صحيفة البلاد:
2026-06-02@22:29:59 GMT

أداء بلا روح.. الوجه الخفي لفقدان الشغف

تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT

أداء بلا روح.. الوجه الخفي لفقدان الشغف

يفقد بعض الناس شغفهم بالحياة ذاتها، ولعلّ هذا أخطر أنواع الفقد؛ إذ قد يقود – لا سمح الله – إلى عواقب لا تُحمد. غير أنّ حديثي هنا ينصرف إلى نوع آخر أكثر شيوعًا في أيامنا هذه، وأشدّ خفاءً، وهو فقدان الشغف في العمل. ذلك الفقد الذي لا يُعلن، ولا يُعترف به صراحة، لكنه يظهر في التفاصيل الصغيرة، في الفتور، وفي غياب الهدف، وفي أداء الواجب بلا روح.

هذا النوع من الفقد لا يوقف الحياة، ولكنه يفرغها من معناها المهني.
كثيرًا ما أصادف في حياتي العملية أناسًا فقدوا شغفهم في العمل، دون أن يملكوا الشجاعة للاعتراف بذلك. أراهم وقد تبدّل شيء في نظراتهم وسلوكهم؛ صاروا أقل اكتراثًا، أقل اندفاعًا، يؤدون ما عليهم ثم ينصرفون، بلا هدف واضح ولا غاية يسعون إليها. ليسوا فاشلين، ولا مقصّرين، بل في الغالب أصحاب خبرة طويلة وكفاءة مشهودة، لكنهم يعيشون فراغًا داخليًا يحاولون تغطيته بتبريرات متعددة: ضغط العمل، سوء الإدارة، قسوة الظروف، أو اعتبار ما يمرون به مرحلة مؤقتة. والحقيقة الأعمق، التي يتجنبون تسميتها، أنهم فقدوا الشغف.
فقدان الشغف في العمل لا يحدث على هيئة لحظة فاصلة. لا يستيقظ الإنسان صباحًا ليقول: انتهى كل شيء. بل يتسلل الأمر ببطء شديد، كتآكل صامت، يبدأ حين يصبح الذهاب إلى العمل عادة بلا ترقّب، وحين يتحول الإنجاز إلى فعل آلي لا يصحبه شعور بالرضا. في تلك المنطقة الرمادية، لا يكره المرء عمله، لكنه لا يحبه أيضًا. يؤدي مهامه بإتقان ظاهري، بينما المعنى ينسحب من الداخل دون ضجيج.
وغالبًا ما يُساء فهم هذه الحالة، فيُنظر إلى صاحبها على أنه فقد طموحه أو تراجع عطاؤه. غير أن الشغف لا يغيب لأن الإنسان لم يعد قادرًا، بل لأنه لم يعد مقتنعًا. هناك فرق عميق بين تعب الساعي الذي يرى غايته، وتعب المكرّر الذي يعيد الخطوات ذاتها دون أفق جديد. الأول مرهق لكنه حيّ، والثاني مستنزف ولو بدا مستقرًا. ومع الزمن، حين يتحول العمل إلى روتين يومي متشابه، وحين تطغى الضغوط وتتراكم المهام دون فسحة للتجديد أو التعلّم، يبدأ الشعور بالقيمة في التراجع.
يزداد الأمر تعقيدًا حين يدخل عامل المقارنة، فينظر الإنسان إلى نجاحات الآخرين فيشعر بأن جهده لا يكفي، أو حين يبذل طاقته كاملة ولا يجد التقدير المادي أو المعنوي الذي يوازي عطائه. هنا لا يضيع الشغف دفعة واحدة، بل يتآكل، حتى يصبح العمل عبئًا نفسيًا لا مصدر تحقيق. والمشكلة أن هذه الحالة لا تنعكس فورًا في التقارير أو تقييمات الأداء؛ فالموظف لا يزال حاضرًا، منضبطًا، ملتزمًا، لكن شيئًا جوهريًا قد غادره. وهذا الغياب الداخلي له ثمن باهظ، إذ تتراجع جودة الأفكار، ويبهت الإبداع، وتتحول الكفاءة إلى تكرار محسوب. المؤسسات لا تسقط فجأة، لكنها تذبل حين يعمل فيها أناس توقفوا عن الإيمان بما يفعلون.
ومع ذلك، يخشى كثيرون الاعتراف بفقدان الشغف، لا خوفًا من الفشل، بل خشية من حكم الآخرين. كأن التراجع عن مسار اختير يومًا بحماسة يُعد خيانة لذلك الاختيار. فيُطلب من الإنسان أن يصبر، وأن يكون ممتنًا، وكأن الامتنان يلغي حقه في المراجعة، أو كأن الالتزام يعني الجمود الأبدي. غير أن الصمت الطويل عن فقدان الشغف لا يصنع نضجًا، بل يولّد اغترابًا داخليًا، يجعل الإنسان يعيش عمله بنصف حضور، ويؤدي دوره وهو غائب عن ذاته.
وليس المقصود من هذا المقال الدعوة إلى قرارات متسرعة أو قطيعة مفاجئة، فاستعادة الشغف لا تعني دائمًا ترك الوظيفة، بل قد تبدأ بخطوات أبسط: مراجعة الأهداف، وإعادة تنظيم الوقت، وكسر الرتابة، أو حتى الاعتراف بالمشكلة والبحث عن جذورها؛ فالشغف ليس خطًا مستقيمًا يمتد من البداية إلى النهاية، بل رحلة تتخللها محطات، وتجارب، وتغيّر في الأولويات.

المصدر

المصدر: صحيفة البلاد

كلمات دلالية: بدر الشيباني

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • كيف يدمّر الضغط النفسي صحة البشرة دون أن تلاحظ؟
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • ماذا قالت لوباريزيان عن الدور الخفي للخليفي في إنقاذ كرة القدم الأوروبية؟
  • "حفرة جهنم".. دراما مشوقة تكشف الوجه الخفي للعشوائيات
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • فوائد غسل الوجه بالسدر.. وصفة طبيعية متوارثة لبشرة أكثر نقاءً وإشراقًا
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • عقب التعديلات الأخيرة.. السكة الحديد تعلن جداول تشغيل قطارات يونيو 2026
  • حقوقي: إطلاق مشاورات الاستراتيجية الجديدة لحقوق الإنسان خطوة مهمة
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