل إيران الشرب منه لأنه مجرد جزء من عملية الردع ليس إلا"، بيد أن من تصفهم بالمتشددين الذين يديرون البلاد بعد مقتل القادة السياسيين والعسكريين السابقين يحاولون إعادة تشكيل المنطقة وإحياء شبكة الوكلاء، ويماطلون في المفاوضات.
ولا تتوقع ليف أن يتوصل البلدان إلى أي تقدم بشأن ملف إيران النووي قبل الانتهاء من أزمة هرمز التي تعتقد أنها ستستمر حتى موعد الانتخابات النصفية في الكونغرس.
فالعمل العسكري ليس كافيا لحسم مسألة هرمز، كما تقول المسؤولة الأمريكية السابقة، التي ترى أن الإيرانيين "يشعرون بأن لديهم الأفضلية، ويحاولون استغلال ما يعانيه ترمب من هشاشة سياسية واقتصادية".
وفيما يتعلق بموقف دول الخليج من هذه الحرب، قالت ليف إن هذه الدول ترى أنه "لا مفر من الجغرافيا، وتحاول التعايش مع إيران رغم غضبها الكبير منها"، مضيفة أنه "من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة تستمع لأصوات هذه الدول أم لا".
أما الضابط السابق في الاستخبارات الأمريكية سكوت أولينغر فيرى أن خيار الدبلوماسية "لم يعد سهلا، لأن إيران تمتلك تاريخا طويلا في الاحتيال عبر المفاوضات وهو جزء مهم من إستراتيجيتها".
فعلى المدى القصير، يعتقد أولينغر أن طهران ربما تتفاوض جزئيا بشأن هرمز لأن الهجمات الأمريكية الأخيرة ركزت على هذه المنطقة وقوضت قدرات إيران على قصف السفن، ومع مزيد من التقويض سوف تزيد حركة الملاحة وسيعرف الإيرانيون أنهم خسروا هذه المعركة المحدودة ولن يكون باستطاعتهم السيطرة على المضيق.
ولو اتسمت ببعض الواقعية، كما يقول المتحدث، فقد تنخرط في المباحثات رغم الاختلاف بشأن المسألة النووية، لأن الحصار الأمريكي يدفع الاقتصاد الإيراني نحو الانهيار، وهو ما يراهن عليه ترمب لإعادة النظام الإيراني للمفاوضات.
وفيما يتعلق بتغيير النظام الإيراني، قال أولينغر إن إدارة ترمب "لا تريد تغييرا نشطا للنظام، وهو ما يدفعها لاستهداف البنية التحتية لإيران، لتحريك المواطنين، وربما يتم تسليح بعض المعارضين في بعض المحافظات عبر المخابرات الأمريكية".
والسبب في ذلك برأي الضابط الأمريكي السابق أن إدارة ترمب تعتقد أن الحكومة الإيرانية "لن تكون قادرة على مواجهة هذه التحركات لأن قوتها تراجعت كثيرا عما كانت عليه في أول الحرب"، وهو ما يجعل احتمالية مواصلة التصعيد 70% مقابل 30% للمفاوضات، برأيه.
حرب ترمب على المهاجرين
وفي ملف داخلي، ناقش "من واشنطن" مسارعة ترمب لتشديد القيود على المهاجرين النظاميين وذلك بعد أن اتخذ خطوات جديدة للحد من قدرة بعض الفئات على البقاء في الولايات المتحدة.
فلأكثر من قرنين قدمت الولايات المتحدة نفسها كأمة للمهاجرين، لكن هذا التعريف يخضع لاختبار جديد بعدما بدأت الإدارة الحالية استهداف شرائح جديدة من المهاجرين، كما قال تقرير نشرته حلقة "من واشنطن".
فالحملة هذه المرة تستهدف تضييق نطاق الهجرة القانونية وتحديدا للطلاب والصحفيين الأجانب، فضلا عن إجراءات لم شمل العائلات التي يحتمل أن تشكل عبئا اقتصاديا مستقبلا، بما يعكس توجهات ترمب نحو مزيد من التشدد مع المهاجرين.
ووفق معهد "كاتو"، فقد اتخذت إدارة ترمب الحالية قرارات ضد الهجرة النظامية تفوق التي استهدفت الهجرة غير النظامية بمرتين ونصف، وهو ما يراه ترمب انتصارا لرؤيته المتعلقة بالمهاجرين.
فقد اتخذ الرئيس الأمريكي أكثر من 500 إجراء يتعلق بالهجرة خلال العام الأول من عهدته الرئاسية الثانية، كما سجلت إدارة الهجرة والجمارك تصعيدا في اعتقال المهاجرين بما يصل إلى 4 أضعاف، وزاد عدد المحتجزين يوميا بمقدار الضعف، وفقا لمعهد سياسات الهجرة.
وتعليقا على هذه الخطوات، قال قاضي الهجرة الأمريكي السابق أندرو آرثر إن الطلاب الذين كان يسمح لهم بدخول الولايات المتحدة لفترة مفتوحة أصبحوا مقيدين بـ4 سنوات للطلبة الجامعيين و6 سنوات لطلبة الماجستير والدكتوراه، بعد القواعد الجديدة التي فرضها الكونغرس.
كما قال مدير دراسات الهجرة في معهد "كاتو"، ديفيد بير، إن الإدارة الأمريكية "لم تكن في غاية الوضوح فيما يخص إمكانية تمديد التأشيرات للطلاب بعد نهاية السنوات الـ4″، وإن هناك حديثا عن ضرورة عودة من يريدون الحصول على الإقامة الدائمة إلى بلادهم أولا ثم العودة إلى الولايات المتحدة.
لذلك يعتقد بير أنه لا الطلاب ولا المهاجرون الآخرون "يعرفون ما هي القواعد في الوقت الراهن ولا في المستقبل، مما يؤثر في قراراتهم بشأن بقائهم في الولايات المتحدة أو الذهاب للدراسة أو العمل في بلد آخر".
Published On 23/7/202623/7/2026|آخر تحديث: 19:11 (توقيت مكة)آخر تحديث: 19:11 (توقيت مكة)حفظ
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعيshare-nodesشارِكْ
facebookxwhatsapp-strokecopylink