الراتب لا يشتري راحة البال.. لماذا يفضل الموظفون الاحترام على زيادة الأجور؟
تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT
في عالم يتسارع فيه إيقاع الحياة، ويقضي فيه الإنسان أكثر من ثلث عمره في أماكن العمل، سواء خلف المكاتب أو في ميادين الإنتاج، لم يعد العمل مجرد وسيلة لتأمين لقمة العيش، بل غدا عاملاً حاسماً في تشكيل الهوية والاستقرار النفسي. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يزاول نحو 60% من سكان العالم عملاً، غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في العمل بحد ذاته، بل في الحفاظ على الصحة النفسية والتوازن الذهني وسط بيئات عمل متزايدة الضغط والتعقيد.
من المفترض أن يشكل العمل اللائق درعاً واقياً للصحة النفسية؛ إذ يوفر دخلاً مستقراً، ويمنح الفرد شعوراً بالهدف والإنجاز، فضلاً عن دوره في تعزيز الاندماج الاجتماعي. وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، يمثل العمل عنصراً محورياً في مسار التعافي واستعادة الثقة بالنفس. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا يحدث عندما تتحول بيئة العمل من مصدر دعم إلى عبء نفسي؟
تشير نتائج استطلاع أجرته منظمة الصحة النفسية الأمريكية (MHA) عام 2024، وشمل قرابة 4000 موظف في 21 قطاعاً مختلفاً، إلى أن ثقافة مكان العمل القائمة على الثقة تظل العامل الأهم في تعزيز رفاهية الموظفين. إلا أن هذه النتائج تكشف في الوقت ذاته عن فجوات مقلقة، تبدو أكثر وضوحاً لدى الأجيال الشابة.
الأجيال الشابة في مواجهة "المغناطيس النفسي"تكشف دراسة حديثة لعام 2024 عن ما يمكن وصفه بـ"الفجوة الجيلية" في الصحة النفسية داخل بيئات العمل، إذ سجل موظفو الجيل زد وجيل الألفية أدنى مؤشرات الصحة النفسية مقارنة بالأجيال الأكبر سناً. ويُعزى ذلك إلى ظاهرة يمكن تسميتها بـ"المغناطيس النفسي"، حيث لا تبقى ضغوط العمل محصورة في ساعات الدوام، بل تنجذب لتلتصق بتفاصيل الحياة الشخصية.
وأفاد نحو 7 من كل 10 موظفين من الجيل زد بحصولهم على درجات "غير صحية" في مقاييس صحة بيئة العمل، بينما أشار 90% من العاملين في بيئات غير داعمة إلى أن ضغوط الوظيفة أثرت سلباً في جودة نومهم وأضعفت علاقاتهم الأسرية. إنها أشبه بـ"كهرباء ساكنة" وظيفية تجذب التوتر وتغرسه في النسيج اليومي لحياة الموظف، ما يجعل الفصل بين العمل والمنزل تحدياً حقيقياً، إن لم يكن معركة خاسرة، لكثيرين.
يمكن تعميم المخاطر التي تهدد الصحة النفسية في العمل تحت مسمى "المخاطر النفسية والاجتماعية". هذه المخاطر لا تؤثر فقط على الفرد، بل تنعكس سلباً على الإنتاجية في العمل كذلك. وبناءً على البيانات والتقارير الحديثة، يمكن رصد أبرز هذه العوامل:
إعلان تضارب المهام والمهارات: نقص التدريب الكافي أو تكليف الموظف بأعباء تفوق طاقته وتتجاوز مهاراته الحقيقية. الاحتراق الوظيفي: ساعات العمل الطويلة، العمل في أوقات غير مرنة، أو وتيرة العمل المفرطة التي لا تترك مجالاً للراحة. الثقافة السلبية وسوء الإدارة: الإدارة التفصيلية (Micromanagement)، غياب التقدير، أو وجود ثقافة تكرس السلوكيات السلبية مثل التنمر والإقصاء. انعدام الأمان الوظيفي: القلق الدائم من فقدان الوظيفة، أو عدم كفاية الأجور، وضعف الاستثمار في التطور المهني. السلامة النفسية.. المفتاح المفقودوفقاً لاستطلاع منظمة "الصحة النفسية الأمريكية"، يبرز مفهوم "السلامة النفسية" كأهم محرك لتمكين الموظفين. الموظفون الذين يشعرون بالأمان النفسي هم أكثر قدرة بنسبة 87% على الدفاع عن احتياجاتهم أو احتياجات زملائهم. الصادم في الأمر هو أن 63% من موظفي الجيل زد أفادوا بعدم شعورهم بالثقة في التعبير عن آرائهم داخل فرقهم، و60% يشعرون بأنهم لا يستطيعون التصرف على طبيعتهم في العمل، مما يضطرهم لارتداء "أقنعة وظيفية" تستهلك طاقتهم النفسية.
