رغم تعدد الإغراءات الأمريكية، ابتعد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن مسار التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك عن الاندماج في التحالف الأمريكي الأوسع في الشرق الأوسط.

وأوضح الكاتب لورانس ج. هاس، الزميل البارز في مجلس السياسة الخارجية الأمريكية، في مقال نشره موقع "ناشونال إنترست"، أن مخاوف مشتركة من طموحات إيران للهيمنة دفعت دولة الاحتلال والسعودية خلال السنوات الأخيرة إلى تقارب تدريجي وتعاون في شؤون إقليمية، ما عزز الآمال في القدس وواشنطن بأن توافق الرياض قريبا على تطبيع كامل للعلاقات مع الاحتلال.



وبين الكاتب أن التطبيع السعودي الإسرائيلي، أي إقامة علاقات دبلوماسية رسمية، كان يمكن أن يشكل تتويجا للتطورات الإقليمية الاستثنائية التي أعقبت هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 إسرائيلي.

وأشار إلى أن الرد العسكري الإسرائيلي الواسع أضعف إيران بشكل كبير، إلى جانب أبرز وكلائها في ما يسمى "محور المقاومة"، وهما حزب الله وحماس، وهو ما أفاد الرياض والقدس عبر تقليص التهديد العسكري الذي مثلته طهران، غير أن التحالفات في الشرق الأوسط المضطرب، بحسب المقال، تتغير باستمرار تبعا للتهديدات المتصورة والطموحات الجديدة للاعبين الرئيسيين، ما يجعل آمال الاستقرار الإقليمي طويل الأمد عرضة للتقويض.



وينطبق هذا الواقع على العلاقات السعودية الإسرائيلية، إذ لم تعد الرياض والقدس تسيران على مسار التطبيع كما بدا عليه الوضع قبل السابع من أكتوبر.

وفي الفترة الأخيرة، وجّه ولي العهد السعودي انتقادات حادة للسلوك الإسرائيلي، وعمل على بناء تحالف إقليمي جديد يهدف إلى موازنة التحالف المتنامي بين الاحتلال.

ويرى الكاتب أن ابتعاد السعودية عن حكومة الاحتلال يحمل تداعيات كبيرة لا تقتصر على القدس، التي باتت تواجه ديناميكيات إقليمية جديدة، بل تمتد أيضا إلى واشنطن.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يأمل أن يفتح التطبيع السعودي الإسرائيلي الباب أمام انضمام مزيد من الدول العربية إلى اتفاقيات أبراهام، وهي اتفاقيات السلام التي وقعت عام 2020 مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.

وخلال العام الماضي، واصل ترامب الإشادة بمحمد بن سلمان بعبارات لافتة، وقدم للرياض مساعدات عسكرية واقتصادية واسعة.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر، وافق على بيع ما يصل إلى 48 مقاتلة متطورة من طراز إف-35، إضافة إلى نحو 300 دبابة، كما اتفق الطرفان على توسيع العلاقات التجارية وتذليل العقبات أمام الاستثمارات المتبادلة.

لكن الكاتب يرى أن التحركات السعودية الأخيرة تفرض على واشنطن التريث وإعادة تقييم سياساتها، بما في ذلك احتمال إعادة النظر في تسليم مقاتلات إف-35، التي تتطلب موافقة الكونغرس ولن يبدأ تنفيذها قبل سنوات.



ولفت إلى أن دولة الاحتلال كانت قلقة بالفعل من أن يؤدي امتلاك السعودية لهذه الطائرات إلى تقويض تفوقها العسكري النوعي، وهي مخاوف حاولت واشنطن معالجتها باستمرار، فيما من شأن تصاعد العداء السعودي تجاه الاحتلال أن يزيد هذه المخاوف حدة.

وأشار المقال إلى أن محمد بن سلمان ربط تطبيع العلاقات مع الاحتلال، على الأقل، باتخاذ خطوات إسرائيلية تعزز إقامة الدولة الفلسطينية، إلا أن التحول الاستراتيجي الأوسع للرياض بعيدا عن حكومة الاحتلال يبدو مدفوعا بدرجة أكبر بعوامل داخلية وتطورات إقليمية.

