كيف يعيد الذكاء الاصطناعي فتح الملفات الغامضة في أقسام الشرطة؟
تاريخ النشر: 26th, January 2026 GMT
بعد أكثر من 30 عاما على جريمة اختفت تفاصيلها في الأدراج، عاد اسم الضحية إلى الواجهة فجأة. لا شاهد جديد ظهر ولا اعتراف متأخر سُجل، ما حدث ببساطة أن خوارزمية أعادت النظر في تسجيلات قديمة وربطت بين خيطين لم يلتقيا من قبل. في زمن الذكاء الاصطناعي لم يعد الصمت الطويل نهاية القصة.
الأدلة الصامتة تتكلملعقود شكلت الأدلة المتراكمة في أقسام الشرطة عبئا أكثر من كونها فرصة، فهناك لقطات كاميرات مراقبة مشوشة وبصمات غير مكتملة وسجلات اتصالات ضخمة لا يمكن فرزها يدويا، وتقارير طب شرعي أُغلقت دون نتيجة.
لكن اليوم تغير المشهد، إذ إن تقنيات تحسين الصور والتعرف على الأنماط وتحليل البيانات الضخمة أعادت تعريف "القيمة" في هذه الأدلة، وما كان يعد غير صالح للتحقيق في التسعينيات من القرن الماضي بات الآن مادة خاما قابلة لإعادة التحليل، وربما لإعادة فتح قضايا ظلت بلا إجابة سنوات طويلة.
في بعض الحالات قادت إعادة فحص قواعد بيانات الحمض النووي باستخدام خوارزميات أحدث إلى تضييق دائرة الاشتباه، وفي أخرى أتاح تحليل لقطات قديمة -بجودة متدنية- استخلاص تفاصيل لم يكن للعين البشرية أن تلتقطها آنذاك، فالزمن -الذي كان عدو التحقيق- أصبح فجأة حليفا تقنيا.
وفي ولاية ألاسكا، منح هذا التطور أملا جديدا لملفات مفقودي السكان الأصليين، بعد أن كانت تلك القضايا تمثل "جدارا مسدودا" بسبب تراكم الوثائق الورقية والأدلة غير المفروزة عقودا طويلة.
داخل غرف التحقيق الحديثة، لم تعد الملفات الورقية هي النجم، بل أنظمة ذكاء اصطناعي تعمل على مدار الساعة تمسح ملايين السجلات في وقت قياسي، فترصد التقاطع بين مواقع الهواتف وتحركات السيارات، وتربط بين بلاغات متفرقة، وتستخرج "خيوطا" محتملة لمسارات تحقيق جديدة.
إعلانشركات ناشئة مثل "كلوجر" (Closure) و"لونجيي" (Longeye) بدأت بالفعل في تزويد قطاعات الشرطة بأنظمة قادرة على تفريغ آلاف الساعات من التسجيلات الصوتية وتحويلها إلى نصوص قابلة للبحث في دقائق، إلى جانب تصنيف الصور والفيديوهات وربط الأدلة القديمة ببيانات جديدة.
هذا التحول أعاد تشكيل دور المحقق البشري، فبدل أن يكون مجرد جامع للأدلة بات محللا ومدققا في نتائج تجمعها الخوارزميات. السرعة هنا مذهلة لكنها سلاح ذو حدين، فكلما ازدادت قدرة النظام على اقتراح روابط محتملة ازدادت الحاجة إلى عين بشرية ناقدة تتساءل "هل هذا الارتباط منطقي أم مجرد تشابه إحصائي؟".
نظريا تشير الخوارزمية ولا تُدين، لكن عمليا قد يغري هذا "الذكاء" بعض الأقسام بتصديق النتائج قبل إخضاعها للتشكيك الكافي.
ويصف رئيس شرطة مدينة أنكوريج هذه النقلة بقوله إن التكنولوجيا الجديدة "حولت ملفات بدت مستحيلة الفهم إلى ملخصات واضحة يمكن العمل عليها"، مؤكدا أنها أعادت الحركة إلى قضايا راكدة -لا سيما ملفات مفقودي السكان الأصليين- من دون أن تحلها تلقائيا.
رغم الوعود الكبيرة، يحمل الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي مخاطر حقيقية، فمثلا أنظمة التعرف على الوجوه أظهرت في تجارب عديدة معدلات خطأ أعلى عند التعامل مع فئات سكانية بعينها نتيجة تدريبها على بيانات غير متوازنة، وهنا لا يكون الخطأ تقنيا فحسب، بل قد يتحول إلى اتهام خاطئ يغير حياة شخص بريء.
ويحذر خبراء حقوقيون من الانزلاق نحو التعامل مع "التطابق الخوارزمي" بصفته دليلا شبه قاطع، رغم أنه في جوهره احتمال إحصائي، والخطر الأكبر أن تتحول الأداة المساعدة إلى سلطة غير مرئية يصعب الطعن في منطقها أو مساءلتها.