إن الحل لا يكمن في مسكنات مؤقتة، بل في تغيير جذري يقوم على ثلاث ركائز أساسية مستمدة من ممارسات الاهتمام بالصحة النفسية للموظفين في مكان العمل:
القيادة بالثقة والشفافية: أظهر الاستطلاع أن التواصل الشفاف هو حجر الزاوية؛ فصاحب العمل الذي يشجع التواصل الواضح يرتبط ارتباطا وثيقا بارتفاع درجات صحة العمل. ومع ذلك، وافق 47% فقط من الموظفين على أن أصحاب عملهم يشجعون هذا النوع من الشفافية.
وجود مديرين داعمين: المدير المباشر هو المحرك الأساسي لصحة الموظف. المديرون الذين يمارسون الإدارة بالقدوة، ويقدمون الثناء بقدر ما يقدمون النقد، يساهمون في بناء بيئة عمل آمنة. في المقابل، يصف الموظفون في البيئات غير الصحية مديريهم بأنهم "يصعب عليهم تقبل الملاحظات النقدية"، مما يغلق أبواب التطوير.
هيكلة المزايا والممارسات: لا تكفي النوايا الحسنة؛ فالاستثمار في سياسات تعويضات شفافة، وبرامج تدريبية لمديري الأفراد، هي ممارسات عالية التأثير. الغريب أن 20% فقط من الموظفين حاليا لديهم إمكانية الوصول إلى تدريب على إدارة الأفراد، و16% فقط لديهم وصول لبرامج التوجيه.
الاقتصاد غير الرسميلا يمكن الحديث عن الصحة النفسية في العمل دون الالتفات إلى أكثر من نصف القوى العاملة العالمية التي تعمل في "الاقتصاد غير النظامي". هؤلاء يفتقرون لأي حماية قانونية أو سلامة مهنية، ويعيشون تحت وطأة ساعات عمل غير محددة وظروف غير آمنة. بالنسبة لهؤلاء، لا تعتبر ضغوط العمل مجرد إرهاق، بل هي تهديد وجودي يرتبط مباشرة بمخاطر مثل فقدان الدخل المفاجئ أو حتى محاولات الانتحار نتيجة اليأس المالي.
في نهاية المطاف، تؤكد البيانات أن أماكن العمل الصحية التي تقود بالثقة والدعم لا تؤدي إلى تحسين مزاج الموظفين فحسب، بل تضمن استدامة المؤسسة ذاتها. إن بناء بيئة عمل تدعم النفس البشرية ليس رفاهية، بل هو حق أساسي وضرورة اقتصادية حتمية. وفي النهاية يبقى الاستثمار في الموظف هو الربح الحقيقي.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الصحة النفسیة فی العمل
إقرأ أيضاً:
هل تؤثر السوشيال ميديا على سلوك الأطفال والمراهقين وصحتهم النفسية؟
تناولت حلقة جديدة من برنامج «صباح الخير يا مصر» عددًا من الملفات المتنوعة التي تمس الشأن الصحي والاجتماعي والرياضي، حيث استعرض البرنامج مستجدات فيروس إيبولا، وحقيقة المخاوف المرتبطة بانتشاره مجددًا، مع التركيز على المعلومات العلمية الدقيقة وطرق الوقاية والتعامل مع أي بؤر إصابة محتملة.
كما سلطت الحلقة الضوء على تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للشباب والمراهقين، في ظل تزايد الجدل العالمي حول انعكاسات الاستخدام المفرط للمنصات الرقمية، مع التأكيد على أهمية تحقيق التوازن الرقمي داخل الأسرة.
وفي الشأن الرياضي، ناقش البرنامج نهائي دوري أبطال أوروبا، بعد تتويج باريس سان جيرمان باللقب، مستعرضًا أبرز الجوانب الفنية وردود الفعل الجماهيرية حول المباراة.
وتزامنًا مع اليوم العالمي لمكافحة التدخين، خصص البرنامج فقرة للحديث عن مخاطر التدخين بمختلف أشكاله، وتأثيراته الصحية، إلى جانب استعراض خطوات الإقلاع عنه.
واحتفت الحلقة بعيد الإعلاميين الموافق 31 مايو، من خلال استعادة محطات بارزة من تاريخ الإذاعة والتلفزيون المصري، وتسليط الضوء على دور ماسبيرو في تشكيل الوعي والثقافة، إلى جانب استعراض خطط التطوير والتحديث داخل المؤسسات الإعلامية المصرية.