سر العلاقة بين ترامب والسيسي.. حين تتقاطع الإرادات
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
في السياسة، لا تُقاس العلاقات بطول البيانات المشتركة، ولا بفيض العبارات الدبلوماسية، بل بلحظات قصيرة تكشف ما لا تقوله الخطب. كلمة عابرة قد تكون أصدق من مؤتمر كامل، ونبرة محسوبة قد تحمل ما تعجز عنه الوثائق الرسمية. من هذا المدخل يمكن فهم العلاقة الخاصة التي جمعت بين دونالد ترامب وعبد الفتاح السيسي؛ علاقة لم تُبنَ على تطابق أيديولوجي أو انسجام شكلي بين نظامين، بل على إدراك مشترك لمعنى السلطة في زمن الاضطراب.
حين قال ترامب في منتدى دافوس: «السيسي يفهمني»، لم تكن العبارة مجاملة بروتوكولية، ولا توصيفًا عابرًا في سياق خطاب. كانت جملة مكثفة، تحمل في طياتها اعترافًا سياسيًا صريحًا بأن هذا الرجل يفهم منطق الحكم في لحظاته الحرجة، ويدرك كلفة القرار حين تكون الدولة مهددة، والفوضى أقرب من الاستقرار.
كلا الرجلين جاء إلى السلطة في سياق استثنائي. ترامب صعد في ظل انقسام أمريكي داخلي غير مسبوق، والسيسي جاء بعد فوضى إقليمية وداخلية كادت تعصف بفكرة الدولة الوطنية ذاتها. في الحالتين، لم يُقدَّم القائد باعتباره رجل سياسة تقليديًا، بل بوصفه «رجل مرحلة»، أو حاجزًا أخيرًا قبل الانهيار. هذا التشابه في التجربة، لا في البنية السياسية، هو ما صنع مساحة الفهم المشترك بينهما.
من منظور جيوسياسي، لم تكن مصر بالنسبة لترامب مجرد حليف عادي. هي عقدة جغرافية محورية: قناة السويس، أحد أعمدة أمن الشرق الأوسط، وضامن أساسي لتوازنات إقليمية دقيقة، في منطقة لا تحتمل فراغًا في السلطة. ترامب، بعقليته البراغماتية المباشرة، لم يطرح سؤال الديمقراطية بقدر ما طرح سؤال الاستقرار: هل الدولة قائمة؟ هل القرار مركزي؟ هل الفوضى تحت السيطرة؟ وكانت الإجابة، في نظره، كافية لبناء الثقة.
في المقابل، كان السيسي يدرك أن الخطاب الغربي حول القيم غالبًا ما يُدار من موقع القوة، ويُستخدم كأداة ضغط سياسية. احتاج إلى شريك يفهم أولوية الدولة قبل الجدل، ويمنحه مساحة حركة دون وصاية أخلاقية أو ابتزاز إعلامي. وجد ذلك في تعامل ترامب المباشر، البعيد عن تعقيدات المؤسسات وضجيج المزايدات.
هذه العلاقة حملت بعدًا فلسفيًا واضحًا: إيمان مشترك بأن الدولة تسبق النقاش، وأن الفوضى أكثر تدميرًا من الحسم، وأن الزمن الاستثنائي لا يُدار بعقلية اللحظات العادية. هنا يتقاطع الرجلان، لا في التفاصيل، بل في طريقة قراءة العالم بوصفه خريطة أخطار، لا نصًا نظريًا.
لكن السياسة لا تعرف الثبات. بانتهاء عهد ترامب، تغيّرت اللغة الأمريكية، وعادت واشنطن إلى نهجها المؤسسي التقليدي: تقارير، ضغوط ناعمة، وحديث مكثف عن القيم. لم يتغير السيسي بقدر ما تغيّر البيت الأبيض. وهو درس متكرر في العلاقات الدولية: كثير من التفاهمات تُبنى على الأشخاص بقدر ما تُبنى على المصالح.
في المحصلة، تكشف علاقة ترامب والسيسي حقيقة صلبة في عالم السياسة الدولية: لا مكان للعواطف، ولا وزن دائمًا للشعارات، ولا تحالفات أبدية خارج منطق القوة والفهم المتبادل. حين قال ترامب: «السيسي يفهمني»، لم يكن يبحث عن صديق، بل عن شريك يدرك أن الفوضى إذا تُركت تتمدد، تبتلع الجميع بلا استثناء.