وعلى الصعيد الداخلي، يواجه ولي العهد معارضة من أمراء ينظرون إلى الاحتلال كمنافس لا كشريك، ومن قيادات دينية لا تزال تحمل عداء تاريخيا لليهود، إضافة إلى شريحة من الشباب السعودي الذين يحملون الاحتلال المسؤولية الأكبر عن تداعيات أحداث أكتوبر 2023.

ومن زاوية إقليمية، يرى محمد بن سلمان أن إيران باتت ضعيفة إلى حد يقلل من حاجة الرياض إلى القوة العسكرية الإسرائيلية، في وقت ينظر فيه إلى دولة الاحتلال على أنها قوة تسعى ليس فقط لإضعاف إيران ووكلائها، بل أيضا لضرب قادة حماس في الدوحة والمشاركة في تشكيل ملامح سوريا ما بعد الأسد، بما يعكس طموحات خاصة للهيمنة.

وأوضح الكاتب أن الرياض كانت تمهد لإعادة هيكلة إقليمية حتى قبل أحداث أكتوبر 2023، ففي آذار/مارس من ذلك العام، أعلنت السعودية وإيران استئناف العلاقات بعد قطيعة دامت سبع سنوات، وهي علاقة أثبتت تماسكا، تجسد في زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران في نيسان/أبريل الماضي، حيث أجرى محادثات مع كبار المسؤولين الإيرانيين، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي.

وفي الوقت ذاته، تشهد العلاقة السعودية مع الإمارات العربية المتحدة توترا متزايدا، في تحول وصفه الكاتب بـ"الدراماتيكي" في ميزان القوى الإقليمي، فقد شنت السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، خلال الأسابيع الأخيرة هجمات على جماعات متمردة مدعومة من الإمارات داخل اليمن.



وعلى نطاق أوسع، تعمل الرياض على موازنة النفوذ المتزايد لأبو ظبي قرب البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتسعى إلى توسيع تحالفاتها الأخرى، بما في ذلك تعزيز التعاون الأمني مع مصر والصومال.

ويرى الكاتب أن السعودية باتت تخشى دولة الاحتلال والإمارات أكثر من إيران، وهو ما يدفعها إلى تعميق علاقاتها مع تركيا.

وفي هذا السياق، أشار إلى مساعي أنقرة للانضمام إلى اتفاقية دفاعية وقعتها السعودية مع باكستان في أيلول/سبتمبر، تتضمن بندا للدفاع المشترك يشبه المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، ما قد ينذر بتشكيل محور تركي سعودي مدعوم بهيكل دفاعي شبيه بالناتو، وموجه ضمنيا ضد حكومة الاحتلال والإمارات.

ويخلص المقال إلى أن آمال الولايات المتحدة في تعزيز علاقاتها مع الرياض وإنجاز تطبيع سعودي إسرائيلي تصطدم بالقيود الداخلية لولي العهد السعودي وطموحاته الإقليمية.

ومن أجل حماية مصالحها، يرى الكاتب أن على واشنطن إعادة تقييم المشهد الإقليمي المتغير والتعامل معه بحذر وواقعية.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة دولية الاحتلال إيران السعودية ترامب إيران السعودية الاحتلال ترامب صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة دولية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة دولة الاحتلال الکاتب أن بن سلمان إلى أن

إقرأ أيضاً:

خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان

 

ناقشت حلقة جديدة من برنامج «محور السودان» على قناة «DW» الألمانية (دويتشه فيله) التحركات الدبلوماسية الأخيرة لمصر والمملكة العربية السعودية، في عدد من دول المنطقة، بينها السودان وليبيا وإثيوبيا والصومال، وما إذا كانت تعكس تحولًا في مقاربة البلدين للحرب في السودان، خاصة فيما يتعلق بتضييق مسارات الدعم اللوجستي والتمويل لقوات «الدعم السريع».

الخرطوم ــ التغيير

وشارك في الحلقة رئيس تحرير صحيفة «التيار» عثمان ميرغني، والكاتب والمحلل المتخصص في الشأن الأفريقي عبد المنعم أبو إدريس، والخبير الاستراتيجي الدكتور أمية يوسف، حيث تناولوا التطورات الإقليمية وانعكاساتها المحتملة على مسار الصراع في السودان.

