من أهم أبواب اللغة هو باب الصفات، ولا تكون الصفات إلا عبر ندرتها ولولا ندرة الشجاعة مثلاً لما كانت صفة فخرٍ أو مادةً للمديح والتنافس. ومن هذا الباب دخل أبو تمام لقراءة الثقافة الشعرية العربية، وجعل باب الحماسة أوسع أبواب كتابه عن الشعر، وجعل الحماسة مادة أولية للكتاب وعنواناً له، وكذلك فعل الجاحظ في كتابه (البخلاء)، حيث التقط البخل من حيث هو صفةٌ تدخل من باب النوادر، وتتبع من اتصفوا بها وجمع قصصهم لتعزز صفتهم التي رآها تجري عليهم باستحقاق يعزز موقفه الثقافي.

وهذا يكشف عن حذاقة في الجاحظ ميّزته وصنعت منه مثالاً نادراً في التأليف وجمع المتناقضات، فهو من كتب عن المهمشين كما كتب عن النخب العليا، وقدم الأعراب ليجعل طرائفهم مادةً تعتد بها الثقافة وتحيل إليها وتهذب بها أذواقهم، وتتجمل بها أحاديثهم في السمر وفي المحاورات، ومثله المبرد عن تكاذيب الأعراب، وقد بنيت عليها بحثاً عن جماليات الكذب جعلته فصلاً في كتابي (القصيدة والنص المضاد) بما أن فن التكاذيب فنٌّ من أدق فنون السرديات وبلاغيات اللغة والمتخيل، وأراه فناً قائماً بشرطه المفاهيمي ونوعه الأسلوبي، وكل ذلك يأتي عبر قراءة الحس التأليفي عند كبار نقاد العصر العباسي بحذاقتهم النادرة وشجاعتهم المعنوية في كسر طبقيات التفكير النخبوي، حيث نظروا للمغفول عنه والذي سيسميه بعضنا بالتافه حسب شتيمة هذا الزمن بما أنها حالة طردٍ وإقصاء لما لا يتسق مع شرط النخبوية.
    ورغم فخامة تخصص المبرد في علم اللغة ووصفه لكتابه بالكامل وهو وصف طبقي استعلائي، لكنه كسر الغرور التخصصي، وأتى بالطريف والعجائبي، وكما يأخذون مرجعياتهم الأولية من البادية ويرونها الفصحى التي يحتج بها وهي دليل الفصاحة والنقاء الثقافي، لكن الجاحظ والمبرد معاً لم يقعا بالعمى الثقافي، ونزلا للواقع التي تعيشه ثقافة الناس حتى من الجواري والعبيد وغيرهم من عينات بشريةٍ واقعيةٍ، ولها فاعليتها في صناعة الذائقة الأدبية والمادة الأسلوبية. ومن الضعف تتفتق القوة، فالماء أضعف من الصخر، ولكن لا يفتت الصخر المتصلب غير الماء الضعيف السائل، وهذه من أهم سلوكيات اللغة حين تكسر فصاحتها بشعبيتها وتزين جدها بهزلها، ومن ثم يتميز أصحاب الفكر النادر حين يرون ما لا يرى الشاهقون، ولذا برز الجاحظ والمبرد وحققا ما لم يحققه أهل عصرهما بالوقوف على المسكوت عنه، كما وقف أبو الفرج الأصفهاني على سمر ليالي بغداد وصنع منها مدونةً خلدت ذاكرة أمة اندثرت وبقي أثرها فرأينا عبره شعر العرب يدخل مع سرديات تجمع الحكي والطرب وقصص الفحول، ومثله كتاب ألف ليلة وليلة الذي سجل ذاكرة النساء وخلد وجدان من كن في محابس الظلام، فخرجت حكاياتهن لضوء نهار الثقافة. وهذه من صفات السلوك الثقافي النادر صفةً وجوهراً.
* كاتب ومفكر سعودي - أستاذ النقد والنظرية
/  جامعة الملك سعود - الرياض

أخبار ذات صلة د. عبدالله الغذامي يكتب: ذاكرة الرادو د. عبدالله الغذامي يكتب: كلٌّ بعقله راضٍ

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: الغذامي عبدالله الغذامي

إقرأ أيضاً:

بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار

في إطارِ كسرِ الحصارِ الظالمِ والغاشمِ الذي يفرضه العدوُّ السعوديُّ على شعبِنا العزيزِ منذُ اثني عشرَ عامًا، وتثبيتًا لمعادلةِ “الحصارُ بالحصار”، نفذتِ القواتُ المسلحةُ اليمنيةُ عمليةً عسكريةً نوعيةً استهدفت سفينتين نفطيتين سعوديتين خالفتا قرارَ الحظرِ الصادرَ عنِ القواتِ المسلحةِ في البحرِ الأحمر.

