علي جمعة: «العفو» ليس ضعفًا بل قوة ومُجاهدة عظيمة ويجعلنا فى محل نظر الله
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
قال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف إن هناك منهجا ينبغي أن نتّبعه في علاقتنا بالخلق؛ هذا المنهج مبنيٌّ على العفو والصفح. قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: 109)، وقال سبحانه: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر: 85).
ونوه انه أمرٌ في غاية الصعوبة، يحتاج إلى صبرٍ وتجرُّعِ مرارة. كيف تعفو عمّن آذاك؟ وكيف تتجاوز عن مَن اعتدى عليك؟ وكيف تغفر لمن شتمك أو سبّك بلا مبرر؟ وكيف يكون ذلك إذا كنت على الحق، وهو على الباطل؟
روت أمُّ المؤمنين السيدةُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها أنها قالت للنبيِّ ﷺ: «هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يومِ أُحُد؟» فقال ﷺ: «لقد لقيتُ من قومكِ، وكان أشدُّ ما لقيتُ منهم يومَ العقبةِ؛ إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ ياليلَ بنِ عبدِ كُلالٍ، فلم يُجِبْني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتْني، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ عليه السلام، فناداني فقال: إن الله قد سمع قولَ قومك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملكَ الجبال لتأمرَ بما شئتَ فيهم. فناداني ملكُ الجبال، وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قولَ قومك لك، وأنا ملكُ الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك؛ إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين (جبلَي مكة). فقال النبيُّ ﷺ: بل أرجو أن يُخرِجَ اللهُ من أصلابهم مَن يعبدُ اللهَ وحده لا يُشركُ به شيئًا».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قدم الطفيلُ بن عمرو إلى النبي ﷺ فقال: إن دوسًا قد عصت وأبت؛ فادعُ اللهَ عليها. فقال ﷺ: اللهم اهدِ دوسًا وأتِ بهم».
وعن جابر رضي الله عنه قال: «قالوا: يا رسول الله، أحرقتنا نبالُ ثقيف، فادعُ اللهَ عليهم. فقال ﷺ: اللهم اهدِ ثقيفًا».
مما سبق يتضح لنا أن الإسلام يدعو إلى خُلُق العفو والصفح، وليس إلى الانتقام أو حبِّ إنزال العقاب بالآخرين؛ فقد كان النبي ﷺ رحمةً للعالمين، يدعو لهم بالهداية. والدعاء لمن ظلمك مقامٌ عالٍ وخُلُقٌ رفيع؛ لأنه يتجاوز حدود العفو والسماح إلى الرغبة في الخير لهم ولكل الناس.
هذه هي أخلاق النبي الكريم ﷺ، وهذا هو المنهج الذي ينبغي أن نسير عليه في تعاملنا مع الناس. وإن كان ذلك عظيمًا وشاقًّا، فإنه واجب؛ لأنه مجاهدةٌ للنفس. ومع ذلك فإن الأمر لله ولرسوله، وكلام الله ورسوله أمانةٌ في أعناقنا.
واختتم كلامه قائلا: فاجعلوا العلاقة التي بينكم وبين الخلق مبناها الصفحَ والعفوَ والمغفرةَ والرحمة؛ لأننا نحب أن يعفو الله عنا، ويغفر لنا، ويوفقنا، ويجعلنا في محلِّ نظره سبحانه وتعالى.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: علي جمعة العفو خلق العفو النبي الرسول
إقرأ أيضاً:
ماذا قال له الرسول؟.. خالد الجندي يوضح تعامل النبي مع رجل شكا له سوء تصرف خادمه
أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن الهدي النبوي الشريف يقوم على الرحمة والعفو، مستشهدًا بحديث ورد فيه أن رجلًا شكا إلى النبي ﷺ من خادمه الذي يسيء إليه ويكثر خطؤه، طالبًا الإذن بمعاقبته.
خالد الجندي: النبي علّمنا الرحمة حتى مع المسيءوأوضح الجندي، خلال تصريحات تلفزيونية، اليوم الثلاثاء، أن النبي ﷺ وجّه الرجل إلى العفو والتسامح، في إشارة إلى ترسيخ قيم الرفق وعدم اللجوء إلى العنف، مؤكدًا أن هذا المعنى ثابت في عدد من المصادر الحديثية التي تناولت الموقف.
في العشر الأوائل.. خالد الجندي: العمل الصالح ليس عبادات فقط
كيف أمّن العرب رحلات الحج؟.. خالد الجندي يكشف النظام القديم
وأشار الشيخ خالد الجندي إلى أن الإسلام يدعو إلى معالجة الخطأ بالحكمة والتدرج، وليس بالعنف أو الإيذاء، مؤكدًا أن فهم النصوص الشرعية يجب أن يكون في إطار لغوي وشرعي شامل، يراعي مقاصد الشريعة وروحها العامة.
وأضاف الشيخ خالد الجندي أن بعض النصوص القرآنية التي تُطرح في هذا السياق تحتاج إلى تدبر عميق وفهم سياقي، بعيدًا عن التفسيرات الجزئية التي قد تُنتج مفاهيم غير دقيقة، مشددًا على أن الإسلام دين رحمة وعدل وصيانة للكرامة الإنسانية.
وشدد على أن أي ممارسة تخالف قيم الرحمة والعدل لا يمكن أن تُنسب إلى الهدي النبوي الصحيح الذي جاء لإرساء السلام داخل المجتمع والأسرة.