زنقة 20:
2026-06-02@22:12:00 GMT

المغرب وإفريقيا، ما وراء الكان

تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT

بقلم : أحمد عصيد

من الواضح أن المغرب والسنغال يحاولان على المستوى الرسمي حاليا رأب الصدع الذي أدت إليه أحداث رياضية لم تكن في مستوى دورة “الكان” الأخيرة. هذه الجهود تعكس أن السنغال حليف رئيسي للمغرب، كما تظهر أن المغرب لا يسمح بإفساد كل الجهود السابقة التي بذلها داخل القارة السمراء، سواء على المستوى الدبلوماسي أو الاقتصادي.

لقد شكل تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم في كرة القدم حدثًا رياضيًا بارزًا، لكنه في الواقع تجاوز البعد الرياضي الصرف ليكتسب دلالات سياسية واقتصادية وثقافية عميقة، ترتبط أساسًا بعلاقة المغرب بإفريقيا وبمسار إعادة تموقعه داخل القارة.

فاختيار المغرب لاحتضان هذا الحدث يعكس ثقة إفريقية متزايدة في قدراته التنظيمية والبنيوية، كما يعكس في الآن نفسه نجاح دبلوماسيته في ترسيخ حضوره كشريك موثوق داخل الفضاء الإفريقي، بعد سنوات من العمل المنهجي على إعادة بناء العلاقات جنوب-جنوب، ومن ذلك استثمارات البنوك المغربية في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، واقتراح المغرب لمشروع المبادرة الأطلسية كاستراتيجية لربط دول الساحل الأفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد) بالمحيط الأطلسي عبر بنية تحتية برية وطرق، مما يمنحها منافذ بحرية للتجارة والتنمية.

ومن الناحية السياسية، يأتي تنظيم كأس إفريقيا للأمم في سياق استراتيجي يتسم بعودة قوية للمغرب إلى إفريقيا، خاصة بعد رجوعه إلى الاتحاد الإفريقي وتعزيز حضوره في عدد من التكتلات الإقليمية بعد غياب دام ما يقرب من ثلاثين سنة بسبب انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية.

الحدث الرياضي هنا تحول إلى أداة من أدوات “القوة الناعمة”، حيث يتيح للمغرب تقديم صورته كدولة مستقرة، منفتحة، وقادرة على جمع الأفارقة حول مشروع مشترك.

كما يوفر فرصة لتعزيز شبكة العلاقات السياسية والدبلوماسية، عبر استقبال وفود رسمية وشعبية من مختلف الدول الإفريقية، بما يرسخ منطق التعاون بدل منطق التنافس أو الصراع.

اقتصاديًا، مثل تنظيم كأس إفريقيا للأمم رافعة حقيقية للاستثمار والتنمية، فالبنيات التحتية المرتبطة بالملاعب، والنقل والسياحة، والخدمات، لا تستجيب فقط للحدث الآني، بل تشكل استثمارًا طويل الأمد يعزز جاذبية المغرب الاقتصادية داخل القارة.

كما أن الحضور المكثف لرجال أعمال ومستثمرين أفارقة يفتح آفاقًا جديدة للشراكات الاقتصادية، خصوصًا في مجالات الأبناك، الطاقات المتجددة، الفلاحة، والصناعات الغذائية، وهي قطاعات راكم فيها المغرب تجربة معتبرة في التعاون الإفريقي.

غير أن البعد الأعمق لهذا الحدث يظل مرتبطًا بسؤال الوعي الجماعي للمغاربة بانتمائهم الإفريقي. فعلى الرغم من أن المغرب ينتمي جغرافيًا وتاريخيًا إلى إفريقيا، إلا أن هذا الانتماء لم يكن دائمًا حاضرًا بقوة في الوعي الشعبي، بسبب عوامل تاريخية وثقافية، من بينها الإرث الاستعماري، وهيمنة التوجه المتوسطي-الأوروبي في السياسات العمومية والتمثلات الاجتماعية.

تنظيم كأس إفريقيا للأمم شكل فرصة رمزية وثقافية لإعادة طرح سؤال الهوية الإفريقية للمغرب، ليس كشعار سياسي، بل كمعطى تاريخي وحضاري وإنساني.

وعي المغاربة بإفريقيتهم لا يقتصر على متابعة المباريات أو تشجيع المنتخبات، بل يفترض معرفة أعمق بتاريخ القارة، بتنوعها الثقافي، وبالتحديات المشتركة التي تواجه شعوبها، وهذا كله يسمح بالتعالي على المشاعر السلبية والهياج العاطفي الذي عرفته المباراة النهائية بين المغرب والسنغال، كما أنه الهدف الرئيسي لبلاغ الديوان الملكي الصادر بالأمس.

إن الحدث الرياضي يمكن أن يلعب دورًا تربويًا وإعلاميًا إذا ما تمت مواكبته بنقاشات فكرية وثقافية، وبرامج إعلامية تعرف بالمجتمعات الإفريقية وتبرز القواسم المشتركة بينها وبين المجتمع المغربي.

فإفريقيا ليست فقط فضاءً اقتصاديًا أو سياسيًا، بل هي مجال حضاري غني بالتجارب الإنسانية. في المحصلة، فإن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم ليس مجرد إنجاز رياضي أو تنظيمي ناجح، بل هو محطة ضمن مسار أوسع لإعادة بناء علاقة متوازنة مع إفريقيا، تقوم على الشراكة والاحترام المتبادل.

