كندا تعلن: لاعودة للنظام العالمي الذي عرفناه
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
تميّز خطاب دافوس لمارك كارني ليس فقط بجرأته السياسية، بل في وضوحه الأخلاقي.
ففي عالمٍ غارقٍ في اللغة التكنوقراطية الجافة، اختار كارني ما هو أندر: الكلام الأخلاقي المباشر. حين وصف النظام الدولي القائم على القواعد بأنه «خيال مريح»، لم يكن ينقض التاريخ، بل كان يحرّر الحاضر من لغة لم تعد قادرة على تفسيره.
ثمة صورة نمطية شائعة عن الكنديين: أنهم ودودون، ميّالون إلى الاعتذار، مفرطون في التهذيب، كأنهم يخشون دومًا أن يكونوا قد أساؤوا إليك دون قصد. وقد عشتُ ودرستُ ودرّستُ داخل مؤسسات كندية ما يجعلني أفهم من أين جاءت هذه الصورة. غير أن خطاب كارني يذكّرنا بأن اللياقة ليست مرادفًا للضعف، وأن التهذيب لا ينفي الشجاعة. بل إن هذا الخطاب يجعل من ضبط النفس الأخلاقي شكلًا من أشكال القوة. فالدعوة إلى التوقّف عن «العيش داخل الكذبة»، المستلهمة من استعارة فاتسلاف هافل، أول رئيس لجمهورية التشيك بعد استقلالها( 1993 - 2003) ، تعيد تعريف الصدق لا بوصفه ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة استراتيجية. أما النفاق فليس براغماتيًا، بل مدمّرًا.
أكثر ما استوقفني هو وضوح السمة الكندية في هذه اللحظة. فلطالما مارست كندا نفوذًا لا يقوم على الهيمنة. ففي أزمة حرب السويس عام 1956، تقدّم ليستر ب. بيرسون Lester B. Pearson ، وزير خارجية كندا وقتها، بمقترح إنشاء أول قوة طوارئ تابعة للأمم المتحدة، في وقت كانت فيه القوى الكبرى على حافة مواجهة خطيرة. لم تكن كندا يومها قوة عظمى، لكنها تصرّفت كفاعلٍ أخلاقي، ونال بيرسون لاحقًا جائزة نوبل للسلام. خطاب دافوس، وإن كان مشدودًا إلى الاوضاع الجيو-السياسية الراهنة، يستعيد هذا التقليد ذاته: الإيمان بأن القوى المتوسطة، حين تعمل باتساق ونزاهة، قادرة على التأثير في مجرى الأحداث.
ويرفض الخطاب أيضًا نوستالجيا نظامٍ دولي لم يكن يومًا بريئًا بالكامل، وإن كان—على الأقل—قابلًا للتسمية. «الحنين ليس استراتيجية»، يقول كارني، واضعًا حدًا فاصلًا بين الذاكرة بوصفها درسًا، والاختباء في الماضي بوصفه عجزًا عن الخيال السياسي. من انهيار الأوهام المريحة، لا يولد الفراغ، بل تبرز إمكانية البناء من جديد—بقدرٍ أكبر من التواضع، وبصدقٍ أشد، وعلى أرضية أخلاقية أصلب.
بالنسبة إليّ، كان هذا الخطاب تذكيرًا بأن الميل الكندي إلى الحوار، وضبط النفس، ليس نقيض القوة. فإذا ما استند إلى اتساقٍ بين القيم والأفعال، تحوّل إلى صيغة مميّزة من القوة. وفي زمن تتعاظم فيه عدوانية القوى العظمى، قد يكون هذا الاتساق—لا التفوّق العسكري ولا الابتزاز الاقتصادي—أصدق ما تبقّى من معنى القوة.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: النظام الدولي القائم
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود