بوابة الوفد:
2026-06-03@00:55:37 GMT

كلمتان في غزة.. وثلاث في السودان

تاريخ النشر: 24th, January 2026 GMT

عندما أتحدث عن غزة، لا أخشى أن ينضب حبر القلم بقدر ما أن يتحول الكلام إلى تواطؤ غير مقصود مع جريمة مستمرة، وإمعان في قتل الأبرياء من رجال ونساء وأطفال رُضع، فغزة ليست مجرد مأساة إنسانية، ولا نتيجة حرب متكافئة بين طرفين، بل مشروع إسرائيلي واضح يستهدف كسر إرادة شعب كامل، وتجريد المكان من معناه، وتحويل الحياة ذاتها إلى عبء لا يُطاق، بما يدفع السكان إلى ترك أرضهم قسرًا، وذلك هو جوهر التهجير، وتلك هي الخدعة الكبرى التي لم ولن تنجح، ما دام هناك أحرار يرفضون التفريط، يركضون في الغدو والعشي بوادٍ غير ذي زرع، بلا مأوى أو أمان.

ما جرى في غزة ليس «دفاعًا عن النفس»، بل عدوان مكتمل الأركان، تُستخدم فيه القوة الغاشمة بلا حدود ضد شعب أعزل محدود الموارد، وهو تنفيذ لخطة جهنمية تستبيح كل شيء، بينما يقف العالم الأعور شاهدًا صامتًا، أو شريكًا بالصمت، رغم قدرته على وقف آلة القتل الإسرائيلية، لكنه آثر الاكتفاء ببيانات الشجب والإدانة، وكأن المناشدات رفعت ظلمًا يومًا عن أحد، أو غيرت واقعًا، فالمجدي حقًا هو قرارات حقيقية تُحاصر الكيان الصهيوني وتلجم شذاذ الأرض.

ولا تكمن مأساة غزة في حجم الدمار وحده، بل في محاولة تعليق وجودها خارج أي إطار سياسي أو إنساني، فالاحتلال لا يسعى إلى هزيمة طرف بعينه، بقدر ما يعمل على دفع القطاع إلى منطقة رمادية بلا إدارة جامعة، وبلا أفق سياسي أو سيادة، ليصبح فراغًا قابلًا للاشتعال الدائم، وهكذا يتم اغتيال السياسة قبل البشر، ويُترك المكان معلقًا بين الخراب واللايقين، خارج منطق الدولة وأي التزام أخلاقي دولي، وهو ما تجلى بوضوح في الرفض الإسرائيلي المستمر لإدخال المساعدات.

ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، بات واضحًا أن إسرائيل تراهن على ما بعد القصف، فهي لا تريد غزة مستقرة ولا قادرة على إنتاج واقع سياسي، لأن الانهيار المؤسسي وحده يضمن بقاء القتل بلا ثمن، والعدوان بلا مساءلة، وكان المطلوب قطاعًا بلا رأس ولا مرجعية، لا كنتيجة جانبية، بل كخيار استراتيجي مقصود، وفي هذا المشهد، لم تقف مصر على الهامش، ولم تكتفِ بدور الوسيط التقليدي، بل تعاملت مع غزة باعتبارها قضية وجودية لا أزمة إنسانية عابرة على الهامش.

وكانت الجهود المصرية واضحة ومتعددة، في مقدمتها الضغط لفتح معبر رفح وإدخال المساعدات عقب إغلاقه من الجانب الإسرائيلي، ولم يكن ذلك إجراءً إغاثيًا فقط، بل كسرًا متعمدًا لحصار سياسي فُرض بالقوة، ورسالة مفادها أن ترك غزة لمعادلات القتل وحدها يفتح باب الانهيار على الإقليم بأسره، ومع استمرار الحرب، تبلور الإدراك المصري بأن وقف إطلاق النار لا يمثل حلًا، إذا لم يُقترن بإطار حكم واضح، فهدنة بلا سلطة جامعة ليست سوى استراحة قصيرة يُعاد بعدها إنتاج الانهيار.

ومن هنا جاء التحرك لإعادة إدخال غزة إلى منطق الدولة، عبر الدفع نحو صيغة مجلس قيادي أو رئاسي لإدارة شؤون القطاع، كترتيب إداري أولًا وثانيًا كخط دفاع سياسي يُفشل مخطط إبقاء غزة بلا هوية، فالطرح الذي ظهر مؤخرًا شكل مواجهة مباشرة لمشروع إسرائيلي مدروس، يسعى إلى تحويل القطاع إلى ساحة مفتوحة للتدويل والابتزاز الأمني، حيث يصبح الانهيار قدرًا دائمًا لا نهاية له.

أما في السودان، فقد اندلعت الحرب الأهلية في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وكشف الصراع بوضوح الوجه الآخر للتفكك والفوضى، عندما تتحول من أزمة إلى مسار كامل لتفكيك الدولة وضياعها، فلم يكن الصراع على السلطة فقط، بل انزلاقًا خطيرًا نحو إحلال السلاح محل السياسة، والميليشيات محل الدولة، وهو ما يواجهه الجيش السوداني دفاعًا عن بقاء الدولة ذاتها.