كما يشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة المغاربة على استيعاب عمق انتمائهم الإفريقي، وتحويل هذا الوعي إلى عنصر قوة ثقافية وسياسية واقتصادية. نجاح هذا الحدث إذن، لا يقاس فقط بنتائج المباريات، بل بمدى ما يتركه من أثر دائم في تمثلات المغاربة لإفريقيا ولمكانتهم داخلها.

المصدر

المصدر: زنقة 20

كلمات دلالية: إفریقیا للأمم

إقرأ أيضاً:

مصر تضخ 100 مليون دولار في إفريقيا

مصر – أطلقت مصر آلية تمويل بقيمة 100 مليون دولار لدعم المشروعات التنموية والبنية التحتية في دول حوض النيل الجنوبي.

وتهدف المبادرة لتعزيز التعاون الإقليمي وتمكين الشركات المصرية من المشاركة الفاعلة في تحقيق التنمية المستدامة بالمنطقة.

وعقد الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري المصري اجتماعا مع ممثلي عدد من الشركات المصرية بحضور ممثلي وزارة الخارجية وذلك لبحث استعدادات هذه الشركات للمشاركة في تنفيذ عدد من المشروعات التنموية بدول حوض النيل الجنوبي في إطار آلية التمويل التي أطلقتها مصر بقيمة 100 مليون دولار.

وخلال الاجتماع أكد سويلم أن هذه الآلية التمويلية تمثل نموذجا عمليا للتعاون البناء بين مصر والدول الشقيقة وتسهم في توفير التمويل اللازم للمشروعات ذات الأولوية التي تحقق عوائد تنموية مباشرة للمواطنين بما يعزز مسارات التنمية والاستقرار ويخدم المصالح المشتركة لشعوب المنطقة.

وأضاف أن الدولة المصرية تولي اهتماما كبيرا بتعزيز التعاون مع دول حوض النيل في مختلف المجالات انطلاقا من العلاقات التاريخية التي تربط مصر بدول الحوض وحرصا على دعم جهود التنمية المستدامة وتحسين مستوى معيشة المواطنين بالدول الشقيقة مشيرا إلى حرص مصر على تعزيز مشاركة الشركات المصرية الوطنية في تنفيذ مشروعات تنموية ذات أثر مباشر بدول حوض النيل.

وأشار إلى أن المشروعات المقترح تنفيذها بدول حوض النيل الجنوبي تستهدف دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية بهذه الدول من خلال تنفيذ مشروعات ودراسات تسهم في تحسين إدارة الموارد الطبيعية وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الاستفادة من الموارد المتاحة بما ينعكس إيجابا على حياة المواطنين ويدعم تحقيق التنمية المنشودة مع دراسة فرص تنفيذ بعض المشروعات ذات الطابع الاستثماري والتنموي المستدام بما يفتح آفاقا أوسع لمشاركة الشركات المصرية والقطاع الخاص المصري في دعم جهود التنمية بالدول الشقيقة.

وأكد سويلم أهمية التزام الشركات المصرية عند بدء تنفيذ المشروعات بأعلى معايير الجودة والكفاءة مشيرا إلى أن الشركات المصرية أثبتت كفاءة وقدرات كبيرة في تنفيذ مشروعات تنموية وبنية تحتية كبرى بعدد من دول القارة الأفريقية بما يعكس ما تمتلكه من خبرات فنية وتنفيذية مؤهلة للمشاركة بفاعلية في دعم جهود التنمية بدول حوض النيل الجنوبي.

وفي ختام الاجتماع شدد سويلم على أن هذه الجهود تأتي في إطار سياسة الدولة المصرية الرامية إلى تعزيز التعاون مع دول حوض النيل ودعم التنمية المشتركة وترسيخ مبادئ الشراكة والتكامل بما يحقق المصالح المشتركة لجميع شعوب حوض نهر النيل.

المصدر: مصراوي

مقالات مشابهة

  • تقليص مراكز التأشيرات الأمريكية في إفريقيا يثير تساؤلات بالمغرب حول مصير طالبي التأشيرة
  • مصر تقود الموقف الإفريقي في فيينا.. مطالب بحماية دعم مكافحة الجريمة المنظمة
  • السياحة تناقش تنظيم سلسلة من المعارض الأثرية بعدد من المدن الأوروبية والأمريكية والآسيوية
  • داغستان تعرض كبشا بوزن 120 كغ في معرض تربية الأغنام والماعز في كالميكيا الروسية
  • مصر تقود التنسيق الإفريقي لمكافحة التصحر استعدادًا لـ COP17
  • حمدان بن محمد يصدر قراراً بشأن تنظيم استخدام الكاميرات في توثيق مهام ضبط المخالفات وإجراءات تنفيذ الأحكام
  • مصر تضخ 100 مليون دولار في إفريقيا
  • وزير البترول يمثل مصر في افتتاح أسبوع باكو للطاقة بأذربيجان
  • وزير البترول يشارك في افتتاح أسبوع باكو للطاقة بأذربيجان ممثلاً لمصر
  • البحرين تبدأ التحقيق مع تنظيم مرتبط بالحرس الثوري الإيراني