في السياسة، ليس السؤال: من يقف إلى جوارك؟
بل السؤال الأخطر: من يفهمك حين يكون الفهم مكلفًا؟
فالذي يفهم منطق الخطر، هو من يصنع المعادلة… أو يتركك تواجه العاصفة وحدك...،!!
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ..،،!!
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: السياسة البيانات المشتركة دونالد ترامب وعبد الفتاح السيسي
إقرأ أيضاً:
بين الذاكرة واللوحة.. أورهان باموق يعود بـ الكلمات والصور
إسطنبول ـ "العُمانية": في وقت ينتظر فيه قراؤه عملاً روائياً جديداً، اختار الروائي التركي الحائز على جائزة نوبل أورهان باموق أن يعود إلى جمهوره من بوابة مختلفة؛ بوابة الذاكرة والصورة والتأمل الشخصي، عبر كتابه الجديد "الكلمات والصور.. مختارات من الذكريات والمقالات، وقصة واحدة"، والصادر عن دار "يابي كريدي" للنشر في تركيا.
ولا يندرج الكتاب ضمن الرواية التقليدية التي ارتبط بها اسم باموق، بل يأتي كعمل أدبي ــ بصري يجمع بين المقالات والسيرة الذاتية والذكريات والنصوص الفكرية، إلى جانب صور ورسومات من أرشيفه الشخصي، في محاولة لصياغة حوار بين الكلمة والصورة، وبين الذاكرة الفردية والذاكرة الثقافية.
ويضم الكتاب أكثر من 340 صفحة، تتوزع على مجموعة من النصوص التي كتبها الكاتب على امتداد سنوات، بعضها ينشر للمرة الأولى، فيما يعيد بعضها الآخر تقديم أفكار وتأملات ارتبطت بمسيرته الأدبية الطويلة.
ويقول الناقد الأدبي التركي مراد يلدرم في تصريح لوكالة الأنباء العُمانية إن إسطنبول تحضر بوصفها أكثر من مجرد مكان كما في معظم أعماله، فالمدينة التي شكّلت خلفية رواياته الشهيرة، من "اسمي أحمر" إلى "متحف البراءة" و "ثلج" تظهر هنا باعتبارها ذاكرة حيّة وشريكاً في تشكيل وعي الكاتب.
وأضاف: "يتوقف باموق عند تفاصيل الحياة اليومية في المدينة، والتحولات التي عاشتها خلال العقود الماضية، وكيف انعكس ذلك على تجربته الإنسانية والكتابية". كما أشار إلى أن المؤلف يستعيد مشاهد من طفولته وشبابه، متأملاً العلاقة المعقدة بين المدينة وسكانها، وبين الحداثة والحنين، وهي ثنائية لطالما شكّلت محوراً أساسياً في أدبه.
وقال يلدرم إن أحد أبرز محاور الكتاب يتمثل في العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي، فالمؤلف الذي بدأ حياته شغوفاً بالرسم قبل أن يتجه إلى الرواية، يعود في هذا العمل إلى تلك العلاقة القديمة بين اللوحة والنص وتأثير الرسم في طريقته السردية. ولهذا يضم الكتاب رسومات وصوراً من أرشيفه الشخصي، بعضها يرتبط بمراحل الكتابة وأماكنها، وبعضها الآخر يعكس لحظات خاصة ظلّت بعيدة عن أعين القراء.
ويكشف باموق في "الكلمات والصور" عن جوانب شخصية من حياته الأدبية، متوقفاً عند بداياته الأولى والصعوبات التي واجهها في نشر أعماله. ويستعيد ذكريات سنوات الشباب والخدمة العسكرية، والقلق الذي رافق خطواته الأولى في عالم الكتابة، فضلاً عن علاقته بالناشرين والنقاد، وما رافق صعوده الأدبي من جدل واهتمام عالمي، خاصة بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 2006.
ولا يتعامل الكاتب مع هذه التجارب باعتبارها سردًا ذاتيًّا خالصًا، بل يحولها إلى تأملات أوسع حول معنى الكتابة والعزلة والنجاح ومسؤولية الكاتب في المجتمع. ويخصص مساحة مهمة للحديث عن مشروع متحف البراءة الذي لم يكن بالنسبة إليه رواية فقط، بل تجربة ثقافية متكاملة جمعت بين الأدب والمتحف والذاكرة المادية.