السلام على طريقة المنتصرين.. ترامب يعيد رسم القوانين الدولية بمجلس أحادي القطب
تاريخ النشر: 25th, January 2026 GMT
بدت لحظة الإعلان عن "مجلس السلام" وكأنها استعادة رمزية لمؤتمر فيينا عام 1815، حين اجتمع المنتصرون لإعادة رسم خريطة العالم بعد زلزال الحروب النابليونية، لا لإغلاق الأزمات بقدر ما أرادوا ضبط ميزان القوة.
ومن منصة دافوس، وفي عالم يترنح تحت أعباء نزاعات مفتوحة وشرعيات متآكلة، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مشروع "مجلس السلام" بوصفه إحياء للمؤتمرات الكبرى، حيث يُعاد تعريف السلام خارج ساحات الصراع وتكتب قواعد النظام الدولي بأقلام من يملكون القوة والقرار، معلنا توقيع وثيقة تأسيس المجلس في سويسرا، ومقدما إياه كإطار يسعى، وفق وصفه، إلى أن يكون من بين أهم الكيانات التي جرى إنشاؤها لإنهاء النزاعات العالمية.
وضم المجلس حتى الآن 35 دولة، على أن تمتد عضوية هذه الدول ثلاث سنوات، فيما مُنحت الدول التي تساهم بمليار دولار لتمويل أنشطة المجلس مقعدًا دائمًا ضمن هيكله، وشملت أبرز الدول الأعضاء تلك التي رعت اتفاق وقف الحرب على قطاع غزة في شرم الشيخ نهاية العام الماضي، وهي قطر ومصر وتركيا والسعودية والأردن.
ووفق ميثاق تأسيسه، أُنيط بالمجلس تعزيز الاستقرار، واستعادة الحوكمة القانونية الموثوقة، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات.
وبصيغته الموسعة، بدا المجلس كيانًا سياسيًا ودبلوماسيًا بامتياز، إذ تبوأ ترامب رئاسته، وامتلك صلاحيات واسعة شملت تغيير الأعضاء، وحق النقض على القرارات الجوهرية، والسلطة النهائية في تفسير ميثاقه.
وتضمن الهيكل الإداري للمجلس إنشاء "المجلس التنفيذي لغزة"، الذي أُوكلت إليه مسؤوليات محددة تتعلق بضمان استقرار القطاع، والإشراف على إعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، وإدارة العلاقات الإقليمية.
وانبثق عن مجلس السلام هيكلان أساسيان، أولهما المجلس التنفيذي لغزة، الذي تألف من سبعة أعضاء، غالبيتهم من الدبلوماسيين الأمريكيين من إدارة ترامب، باستثناء رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، وممثل المجلس التنفيذي في غزة، الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف.
في المقابل، امتنعت عدة دول غربية عن حضور توقيع ميثاق المجلس أو رفضت الانضمام إليه، من بينها كندا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، إذ لم ينعكس هذا الغياب على مجريات الإعلان، إذ خرج ترامب متحدثا عن خطة وصفها بالجميلة، معتبرا أنها قابلة للتوسع بعد تحقيق نجاح وصفه بالباهر في غزة.
وفي أيلول/سبتمبر الماضي، حصل المجلس على تفويض من مجلس الأمن الدولي لإدارة غزة بعد الحرب، رغم أن ميثاقه لم يكن قد تبلور بشكل كامل، في وقت برزت فيه تحفظات دولية من احتمال تحوله إلى كيان قادر على تجاوز الأمم المتحدة وربما استبدالها.
وكان المجلس قد طُرح في بدايته كمبادرة لإدارة المرحلة التالية في القطاع، قبل أن يتسع النقاش سريعًا ليشمل التلويح باستخدام عقوبات اقتصادية لإجبار حلفاء واشنطن على الانضمام إليه.
وكشف هذا التهديد، الذي لم يُنظر إليه بوصفه عابرًا، عن أسباب أعمق للرفض الدولي، إذ أظهرت مسودة ميثاق المجلس صيغة غير مألوفة في العلاقات الدولية، تقوم على رئاسة شخص واحد يمتلك وحده حق النقض، وربط العضوية بالمساهمات المالية، ومنح الرئيس صلاحيات واسعة تشمل إنشاء الهيئات وتعيين الأعضاء، بل وإنهاء المجلس أو تمديده متى شاء.
ومنذ لحظته الأولى، أثار المجلس، الذي رُفع شعار السلام باسمه، تساؤلات تجاوزت غزة نفسها، حيث برزت التحفظات الأوروبية مبكرًا، واعتبر وزير الخارجية الفرنسي أن المجلس يمثل نموذجًا لسياسة أمريكية تتجاهل الإطار الأممي القائم، ووصفت المحادثات الأوروبية الأمريكية بشأنه بأنها بالغة الصعوبة، في ظل مساعٍ أوروبية لتعديل بنوده والحد من صلاحياته الأحادية، بحسب ما أوردت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ العلوم السياسية وخبير العلاقات الدولية علي أغوان، في حديثه لـ"عربي21"، أن طرح “مجلس السلام” جاء عقب عجز مجلس الأمن عن إغلاق ملف غزة، ما دفع ترامب إلى التعامل معه باعتباره جهة لم تعد صالحة لاتخاذ القرار، والبحث عن آلية بديلة لإدارة هذا النوع من القضايا.
وأوضح أن المقاربة التي يعتمدها ترامب تقوم على فصل القضايا الدولية والتعامل مع كل ملف على حدة، عبر تشكيل مجالس خاصة بكل قضية وصناعة رأي عام موازٍ لها، مع احتفاظ الإدارة الأمريكية بحق اختيار أعضاء هذه المجالس وتحديد من يشارك فيها ويتحمل أعباءها السياسية والمالية.
وأشار إلى أن هذا التوجه يندرج ضمن نظرية “القيادة الأمريكية للعالم” التي يتبناها ترامب، والتي تقوم على أن الولايات المتحدة هي من تحدد القضايا، وآليات إدارتها، وأعضاء الجهات المشرفة عليها.
وبيّن أن إدارة “مجلس السلام” تأتي ضمن هذا الإطار، وهو ما يفسر رفض دول مثل بريطانيا الانضمام إليه، إذ ترى أن هذا الملف لا يمكن إدارته بهذه الطريقة، في ظل خلافات جوهرية تتعلق بإدارة غزة، وطبيعة المساعدات، والصلاحيات، وحجم الأموال المخصصة، وهي ملفات ظلت محل جدل بين واشنطن ولندن.
وأضاف أن بريطانيا ودولا أخرى تعتبر أن مثل هذه القضايا يجب أن تُدار عبر مؤسسات النظام الدولي القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، لا من خلال مجالس انتقائية تُنشأ خارج الأطر المعترف بها.
وحذر في ختام حديثه من أن أخطر تداعيات هذا المسار تتمثل في إزاحة الشرعية الدولية جانبًا، مشيرًا إلى أن هذه المجالس لا تتحمل تبعات قانونية حقيقية، بخلاف قرارات مجلس الأمن، وهو ما يعني عمليًا الابتعاد عن مسار تجريم إسرائيل قانونيًا، واستبداله بمسار سياسي أقل التزامًا بالمعايير الحقوقية.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية مجلس السلام دافوس ترامب غزة قطر غزة قطر دافوس ترامب مجلس السلام المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة مجلس السلام
إقرأ أيضاً:
مجلس الوزراء الكويتي يدين الاعتداءات الإيرانية على الكويت والتصعيد الإسرائيلي في لبنان
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أعرب مجلس الوزراء الكويتي خلال اجتماعه الأسبوعي، اليوم الثلاثاء، عن إدانته واستنكاره للاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دولة الكويت، مؤكدًا رفضه القاطع لأي أعمال تمس سيادة البلاد أو تهدد أمنها واستقرارها.
وجاء الاجتماع برئاسة الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح، حيث ناقش المجلس آخر المستجدات الإقليمية والدولية، والتطورات الأمنية التي تشهدها المنطقة، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار.
وأكد المجلس أن دولة الكويت تتمسك بحقها الكامل في حماية سيادتها وأمنها الوطني، مشددًا على أهمية احترام مبادئ حسن الجوار والالتزام بالقوانين والأعراف الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول.
كما أدان مجلس الوزراء الكويتي التصعيد الإسرائيلي المستمر ضد لبنان، معربًا عن قلقه من التداعيات الخطيرة التي قد تنجم عن استمرار العمليات العسكرية والتوترات الأمنية في المنطقة.
وأشار المجلس إلى أن استمرار التصعيد يهدد جهود التهدئة والاستقرار، ويزيد من المخاطر الإنسانية والأمنية التي تواجه شعوب المنطقة، داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والعمل على احتواء التوترات ومنع اتساع نطاق الصراع.
وجددت الحكومة الكويتية موقفها الثابت الداعم للحلول السلمية والدبلوماسية في معالجة الأزمات والنزاعات، مؤكدة أهمية الحوار والوسائل السياسية في تسوية الخلافات بما يحفظ أمن الدول واستقرارها ويجنب المنطقة المزيد من التصعيد.
كما شدد المجلس على دعم الكويت للجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، بما يتوافق مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
وأكد مجلس الوزراء الكويتي أن التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة تتطلب تكثيف التنسيق والتعاون بين الدول لمواجهة التحديات المشتركة، والحفاظ على الأمن الإقليمي، وتعزيز فرص السلام والاستقرار.
ويأتي هذا الموقف في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الدعوات الدولية لخفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية، بما يسهم في حماية أمن المنطقة ويحد من التداعيات السلبية للأزمات الراهنة.