الجزيرة:
2026-06-02@23:10:16 GMT

لماذا أصبحت كروت الشاشة عملة نادرة هذا العام؟

تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT

لماذا أصبحت كروت الشاشة عملة نادرة هذا العام؟

في مطلع هذا العام، استيقظ العالم التقني على واقع جديد، لم تعد بطاقات الشاشة (Graphic Cards)، مجرد قطع من العتاد الصلب (Hardware) يحلم بها هواة الألعاب أو المصممون، بل تحولت إلى "عملة نادرة" يتصارع عليها أباطرة التكنولوجيا.

هذه الأزمة، التي باتت تعرف اصطلاحا بـ"راماغيدون"، ليست مجرد نقص في الإمدادات، بل هي إعادة هيكلة جذرية لموازين القوى في سوق السيليكون، حيث أصبحت الذاكرة العشوائية "دي آر إيه إم" (DRAM) وذاكرة الفيديو "في آر إيه إم" (VRAM) هي المحرك الأول للاقتصاد التقني العالمي.

ولفهم أبعاد "راماغيدون"، يجب أن ننظر إلى ما يحدث خلف أبواب مراكز البيانات العملاقة، فمع الانفجار الهائل في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تجاوزت حدود "الدردشة" إلى محاكاة العوالم الكاملة، أصبح الطلب على الذاكرة يفوق الخيال.

والشركات الكبرى مثل "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"مايكروسوفت" (Microsoft) و"ميتا" (Meta) لم تعد تكتفي بشراء آلاف المعالجات، بل أصبحت تشتري "سعة النطاق الترددي" للذاكرة.

هذه الشركات استحوذت استباقيا على كامل إنتاج المصانع الكبرى مثل "سامسونغ" (Samsung) و"إس كيه هاينكس" (SK Hynix) من ذواكر "إتش بي إم 4″ (HBM4) و"جي دي دي آر 7" (GDDR7).

وقد أدى هذا السحب الهائل من المخزون العالمي إلى جفاف المنابع التي تغذي سوق المستهلكين الأفراد، مما جعل الشركات المصنعة لبطاقات الشاشة الموجهة للأفراد تجد نفسها في مأزق، إما شراء الذاكرة بأسعار خيالية أو التوقف عن الإنتاج.

الخلل في سلاسل التوريد أدى إلى عودة ظاهرة "المضاربة" وارتفاع أسعار القطع في السوق الاستهلاكية (شترستوك)ذاكرة الفيديو "في آر إيه إم".. المكون الذي كسر ميزانية المستخدم

تاريخيا، كان المعالج الرسومي (الرقاقة المركزية) هو المكون الأغلى في البطاقة، لكن هذا العام، قلبت أزمة "راماغيدون" الطاولة، فقد أصبحت ذاكرة الفيديو "في آر إيه إم" (VRAM) تمثل أكثر من 60% من تكلفة تصنيع البطاقة.

إعلان

والبطاقات الحديثة التي تتطلب سعات تبدأ من 16 غيغابايت لتشغيل ألعاب بدقة 8K أو معالجة الفيديوهات المعقدة، أصبحت تكلفتها التصنيعية تتجاوز أسعار بيعها المقترحة سابقا. ونتيجة لذلك، قفزت أسعار بطاقات الفئة المتوسطة إلى مستويات كانت مخصصة للفئات العليا، بينما أصبحت الفئات العليا مثل "آر تي إكس 5090" (RTX 5090) وما يعادلها بمثابة استثمار مالي لا يقدر عليه إلا المحترفون أو الشركات الصغيرة.

تداعيات الأزمة: من الألعاب إلى رغيف الخبز التقني

لا تتوقف أزمة "راماغيدون" عند حدود "الترفيه الرقمي"، بل تمتد آثارها لتشمل:

ارتفاع أسعار الحواسيب المحمولة: أصبحت أجهزة "العمل عن بعد" والطلاب أغلى بنسبة 40%، لأن ذواكر "دي دي آر 5″ (DDR5) و"إل بي دي دي آر 6" (LPDDR6) سُحبت أيضا لسد العجز في خوادم الحوسبة السحابية. انهيار سوق الفئة الاقتصادية: اضطرت شركات مثل "إنفيديا" (Nvidia) و"إيه إم دي" (AMD) لإلغاء خطط إنتاج البطاقات الرخيصة، لأن هامش الربح فيها أصبح "سالب" بسبب ارتفاع تكلفة شرائح الذاكرة. إنعاش سوق المستعمل (والاحتيال): عاد سوق البطاقات المستعملة للازدهار، وصاحب ذلك موجة من الاحتيال وبيع بطاقات "معدنة" متهالكة بأسعار تقترب من سعر الجديد. الأزمة وضعت العالم أمام ضرورة ابتكار تقنيات ذاكرة بديلة لكسر احتكار الذكاء الاصطناعي للموارد المتاحة (شترستوك)الذكاء الاصطناعي ضد اللاعبين.. صراع غير متكافئ

