الثورة نت:
2026-06-03@01:48:12 GMT

لماذا لا يكون الجلَّادُ حلاً ؟

تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT

لماذا لا يكون الجلَّادُ حلاً ؟

 

 

في معادلة الصراعات المعقدة، ثمة قاعدة سياسية وفلسفية مفادها: ” لا يمكن للسبب أن يكون حلاً “.
هذا هو المأزق الأخلاقي والسياسي الذي تتعثر فيه القضية الجنوبية، حبيسةً بين فَكَّيْ قوتين: مملكة تذرّعت بالإنقاذ وهي من غرست بذور الأزمة، ونظام من ” الشرعية ” المفترضة يُعاد تصديره عبر الفنادق الفاخرة، بينما جذوره تنغرس في تربة الفساد والعنف التي خرّبت البلاد.


أوهام البحث عن الحل لدى من صنع الداء.
يخطئ من يظن أن الحلول يمكن أن تأتي من الجهات التي كانت شريكةً، ولو بشكل غير مباشر، في تفاقم المأساة.
فالمملكة العربية السعودية، بعلاقتها المتشعبة مع النظام اليمني السابق، تمثل السبب الهيكلي غير المباشر.
إنها لم تكن مجرد جار، بل كانت الراعي السياسي والمالي لنظام استمرأ الفساد والتمزيق الداخلي منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي.
بعد اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي – الرجل الذي كان يحمل رؤيةً لبناء دولة يمنية حقيقية – تشكل تحالف السلطة بين علي عبدالله صالح وعبدالله بن حسين الأحمر تحت المظلة السعودية، ليبدأ عهدٌ من ” المحاصصة الطائفية والإقليمية ” التي حولت اليمن إلى كيان هش.
كما كتب المفكر إدوارد سعيد عن ” الإمبريالية الثقافية “، يمكننا الحديث هنا عن ” الهيمنة الجيوسياسية ” التي تحافظ على جيران ضعفاء من خلال دعم أنظمة تدار مصالحها الخارجية قبل مصالح شعوبها.
الحرب التي بدأت في 26 مارس 2015م لم تكن لـ” استعادة الشرعية ” بمعناها المجرد، بل كانت – في أحد أوجهها الأساسية – عملية جراحية عنيفة لإعادة زرع نفس النظام العائلي والسياسي الفاشل، الذي مثّل الخانق الرئيسي لطموحات اليمنيين شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً.
شرعية الفنادق، الوجه الآخر لعملة الفشل ذاته.
أما ما يُسوق بـ” الشرعية ” المقيمة في الفنادق الفاخرة، فهي تمثل السبب المباشر والجلاد الحقيقي.
إنها ليست حكومةً بالمعنى الحقيقي، بل هي استمرار رمزي وبيروقراطي لنفس العقلية الحاكمة التي أدارت اليمن بالمنافع الشخصية والفساد الممنهج.
إنها تمثل، بحسب تعبير عالم الاجتماع ماكس فيبر، تحول السلطة إلى ” قفص حديدي ” من المصلحة الضيقة، حيث تُختزل الدولة في حاشية وشعارات.
هذه ” الشرعية ” هي الوريث الشرعي – بحكم الأمر الواقع – للنظام الذي حوّل الجيش إلى مليشيات، والثروة إلى نهب، والوطن إلى ساحة انتقام.
كيف يُعقل أن يكون الحل بيد من هم السبب الجنيني للانفجار؟ وكما يقول المثل السياسي القديم: ” لا يمكنك حل المشكلة باستخدام نفس العقلية التي أوجدتها “، وهو ما أُكده لاحقاً الفيزيائي ألبرت أينشتاين في قولته الشهيرة، “التناقض التاريخي، المستحيل المنطقي”.
هنا يكمن التناقض التاريخي القاتل حين تُسند مهمة ” الحل ” و” الإصلاح ” إلى الكيانات التي تشكل الطرف الأول في معادلة الدمار.
هذا يشبه أن نعهد بعلاج مدمن للخمر إلى تاجر خمور، أو إصلاح نظام مالي فاسد إلى أكبر المتورطين في الفساد، إنه استحالة منطقية وسياسية.
المملكة وحلفاؤها المحليون ( شرعية الفنادق ) ليسا ” وسيطًا نزيهاً ” ولا ” حَكَماً معصوماً “، بل هما أطراف في الصراع لهما تاريخ طويل من التدخلات والمصالح المتشابكة التي تتجاوز بكثير مصالح الشعب اليمني الموحّدة.
كما يوضح المفكر نعوم تشومسكي في تحليله للسياسة الخارجية الأمريكية، غالباً ما تُستخدم شعارات مثل ” الاستقرار ” و” الشرعية ” كأغطية أيديولوجية للحفاظ على الهيمنة ومصالح النخب المتحالفة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، ما هو الحل ومن أين يبدأ ؟
لا يمكن للقضية الجنوبية، أو القضية اليمنية عموماً، أن تجد حلاً عادلاً ومستداماً إلاَّ بالخروج من هذه ” الدائرة المفرغة ” التي يتحكم فيها الجلاد بمصير الضحية.
الحل الحقيقي يبدأ بـ:
1 ـ الاعتراف التاريخي، بفك الارتباط بين الحل وبين الأطراف التي كانت جزءاً أساسياً من صناعة الأزمة.
2 ـ التأسيس لشرعية جديدة، قائمة على الإرادة اليمنية الخالصة، وليس على التفويض الخارجي أو بقايا نظام فاسد.
3 ـ الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة، أن تتحول المملكة والدول الإقليمية من كونها أطرافاً فاعلة في الصراع إلى ضمانات حقيقية لحل يمني – يمني.
4 ـ استعادة المبادرة الجنوبية، أن تعود القضية الجنوبية إلى أهلها، كقضية سياسية تستند إلى الحقوق التاريخية والإرادة الشعبية، لا كورقة مساومة في صفقات إقليمية، على يبحث العقااء الفاعلين فيها عن حلول واقعية لها بعيداً عن الانفعالات والضجيج.
كما كتب الفيلسوف جان بول سارتر، ” الحرية ليست هبة، بل هي مشروع يُبنى يومياً “.
الحرية والحل العادل للقضية الجنوبية واليمنية ليسا هبة تمنحهما المملكة أو ” شرعية الفنادق “، بل هما مشروع تحرر وطني وإرادة شعبية يجب أن ينبثقا من تحت أنقاض الماضي، بعيداً عن أولئك الذين كانوا حرّاس سجنه.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • المنتخب الأول لكرة القدم.. يكون أو لا يكون
  • متى يكون التعب المزمن مؤشرًا لمشكلة صحية خطيرة؟
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الأنبا اسطفانوس: الهجرة غير الشرعية وباء يهدد الشباب
  • الترهوني: الإدارة الأمريكية تراهن على الفريق صدام حفتر لدفع الحلّ في ليبيا
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • ضمن حملتها الموسمية «الصيف على طريقتك».. «كتارا للضيافة» تطلق خصما 40 % عبر فنادقها في قطر
  • كيف أعادت الفنادق تشكيل عيد الأضحى في المغرب؟