يمانيون | علي صومل

 

تُعدُّ هذه العمليةُ النوعيةُ أولَ ترجمةٍ عمليةٍ لمعادلةِ “الحصارُ بالحصار”، فلها وهجُ البداية، وكلُّ بدايةٍ تكتسبُ حكايةً خاصةً مهما كان حجمُها.
ولم يكن اختيارُ السفنِ النفطيةِ اعتباطًا؛ فالنفطُ هو الشريانُ الاقتصاديُّ الأهمُّ للعدوِّ السعودي، واستهدافُ ناقلاتِه يحملُ رسالةً واضحةً مفادُها أنَّ من يفرضُ الحصارَ على غيرِه لن يبقى بمنأًى عن تبعاتِه، وأنَّ كلفةَ استمرارِ العدوانِ لن تظلَّ أحاديةَ الاتجاه.
وقد جاءت هذه الخطوةُ بعد سجالٍ سياسيٍّ وإعلاميٍّ حادٍّ استمرَّ يومين متواصلين، وكان المضيُّ قدمًا في تنفيذِ التهديد لا يقلُّ أهميةً عن العمليةِ ذاتِها؛ إذ إنَّ مصداقيةَ الردعِ تُبنى على الوفاءِ بالوعيد، لا على إطلاقِه فحسب.
وتمثلُ هذه العمليةُ الردَّ العمليَّ البليغَ على كلِّ بياناتِ النفاقِ والتطبيلِ المنددةِ بفرضِ الحصارِ البحريِّ على العدوِّ السعودي. فكأنَّ صنعاءَ تقولُ لأنظمةِ التطبيعِ والنفاق: كلُّ إداناتِكم تحت أقدامِنا.
كما أنها جاءت بعد تهديداتٍ فارغةٍ أطلقها الأرعنُ الجبانُ ترامب، الذي يوزعُ تهديداتِه يمنةً ويسرةً وفقَ مزاجٍ متقلبٍ كأحوالِ الطقس، وحالةٍ نفسيةٍ مضطربةٍ كأمواجِ البحر.
وما بعدَ هذه العمليةِ ليس كما قبلَها؛ فكما أنَّ بيانَ التهديدِ فتحَ مرحلةً جديدةً، فإنَّ أولَ بياناتِ التنفيذِ كتبَ السطرَ الأولَ في صفحةِ تلك المرحلة. ومن يضعْ نقاطَ الفعلِ على حروفِ القولِ، فإنه يكتبُ عنوانَ المرحلة.
لقد قيل إنَّ الكتابةَ على صفحةِ البحرِ ضربٌ من المستحيل، واليمنُ يكسرُ هذه الأسطورة، ويثبتُ أنَّه لا مستحيلَ أمامَ من يحملُ قلمَ العدالةِ وكلمةَ الحق.
ولم يكتفِ البيانُ بإعلانِ تنفيذِ العملية، بل جددَ تحذيرَه للعدوِّ السعوديِّ من ارتكابِ أيِّ حماقة، وهددَ بالردِّ في عمقِ أراضيه إن هو تجاهلَ التحذير.
وبات العدوُّ السعوديُّ اليوم بين خيارين: التكيفِ مع الحصارِ والتأقلمِ مع نتائجِه المريرة، أو الذهابِ نحو التصعيد، وحينها ستُفتحُ صفحةٌ جديدةٌ ومعادلةٌ جديدةٌ عنوانُها: “التصعيدُ بالتصعيد”.
ويدركُ العدوُّ السعوديُّ أنَّ صنعاءَ لم تُقدمْ على اتخاذِ هذا الخيارِ وتنفيذه إلا بعد الاستعدادِ الكاملِ لكلِّ تداعياتِه.
وإذ تأتي هذه العمليةُ في ظلِّ تعقدِ الوضعِ في مضيقِ هرمز، فإنَّ أيَّ حماقةٍ من العدوِّ السعوديِّ ستُضيِّقُ الخناقَ أكثر، وتُعجِّلُ بانهيارِ هيمنةِ الشرِّ في منطقةِ غربِ آسيا.
وهكذا لم تعد معادلةُ “الحصارُ بالحصار” شعارًا سياسيًّا أو ورقةَ ضغطٍ إعلامية، بل أصبحت واقعًا ميدانيًّا دخل حيِّز التنفيذ. ومنذ هذه اللحظة، لن يكون معيارُ القوةِ ما يُقال في البيانات، بل ما يُترجم على الأرض، وما يُثبت أنَّ الإرادةَ حين تقترنُ بالقدرةِ تُعيدُ رسمَ معادلاتِ الصراع، وتكتبُ عناوينَ المراحلِ الجديدة.

مقالات مشابهة

  • منير أديب يكتب: حين وصلت العقوبات إلى قلب التنظيم الدولي
  • منير أديب يكتب: مسافة الحرب الأخيرة بين واشنطن وطهران
  • عبدالله بن زايد: الإنسان أساس نهضة الإمارات
  • ندوة تناقش دور “السردية الثقافية الرسمية” في ترسيخ الهوية الوطنية
  • خبير أممي يكشف تأثير السوشيال ميديا على الهوية الثقافية للشباب
  • وزير الثقافة يفتتح جناح السفارات بمهرجان جرش الثقافي
  • مادة بترميها في الزبالة تحمي من السرطان
  • بعد إقرار 11 مادة من قانون هيكلة المصارف.. ماذا عن مصير الودائع؟
  • مجلس صحار الثقافي يمثل عُمان في الدورة الأربعين لمهرجان جرش للثقافة والفنون
  • بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار