غزة- في خيمة بإحدى مخيمات النزوح جنوبي خان يونس، تقف المعلمة أسماء مصطفى أمام مجموعة من الأطفال الذين فقدوا مدارسهم كما فقدوا بيوتهم ومدنهم، بفعل حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة، وتحاول أن تستعيد لهم حقا أساسيا سُلب منهم قسرا: حق التعليم.

ووسط واقع النزوح والقصف والحرمان، جمعت المعلمة أطفال المخيم لتعليمهم مهارات القراءة والكتابة، بعد أن اقتُلعت حياتهم التعليمية من جذورها.

ولم تكن الخيمة صفا دراسيا تقليديا، لكنها تحوّلت إلى مساحة أمل ومقاومة في وجه الجهل والانقطاع، كما تقول المعلمة.

مبادرات ذاتية

تقول أسماء "أطلقت مبادرة (كل يوم حكاية) بعد أقل من شهر على بدء حرب الإبادة، وفي ذروة النزوح والخوف وانعدام الاستقرار"، وأوضحت أن مبادرتها جاءت بوصفها "فعل حياة"، ومحاولة للتخفيف من حدّة الصدمة النفسية التي تعرّض لها الأطفال جراء العدوان.

وأضافت "اعتمدتُ على التعليم بالحكايات كمدخل يومي لإعادة الإحساس بالأمان، وبناء المعنى، وترميم أرواح صغيرة أنهكتها الحرب"، مشيرة إلى أن أساليب القصة والمحاكاة التي استخدمتها في طريقتها التعليمية شكّلت جسرا إنسانيا بين الطفل وواقعه القاسي، وأداة تربوية لإعادة التواصل مع الحياة.

ورغم تنقّلها القسري بين مناطق النزوح من غزة إلى رفح، ثم خان يونس فالنصيرات، واصلت أسماء مبادرتها، ووسّعتها لتشمل تعليم المهارات الأساسية إلى جانب التعليم بالقصة، واستخدمت أدوات بسيطة، مثل الدراما والموسيقى والدبكة وأنشطة التفريغ الانفعالي، لتحويل المساحة التعليمية إلى ملاذ نفسي قبل أن تكون صفا دراسيا.

حلقة دراسية تقيمها المعلمة أسماء أبو مصطفى لطلابها في الساحة أمام خيام النزوح (الجزيرة)

وعبر هذه المبادرة، تمكّنت أسماء، وهي عضو في منتدى معلمي غزة، من تعليم أكثر من ألفي طفل في مناطق مختلفة من القطاع، وأسهمت في افتتاح 5 نقاط تعليمية، إلى جانب توثيق "تجربة التعليم في غزة بزمن الحرب عبر مشاركات إعلامية واسعة".

إعلان

وعلى النهج ذاته، استطاعت المعلمة أسماء الطويل إحداث فرق ملموس في حياة الطلبة من خلال عملها في المبادرات التعليمية داخل الخيام، وركّزت على تطوير مهارات القراءة والكتابة والحساب، إلى جانب دمج الأنشطة النفسية والترفيهية والأناشيد التربوية، بما يسهم في خلق بيئة تعليمية أكثر أمانا للأطفال.

وقالت الطويل للجزيرة نت "حرصت على إعادة تعزيز المهارات الأساسية لدى الطلبة الذين انقطعوا عن الدراسة بسبب الحرب، وقدّمتُ جلسات دعم نفسي للتخفيف من آثار الصدمات الناتجة عن النزوح والقصف".

وأكدت أن التعليم في هذه المرحلة لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يُعد مدخلا أساسيا للعلاج النفسي واستعادة الشعور بالأمان، عبر التفاعل وسرد القصص والوسائل البصرية المتاحة.

اليوم العالمي

وفي اليوم العالمي للتعليم، الذي يصادف 24 يناير/كانون الثاني من كل عام، تتعمّق المفارقة بين الشعارات العالمية، التي تحتفي بحق التعليم للجميع، وبوصفه ركيزة للتنمية والعدالة وبناء المجتمعات، ويتحوّل هذا الحق في غزة إلى معركة يومية من أجل البقاء وسط الركام والخيام والنزوح.

وطالت الحرب المدمّرة الإنسان والحجر، وخلّفت واقعا تعليميا قاسيا بغزة يهدد حاضر الأجيال ومستقبلها، في انكشاف واضح للفجوة بين الخطاب العالمي والممارسة الفعلية، وعجز المجتمع الدولي عن حماية أحد أبسط حقوق الإنسان وأكثرها جوهرية.

وشهد قطاع التعليم خلال الحرب تداعيات كارثية وغير مسبوقة، تمثّلت في التدمير الواسع للمدارس، وتعطّل العملية التعليمية لفترات طويلة، وحرمان مئات آلاف الطلبة من حقهم الأساسي في التعليم.

كما استشهد وجُرح أعداد كبيرة من الطلبة والمعلمين، في حين نزحت أسر بأكملها، مما أدى إلى انقطاع الطلبة عن مقاعد الدراسة وغياب البيئة الآمنة للتعلّم.

وأثّرت الحرب بشكل مباشر على البنية التحتية التعليمية، حيث تحوّلت مدارس كثيرة إلى مراكز إيواء، وفُقدت الكتب والوسائل التعليمية، إلى جانب الأثر النفسي العميق لمشاهد القصف والخوف المستمر، الأمر الذي انعكس سلبا على تركيز الطلبة وقدرتهم على التحصيل.

وفي السياق، قال مدير دائرة الإشراف في وزارة التربية والتعليم، ماجد الأغا "ما تعرّض له قطاع التعليم في غزة يشكّل ضربة قاسية لمستقبل جيل كامل". وأكد للجزيرة نت أن الوزارة تبذل جهودا حثيثة للحفاظ على استمرارية التعليم باعتباره ضرورة وطنية وإنسانية، عبر بدائل طارئة، كاللجوء لمراكز الإيواء والفصول في الخيام، والدعم النفسي.

عامان على حرب غزة إنفوغراف التعليم في غزة مدارس دمرها الاحتلال وآلاف الطلاب الشهداء (الجزيرة)

وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي، تعرّض قطاع التعليم في غزة لدمار غير مسبوق، إذ لحقت أضرار بنحو 95% من مدارس القطاع، بينما تحتاج أكثر من 90% من المباني التعليمية لإعادة بناء أو تأهيل شامل.

وأظهرت البيانات أن 662 مبنى مدرسيا، أي ما يقارب 80% من إجمالي المدارس، تعرّضت لقصف مباشر، بينها 163 مدرسة وجامعة دُمّرت بالكامل.

وأدّت هذه الكارثة إلى حرمان نحو 785 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعليم، في وقت ارتقى فيه قرابة 13 ألفا و500 طالب وطالبة شهداء، إضافة إلى 830 معلما و193 أكاديميا، في خسارة فادحة تهدّد النسيج المجتمعي، وتلقي بظلالها على مستقبل التعافي المعرفي والثقافي في غزة.

محمد الخضري خلال تنفيذ نشاط تعليمي ترفيهي للأطفال الطلاب ضمن مبادرة "مستمرون بالعلم والتعليم" (الجزيرة)تعليم مقاوم

ورغم هذا الواقع، شهد قطاع غزة مبادرات متعدّدة لإنقاذ التعليم من الانهيار، كان أبرزها فصول الخيام والمدارس البديلة، التي سارع لإنشائها معلمون ومتطوعون ومؤسسات محلية بإمكانات بسيطة.

إعلان

ورأى مدير مبادرة "مستمرون بالعلم والتعليم" لتعليم أطفال مراكز الإيواء، محمد الخضري، أن فلسفة التعليم في غزة تقوم على الصمود والهوية، ويُنظر اليها كفعل إنساني ومقاوم في مواجهة الحصار والحروب، ويهدف إلى بناء الإنسان الفلسطيني والحفاظ على الوعي الجمعي.

وقال للجزيرة نت "الانتقال من التعليم التقليدي إلى التدريس في الخيام في غزة ليس مجرد تغيير في المكان، بل هو انعكاس مباشر للظروف القاسية التي فرضتها الحروب وتدمير المدارس. هذا التحول يحمل أبعادا تربوية، واجتماعية، ونفسية عميقة".

وأكد أن المبادرات التعليمية في غزة وُلدت من رحم الأزمات، فواجهت تحديات كبيرة، لكن المجتمع التربوي استطاع أن يبتكر حلولا خلّاقة لضمان استمرار التعليم، كاستخدام الوسائل البسيطة والاعتماد على ألواح خشبية، ووسائل بديلة لتعويض نقص الأدوات.

وأسهمت هذه المبادرات في إعادة الأمل للطلبة، وتوفير بيئة نفسية أكثر استقرارا، إذ لم تقتصر على التعليم الأكاديمي، بل شملت أنشطة دعم نفسي وتفريغ انفعالي، ساعدت الأطفال على تجاوز آثار الصدمة، وشكّلت نموذجا للصمود المجتمعي في وجه الحرب.

توظيف اللعب والتفاعل كوسيلة للتعلّم والدعم النفسي رغم الدمار والحصار (الجزيرة)

وبشأن ذلك، أوضح المنسق التربوي في مؤسسة عبد المحسن القطان (جهة أهلية ثقافية وتربوية)، ممدوح أبو كميل، أن التعليم في غزة رغم ما يواجهه من تحديات وجودية غير مسبوقة بعد استهداف البنية التعليمية، فإن ذلك لم ينجح في كسر إرادة المعلمين والمبادرات التعليمية، التي واصلت تقديم نماذج ملهمة من الصمود.