أما الخصوصية، فهي السؤال الأكثر حساسية، فإلى أي مدى يحق للشرطة إعادة استخدام بيانات قديمة -من كاميرات المدن إلى السجلات البيومترية- بحجة حل ملفات؟ وهل يبرر السعي للعدالة توسيع دائرة المراقبة على مواطنين لم يكونوا يوما محل شبهة؟.
المشكلة لا تتوقف عند التكنولوجيا، بل تمتد إلى فراغ تشريعي واضح، ففي كثير من الدول لا توجد أطر قانونية تفصيلية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في التحقيق الجنائي، وهناك أسئلة جوهرية لا تزال بلا إجابة "من يراجع الخوارزمية ويختبر تحيزاتها؟ من يتحمل المسؤولية إذا قادت نتائجها إلى خطأ قضائي؟ وهل يجب إبلاغ المتهم بأن أحد أدلة الإدانة نتاج تحليل خوارزمي؟".
ومع تصاعد الاعتماد على هذه الأدوات تتضخم المشكلة من تقنية إلى قانونية ثم إلى أخلاقية تمس جوهر العدالة ذاتها. والخلاصة هنا أن الذكاء الاصطناعي يملك القدرة على إعادة الأمل لعائلات انتظرت الحقيقة طويلا، لكنه إن تُرك بلا ضوابط قد يفتح بابا جديدا لأخطاء لا تقل قسوة عن الجرائم التي يسعى لكشفها.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الذكاء الاصطناعي الذکاء الاصطناعی
إقرأ أيضاً:
"لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
لم تمتلك المستشارة القانونية لـ "أوبن إيه آي" نيكول دياز، أي خبرة في البرمجة عندما انضمت إلى الفريق القانوني للشركة، لكن خلال عام واحد فقط، تحوّلت إلى مستخدمة متقدمة لأدوات الذكاء الاصطناعي، بل ومطوّرة لحلول تساعدها في أداء مهامها اليومية بكفاءة غير مسبوقة.
بدأ هذا التحول مع استخدامها أداة "شات جي بي تي" لتبسيط واحدة من أكثر المهام تعقيداً في عملها، وهي إعادة صياغة السياسات القانونية.
تحويل النصوص إلى إرشادات واضحةوبدلًا من التعامل مع نصوص طويلة مليئة بالمصطلحات المعقدة القادمة من مكاتب المحاماة، طورت دياز أداة مخصصة داخل "شات جي بي تي" تقوم بتحويل هذه النصوص إلى إرشادات واضحة ومباشرة تناسب بيئة العمل داخل الشركة، ما وفر عليها وقتاً وجهداً كبيرين.
دانييلا أمودي.. كيف حوّلت الشغف بالأدب الإنجليزي إلى ثروة بقيمة 7 مليارات دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي؟ - موقع 24تصدّر اسم دانييلا أمودي، المؤسسة المشاركة ورئيسة شركة الذكاء الاصطناعي "أنثروبيك"، قائمة أبرز قصص النجاح في عالم التكنولوجيا، بعدما كشفت بيانات "فوربس" مؤخراً، عن وصول صافي ثروتها نحو 7 مليارات دولار.
ومع مرور الوقت، توسع استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل إدارة البريد الإلكتروني، حيث اعتمدت على "Codex" لإنشاء نظام ذكي يقوم بفرز الرسائل الواردة، وتصنيفها حسب درجة الخطورة، واقتراح ردود مناسبة بناءً على سياسات محددة مسبقاً.
توفير رؤى تحليلية أوسعالنظام السابق لا يكتفي بتوفير الوقت، بل يمنحها أيضاً رؤية تحليلية من خلال تتبع نوعية الاستفسارات وسرعة التعامل معها. ورغم هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، تؤكد دياز أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الخبرة القانونية، بل يدعمها، فهو يتولى المهام المتكررة، بينما يظل اتخاذ القرار النهائي قائماً على التقدير البشري والخبرة المهنية.
الذكاء الاصطناعي والاحتكار.. ملفات ثقيلة تنتظر قائد آبل الجديد جون تيرنوس - موقع 24في تحول تاريخي داخل واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، أعلنت شركة آبل تعيين جون تيرنوس، رئيس قسم الأجهزة الحالي، منصب الرئيس التنفيذي اعتباراً من 1 سبتمبر (أيلول) المقبل، خلفاً لتيم كوك الذي سيشغل منصب رئيس تنفيذي لمجلس الإدارة.
وتعكس تجربة دياز توجهاً أوسع داخل "أوبن إيه أي"، يقوم على تمكين الموظفين من بناء أدواتهم الخاصة دون الحاجة إلى خلفية تقنية عميقة، ففي بيئة العمل هناك، يتم تبادل الخبرات بشكل مستمر بين الزملاء، ما يخلق ثقافة تعلم جماعي تسهم في تسريع تبني هذه التقنيات.
تقدم التجربة نموذجاً جديداً لمستقبل العمل القانوني، حيث لا يقتصر دور المحامي على فهم القوانين فقط، بل يمتد ليشمل القدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بفعالية، ما يعيد تشكيل طبيعة المهنة في العصر الرقمي.