سينما نجيب محفوظ.. ندوة في معرض الكتاب تناقش أعمال أديب نوبل
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
شهدت القاعة الرئيسية ببلازا 1، ضمن محور «شخصية المعرض نجيب محفوظ»، فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، ندوة بعنوان «سينما نجيب محفوظ.. من النص الأدبي إلى الشاشة»، بمشاركة الدكتورة ثناء هاشم، أستاذ السيناريو بالمعهد العالي للسينما، والمؤرخ والناقد اللبناني إبراهيم العريس، وأدار الندوة الناقد و السينمائي عصام زكريا، بحضور الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي للمعرض.
في مستهل الندوة، رحب عصام زكريا بالضيوف والحضور، معربًا عن سعادته بإقامة ندوة تتناول سينما نجيب محفوظ، مؤكدًا أن محفوظ اسم غني عن التعريف، ليس فقط بوصفه الأديب الأكبر في العالم العربي، وإنما لما تركه من تأثير واسع امتد إلى السينما، التي أسهمت في توطيد علاقته بالجمهور، خاصة الجمهور المصري.
وأشار زكريا إلى أن نجيب محفوظ يُعد من أكثر الأدباء الذين تحولت أعمالهم إلى أفلام سينمائية ومسلسلات، إذ بلغ عدد الأعمال التي تحمل اسمه نحو 160 عملًا سينمائيًا وتلفزيونيًا، سواء بوصفه مؤلفًا أو مشاركًا في كتابة السيناريو، من بينها 19 عملًا شارك محفوظ في كتابتها بشكل مباشر. وأوضح أن الندوة تناقش شقين أساسيين: الأول نجيب محفوظ ككاتب سيناريو، والثاني نجيب محفوظ الأديب الذي تحولت أعماله الأدبية إلى الشاشة.
ومن ناحيته، قدم الناقد والمؤرخ اللبناني إبراهيم العريس تقييمًا عامًا لتجربة نجيب محفوظ الأدبية والسينمائية، معربًا عن سعادته بالمشاركة ووجوده بالقاهرة، «بلد نجيب محفوظ التي نحتفي به فيها اليوم»، مؤكدًا أن محفوظ يظل دائمًا متجددًا، وأن كل جيل سيجد لديه ما يكتشفه من جديد، لأنه لم يقف يومًا عند حدود معينة.
وأضاف العريس، أن الاحتفاء بنجيب محفوظ يجب ألا يقتصر على كونه أديبًا فحسب، بل إنسانيته وحضوره ككاتب ومثقف يستحقان الاحتفاء الدائم، مشيرًا إلى أن تجربته في السينما كانت أوسع من مجرد كاتب سيناريو، خاصة في مرحلة ما بعد الثلاثية، حيث بدأت ملامح «سينما نجيب محفوظ» تتبلور بشكل أوضح.
وأوضح أن محفوظ لم يكن راضيًا تمامًا عما يُقدَّم من أعمال مأخوذة عن رواياته، وكان يسخر أحيانًا في جلساته الخاصة مما يُقدَّم على الشاشة، مؤكدًا أن نجيب محفوظ ظل حاضرًا في وجدان الشعب الذي أنبته، ونقلته السينما إلى العالم، كما أشار إلى رفضه تقديم أي شكل من أشكال الإباحية على الشاشة.
وتوقف العريس عند الجانب الإنساني في شخصية محفوظ، واصفًا إياه بالصديق العزيز والحكاء المميز الذي كان يحب الحديث عن السينما، مؤكدًا أن الخطأ الشائع يكمن في التعامل مع العمل السينمائي باعتباره نسخة مطابقة للرواية، وهو أمر غير صحيح.
واستشهد بتجربة المخرج حسن الإمام في ثلاثية نجيب محفوظ، حيث لجأ إلى التوظيف والحذف بما يخدم اللغة السينمائية، معتبرًا أن المخرج صلاح أبو سيف كان الأكثر فهمًا لعالم نجيب محفوظ، لأن محفوظ لم يكن محافظًا بقدر ما كان منتقيًا لما يقدمه.
وبدورها، تناولت الدكتورة ثناء هاشم تجربة نجيب محفوظ ككاتب سيناريو وتقييمها لأعماله السينمائية، موجّهة التحية للحضور، ومؤكدة أن الأدب المصري انتقل إلى السينما العربية في تجارب عديدة، باستثناء نجيب محفوظ، متسائلة عن سبب عدم امتداد أعماله إلى سينمات عربية أخرى رغم عالميته.
وأشارت إلى أن محفوظ كتب بالتوازي مع كبار الكتاب والأدباء، وبدأ مشواره بكتابة القصص القصيرة ثم روايته الأولى «عبث الأقدار»، قبل أن تتوالى أعماله المتنوعة، ولفتت إلى أنه كان يؤمن بأن اللغة العربية ليست لغة مهجورة، وهو ما حرص عليه في أعماله التي تحولت إلى أفلام، حيث كان يطوّع اللغة بما يناسب الشخصيات واختلاف الألسنة.
واستشهدت بمشواره مع المخرج صلاح أبو سيف، مؤكدة أن السينما كانت تحقق لنجيب محفوظ نوعًا من الاستقرار المادي، مشيرة إلى أن فيلم «بداية ونهاية» كان أول عمل تُحول رواية له إلى السينما عبر صلاح أبو سيف، رغم أن محفوظ كتب للسينما منذ عام 1943 وحتى عام 1960 دون أن يُقدَّم له عمل مأخوذ عن رواياته خلال تلك الفترة.
وفيما يتعلق بنقل الروايات إلى الشاشة، شددت ثناء هاشم على ضرورة التفرقة بين «الاقتباس» و«الأخذ»، موضحة أن السينما المصرية اقتبست أعمالًا عديدة، وأحيانًا يشعر المشاهد بالغرابة لابتعادها عن الواقع المصري، بينما يؤدي النقل الحرفي إلى استثمار نجاح الرواية فقط، وهو ما لم يحدث مع نجيب محفوظ، الذي لم يكن مجرد «ثرثار أدبي»، بل كان يمتلك قدرة حقيقية على استيعاب متطلبات كتابة السيناريو.
وعن تقديم روايات نجيب محفوظ سينمائيًا، أوضحت أن المخرج حسن الإمام التقط من أعماله ما كانت السينما المصرية قادرة على استيعابه في ذلك الوقت لأسباب عديدة من بينها الأمية والاحتلال، معتبرة أن الإمام نقل العالم الذي تستطيع السينما استيعابه آنذاك. وأضافت أن المتفرج المصري غير المتعلم لم يكن جاهزًا للسينما الفنية، ورغم ذلك نجح حسن الإمام في تقديم الثلاثية ونقل أفكار نجيب محفوظ ببراعة، في وقت كان فيه محفوظ مشغولًا بالأفكار والثقافة أكثر من الشكل المباشر.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: سينما نجيب محفوظ معرض الكتاب شخصية المعرض نجيب محفوظ المعهد العالي للسينما العالم العربي كتابة السيناريو المخرج حسن الإمام مؤکد ا أن أن محفوظ محفوظ ا ما کان لم یکن إلى أن
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.