وألمح إلى أن المؤسسة دعمت خلال العام الماضي 92 مبادرة تعليمية، وصلت إلى أكثر من 6 آلاف طالب وطالبة، وشارك أكثر من 130 معلما ومعلمة في برامج الإسناد والتطوير المهني، مجددا التزام المؤسسة في اليوم العالمي للتعليم بدعم التعليم والوقوف إلى جانب الطلبة والمعلمين في قطاع غزة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات التعلیم فی غزة الیوم العالمی إلى جانب أکثر من

إقرأ أيضاً:

بمناسبة اليوم العالمي للبيئة.. بحث آفاق تخزين الكربون عبر المانجروف بالبحر الأحمر

نظمت جمعية بيئة بلا حدود بالتعاون مع جمعية كتاب البيئة والتنمية ورشة عمل متخصصة لمناقشة مشروع تخزين الكربون من خلال استزراع أشجار المانجروف على سواحل البحر الأحمر، وذلك بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين والمتخصصين في مجالات البيئة والتغيرات المناخية والتنمية المستدامة.

منال عوض توجه بتكثيف أعمال النظافة والتجميل ومخلفات الأضاحي خلال أيام العيد منال عوض: مصر تتبنى نهجاً متكاملا لتعزيز الاقتصاد الأزرق ودعم استدامة الموارد البحرية

وأكد المشاركون خلال الورشة أهمية التوسع في مشروعات استزراع المانجروف باعتبارها أحد الحلول الطبيعية الفعالة لامتصاص وتخزين الكربون، ودعم جهود الدولة في مواجهة آثار التغيرات المناخية، إلى جانب الحفاظ على التنوع البيولوجي وتعزيز استدامة النظم البيئية الساحلية.

وقال الدكتور محمود بكر، رئيس مجلس إدارة جمعية كتاب البيئة والتنمية، إن قضية التغير المناخي لم تعد تحديًا بيئيًا فحسب، بل أصبحت قضية تنموية واقتصادية وأمنية تتطلب تكاتف جميع الجهات المعنية. وأوضح أن أشجار المانجروف تمثل أحد أهم الموارد الطبيعية القادرة على امتصاص كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري، فضلًا عن دورها في حماية السواحل والحفاظ على الثروات البحرية.

وأضاف أن نشر الوعي بأهمية الاقتصاد الأزرق ومشروعات الكربون الأزرق يمثل خطوة ضرورية لدعم جهود التنمية المستدامة، مشيرًا إلى أهمية تعزيز التعاون بين المؤسسات البحثية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص لتوسيع نطاق هذه المشروعات وتحقيق أقصى استفادة منها.

من جانبه، أكد الدكتور عادل سليمان، رئيس مجلس إدارة جمعية بيئة بلا حدود، أن مشروع استزراع المانجروف بالبحر الأحمر يعد نموذجًا عمليًا للاستثمار في الطبيعة وتحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية واقتصادية واعدة.

وأوضح أن المشروع يستهدف تعزيز قدرة النظم البيئية الساحلية على تخزين الكربون، والمساهمة في تحقيق مستهدفات الدولة المصرية في خفض الانبعاثات الكربونية، فضلًا عن دعم المجتمعات المحلية من خلال توفير فرص عمل مرتبطة بالأنشطة البيئية والسياحية المستدامة.

وأشار إلى أن جمعية بيئة بلا حدود تعمل على بناء شراكات مع الجهات المعنية والخبراء والمتخصصين لتطوير آليات تنفيذ المشروع وقياس العوائد البيئية والاقتصادية الناتجة عنه، بما يتوافق مع المعايير الدولية الخاصة بمشروعات الكربون الأزرق.

وشهدت الورشة عددًا من المناقشات العلمية حول أفضل الممارسات العالمية في مجال استزراع المانجروف، وآليات احتساب الكربون المخزن، وفرص الاستفادة من أسواق الكربون الدولية لدعم تمويل المشروعات البيئية، بما يسهم في تعزيز مكانة مصر كدولة رائدة في تبني الحلول البيئية المبتكرة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

مقالات مشابهة

  • "التعليم" تُوقع برنامج تعاون مع "العمانية للنطاق العريض" لدعم مبادرة البرنامج الصيفي
  • "التعليم" تؤكد: منظومة متكاملة لدعم جودة التعلُّم وتعزيز شفافية القبول الجامعي وتكافؤ الفرص
  • بمناسبة اليوم العالمي للبيئة.. بحث آفاق تخزين الكربون عبر المانجروف بالبحر الأحمر
  • غزة: دخول 4 شاحنات غاز اليوم وتوزيعها على أكثر من 10 آلاف مستفيد
  • برنامج الأغذية العالمي يحذر من تفاقم أزمة الأمن الغذائي في لبنان
  • برنامج الأغذية العالمي: النزوح في لبنان يفاقم انعدام الأمن الغذائي
  • التعليم توقع على برنامج تعاون لدعم مبادرة البرنامج الصيفي
  • أورنج الأردن تُنفذ مجموعة من المبادرات في اليوم العالمي للصحة والسلامة المهنية
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • في اليوم العالمي للتدخين.. مخاطر التبغ وآثاره السلبية على الصحة