ومن منطلق مسؤولية الكبار، جاء الموقف المصري من السودان حاسمًا منذ البداية، لا شرعنة للميليشيات، ولا قبول بتفكيك الدولة تحت أي مسمى، فقد رفضت القاهرة أن يتحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات، أو نموذج لدول تُستنزف باسم «إدارة الأزمات»، بينما الهدف الحقيقي هو إطالة أمد التفكك وصولًا إلى التقسيم، وتحويل الانقسام إلى أمر واقع دائم.

وفي النهاية، ألا تتشابَه الحربان في غزة والسودان إلى حد بعيد، فالأولى تواجه كيانًا صهيونيًا يسعى لإهلاك الزرع والضرع، وترك غزة بلا إدارة ولا أفق، بما يُمكن الاحتلال، بينما تحارب الثانية ميليشيا مسلحة تسعى لإحلال الفوضى وتقسيم الدولة، وفي الحالتين تتسع رقعة الخراب لتشمل الإقليم كله، ومن هنا يأتي تدخل مصر لا كمتفرج، بل كجدار صد يحاول إيقاف هذا المشروع قبل أن يتحول إلى واقع دائم، لأن بقاء الدولة هو آخر حصن في مواجهة تمدد التفكك.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: صفوت سليم الكلام جريمة مستمرة الخدعة الكبرى

إقرأ أيضاً:

رئيس الوزراء السوداني يصدر قرارات وتوجيهات للجمارك والجوازات وشركات الطيران بشأن مطار بورتسودان

بورتسودان – تاق برس – أصدر رئيس الوزراء السوداني  كامل إدريس، قرارات وتوجيهات عاجلة لقوات الجمارك وشرطة الجوازات وشركات الطيران بشأن إجراءات السفير عبر مطار بورتسودان وتجويد الأداء بعد شكاوى من مخالفات ومشكلات في المطار.

 

وفي تغريدة على منصة أكس قال كامل إدريس” ركزتُ خلال زيارتي اليوم إلى مطار بورتسودان الدولي على تحسين خدمات المسافرين، وتعزيز الكفاءة التشغيلية، وتسريع جهود التأهيل والتطوير.

 

وأضاف “هدفنا واضح: مطارات أكثر أماناً وكفاءة، وتجربة سفر أفضل في جميع أنحاء السودان.

 

ووجه رئيس الوزراء قوات الجمارك بالالتزام التام بتوفير القوى المطلوبة لتسهيل إجراءات كافة المسافرين (القادمين والمغادرين) خاصة ركاب الترانزيت، على أن تكتمل كافة الإجراءات الخاصة بهم عند نقطة الوصول الأخيرة، بما يضمن سد كل الثغرات التي تؤدي إلى التهريب.

 

 

​كما وجه شرطة الجوازات بكافة مطارات السودان بالالتزام بالتواجد المتواصل طيلة عمل المطار، وتوفير القوى اللازمة لإكمال إجراءات المسافرين بالسرعة والكفاءة المطلوبتين.

 

ووجه كافة شركات الطيران العاملة بالسودان بالالتزام بتقديم خدمات الركاب وفقاً للقوانين المعمول بها، وشدد على عدم تخلف أمتعة الركاب دون علمهم.

 

وشدد على ان مخالفة هذا الأمر تستوجب على شركات الطيران تحمل كافة المسؤولية القانونية والنفقات المالية الناتجة عن ذلك.

 

 

كما وجه سلطة الطيران المدني بالمتابعة الدقيقة لجودة الخدمات المقدمة للركاب من شركات الطيران العاملة بالبلاد، وضبط وتنظيم حركة الدخول والخروج في كافة مطارات السودان وتوفير المعينات اللازمة.

 

​ووجه رئيس الوزراء، شركة مطارات السودان بتأهيل المطارات العاملة بالبلاد وإكمال النواقص التشغيلية وفي مقدمتها “سير” أمتعة الركاب وغيرها بما يحقق انسياب تشغيل المطارات بالصورة المطلوبة التي تحقق رضاء المسافرين، على أن توفر وزارة المالية التمويل اللازم لإكمال هذه النواقص التشغيلية العاجلة.

 

وسجل رئيس الوزراء زيارة تفقدية إلى مطار بورتسودان الدولي اليوم الإثنين، وقف خلالها على أوضاع المطار والتحديات التي تواجه سير العمل.

 

واستمع خلال الزيارة إلى تقرير مفصل من المسؤولين بالمطار حول المشكلات الفنية والتشغيلية واحتياجات تطوير المطار ، فضلاً عن الخطط الموضوعة لتحديث البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمسافرين، إضافة إلى مشروعات التأهيل والإنشاءات الجديدة الجاري تنفيذها.

كامل ادريسمطار بورتسودان

مقالات مشابهة

  • باحث سياسي: الفترة الماضية شهدت محاولات منظمة لإضعاف مؤسسات الدولة
  • محلل سياسي: تعيين توم براك يعكس الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط
  • السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • زلزال سياسي.. اتهامات متبادلة تهدد علاقة ترامب ونتنياهو قبل الانتخابات
  • رهاب العلمانية!
  • مجلس الأمن: وسط انقسام ميداني حرب السودان تتحول إلى استنزاف
  • جامعة الدول العربية تحذر من فرض واقع جديد في القدس
  • رئيس الوزراء السوداني يصدر قرارات وتوجيهات للجمارك والجوازات وشركات الطيران بشأن مطار بورتسودان
  • الباحث ” علي الجبيري ” يناقش رسالة الدكتوراه بجمهورية السودان