المفارقة الساخرة في هذه الأزمة هي أن الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد عليه اللاعبون لتحسين جودة الصورة عبر تقنيات مثل "دي إل إس إس" (DLSS) هو نفسه السبب في حرمانهم من امتلاك البطاقات. فأصبحنا نجد أن الأولوية في خطوط الإنتاج تذهب للبطاقات المخصصة للأعمال (Workstations) وخوادم الذكاء الاصطناعي لأنها تباع بعشرة أضعاف سعر بطاقة الألعاب، مما يجعل شركات تصنيع العتاد تميل طبيعيا نحو الربح الأكبر.

المستنقع الجيوسياسي وصراع السيليكون

لا يمكن فصل أزمة "راماغيدون" عن التوترات السياسية العالمية، فمع تمركز إنتاج الذواكر المتقدمة في يد شركتين أو ثلاث حول العالم، تحولت الذاكرة إلى أداة للضغط السياسي.

وقد تسببت قيود التصدير والمنافسة الشرسة بين الأقطاب الاقتصادية في زيادة تعقيد سلاسل التوريد، فالمصانع الجديدة التي تم التبشير بها في عام 2023 لا تزال في مراحل التشغيل التجريبي، ولم تصل بعد إلى القدرة التي تمكنها من إحداث توازن في السوق.

هذا النقص دفع بعض الدول إلى اعتبار "مخزونات الذاكرة" موارد استراتيجية، مما أدى إلى ظهور سوق سوداء عالمية للرقائق، حيث يتم تهريب شرائح الذاكرة وإعادة بيعها للمصنعين الصغار بأسعار تضاعف قيمتها الأصلية عدة مرات، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه المستهلك النهائي.

شركات التقنية العملاقة سحبت كامل مخزون ذواكر النطاق العريض مما ترك سوق الأفراد في حالة جفاف تقني (شترستوك)هل من مخرج في الأفق؟

يرى المحللون أن الخروج من "راماغيدون" يتطلب حلين لا ثالث لهما:

الأول: ابتكار تقنيات ذاكرة جديدة تعتمد على مواد أقل ندرة وأكثر وفرة في الإنتاج، وهو أمر قد يستغرق سنوات من البحث والتطوير. الثاني: بناء مصانع ضخمة مخصصة فقط للذواكر، وهو ما بدأ يحدث بالفعل في الولايات المتحدة وأوروبا تحت مظلة "قوانين الرقائق" الجديدة، ولكن هذه المصانع لن تصل إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة قبل نهاية عام 2027. إعلان

تعتبر أزمة "راماغيدون" جرس إنذار يذكرنا بأن الموارد التقنية ليست لا نهائية. حيث لم يعد السؤال "ما هي قوة بطاقة الشاشة التي سأشتريها؟"، بل أصبح "هل سأجد بطاقة شاشة لأشتريها أصلا؟".

ويرى المحللون أننا نعيش الآن في عصر التقشف الرقمي، حيث أصبحت "الذاكرة" هي العملة الصعبة التي تحرك العالم، وبينما تزداد العقول الاصطناعية ذكاء، تزداد جيوب المستخدمين العاديين فراغا. فإذا كنت تملك بطاقة شاشة تعمل بكفاءة حاليا، فحافظ عليها كأنها كنز، ففي ظل "راماغيدون"، قد يكون بديلك القادم هو مجرد "سراب" في قوائم الانتظار الطويلة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الذکاء الاصطناعی

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • خبير أوبئة يحذر: العالم يواجه سلالة نادرة ومميتة من فيروس إيبولا | فيديو
  • لماذا تغيب بعض المواهب عن الشاشة؟.. طارق الشناوي يجيب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • نجاح ولادة نادرة لـ4 أطفال توائم في محافظة مأرب شرقي اليمن
  • برلماني: العلمين الجديدة أعادت رسم خريطة التنمية في مصر
  • بين الذاكرة واللوحة.. أورهان باموق يعود بـ الكلمات والصور
  • سلسلة الوعود المعطلة: من 10 × 10 إلى المدينة الجديدة واللجان.. الذاكرة لا تنسى
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • تويوتا تستدعي 82 ألف سيارة بعد اكتشاف مشكلة في الشاشات الرقمية