تحركات دبلوماسية

ورأى المشاركون أن الأشهر الأخيرة شهدت نشاطًا دبلوماسيًا سعوديًا ومصريًا لافتًا تجاه الملف السوداني، معتبرين أن هذا الحراك قد يعكس اهتمامًا أكبر بتقليص خطوط الإمداد التي تعتمد عليها قوات «الدعم السريع».

وقال الدكتور أمية يوسف إن السعودية أبدت، خلال الفترة الماضية، اهتمامًا متزايدًا بالأزمة السودانية مقارنة بالمراحل السابقة، مشيرًا إلى أن هذا التحول يرتبط بحسابات أمن البحر الأحمر واستقرار الإقليم.

وأضاف أن مصر حافظت على موقفها الداعم للجيش السوداني منذ اندلاع الحرب، لكنها أجرت، بحسب تقديره، تعديلات في أساليب إدارة الملف بما يتناسب مع التطورات الميدانية.

ليبيا وخطوط الإمداد

كما ناقشت الحلقة تقارير إعلامية تحدثت عن ضغوط مصرية وسعودية على قائد القوات المسيطرة على شرق ليبيا، خليفة حفتر، لوقف أي دعم عسكري أو لوجستي يصل إلى قوات «الدعم السريع» عبر الحدود الليبية.

وأشار عثمان ميرغني إلى أن القاهرة كثفت اتصالاتها مع الجانب الليبي عقب تداول تقارير عن استمرار تدفق شحنات أسلحة عبر الأراضي الليبية، بينما رأى عبد المنعم أبو إدريس أن هذه التحركات تستهدف إغلاق أحد أهم منافذ الإمداد المؤثرة في مسار الحرب.

إثيوبيا والقرن الأفريقي

وتطرقت الحلقة إلى العلاقات بين السعودية وإثيوبيا، وما تردد عن وجود تباينات في وجهات النظر بشأن الأزمة السودانية والعلاقات الإثيوبية مع الإمارات.

واعتبر الدكتور أمية يوسف أن الرياض تسعى إلى تعزيز حضورها في منطقة القرن الأفريقي، مشيرًا إلى أن الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية السعودي إلى أديس أبابا حملت رسائل تتعلق بالملف السوداني، إلى جانب ملفات إقليمية أخرى، من بينها سد النهضة.

في المقابل، رأى عبد المنعم أبو إدريس أن التحديات الداخلية التي تواجهها إثيوبيا قد تحد من قدرتها على المناورة في ملفات المنطقة، بما في ذلك الأزمة السودانية.

الدور التركي والتطورات الميدانية

وتوقفت الحلقة عند تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز بشأن استخدام طائرات مسيّرة تركية في السودان، وهو ما لم تؤكده رسميًا القاهرة أو أنقرة.

ورأى عثمان ميرغني أن الجيش السوداني تمكن خلال الأشهر الماضية من تحقيق تقدم ميداني أسهم في تقليص بعض خطوط إمداد قوات «الدعم السريع»، مشددًا على أن استمرار دعم قدرات الجيش سيظل عاملًا مؤثرًا في مسار العمليات العسكرية.

الوسومإعادة رسم مسار الحرب المملكة العربية السعودية برنامج «محور السودان» تحركات إقليمية خبراء مصر

مقالات مشابهة

  • ترامب للسعودية: التطبيع قبل النووي
  • إيران تتحدى الضغوط.. إعادة بناء المواقع العسكرية وتصعيد أمريكي يفتحان فصلاً جديدا من المواجهة
  • نيويورك تايمز: إيران رفضت مقترحًا أمريكيًا لوقف إطلاق النار نقله رئيس وزراء العراق
  • محلل سياسي: حالة من التشرذم داخل النظام الإيراني
  • الحرس الثوري الإيراني يعلن تدمير صاروخ "توماهوك" أمريكي في كرمان
  • لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
  • عندما يملّ الكاتب من حمل كتابه
  • السعودية أمام شرط أمريكي جديد.. ماذا يريد ترامب؟
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • موجة قلق في تل أبيب: الاتفاق النووي الأمريكي مع الرياض وصفقة الـ F-35 لتركيا يرعبان إسرائيل