هكذا علقت أوروبا في المصيدة الإستراتيجية
تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT
عندما زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موسكو قبل أسبوعين من اندلاع حرب أوكرانيا؛ أجلسه سيد الكرملين على مبعدة قياسية منه.
ففي لحظة مفصلية من تاريخ أوروبا الحديث اختيرت طاولة اجتماعات طولية ملائمة لهذا الإذلال الرمزي على مرأى من العالم، وخرجت صورة الضيف الجالس يوم 7 فبراير/ شباط 2022 على طرف قاصٍ من الطاولة لتشي بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المعروف برسائله المرمزة، يهزأ بالأوروبيين.
وما إن أقلعت طائرة ماكرون عائدا نحو الإليزيه حتى أوحى متحدثو الكرملين بأن فرنسا ليست التي تقرر في شؤون الحرب والسلم، فواشنطن هي المتصرف بقيادة حلف الأطلسي.
حاول الرئيس الفرنسي حينها الظهور في مشهد استأثر به الأمريكيون والروس الذين تجاهلوا الأوروبيين في قضية تمس أمنهم الجماعي، حسب شكوى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عندما كانت في أيامها الأخيرة في المنصب.
اندلعت الحرب دون أن تمنح الدبلوماسية الأوروبية فرصتها، فأحدث انفجار الموقف صدمة إستراتيجية للقارة التي حسبت أنها ودعت زمن النار والرماد.
أسقط غزو أوكرانيا رهان أوروبا على ترويض الدب الروسي عبر إدماجه في علاقات مصالح متبادلة، بما فيها الشراكات التجارية والاستثمارية وتدفقات الطاقة.
كانت ألمانيا تقود القاطرة الأوروبية حينها وظلت تتبنى مقاربة تقاربية مع روسيا بلغت ذروتها في تدشين خط "السيل الشمالي 2" أو "نورد ستريم 2" لعبور الغاز الروسي عبر البحر علاوة على الخطوط الأخرى السابقة.
عارضت الإدارات الأمريكية هذا المشروع، مدركة أن أوروبا تدير من خلال هذه الأواصر الإستراتيجية توازنات محسوبة في علاقاتها الخارجية على نحو تبتغي من خلاله احتواء التحدي الروسي من جانب؛ وإحداث توازن في العلاقة التحالفية مع الولايات المتحدة من جانب آخر، علاوة على رعاية مصالحها الاقتصادية بالطبع.
إعلانسقط الرهان فجأة، حتى إن المستشار الألماني، الجديد حينها، أولاف شولتس تحدث بمجرد غزو أوكرانيا عن "نقطة تحول". تلكأت برلين أول الأمر في تصعيد الموقف مع موسكو رغم أنه صار غير قابل للاستدراك، فامتنعت عن تزويد كييف في شهور الحرب الأولى بأسلحة ذات شأن، بخلاف ما اندفعت إليه لاحقا بوتيرة متصاعدة.
انزلقت الجمهورية الاتحادية وشركاؤها الأوروبيون إلى الخندق الأمريكي تحت تأثير الذعر الإستراتيجي الداهم في لحظة الحقيقة.
صعدت الآصرة التحالفية الأطلسية إلى الواجهة وتكثف حضور القوات الأمريكية في وسط أوروبا وشرقها، وزاد الوزن الإستراتيجي لبولندا المحاذية لأوكرانيا على حساب ألمانيا التي تراجعت مكانتها القيادية تحت تأثير هذا الحدث وتطورات أخرى متلازمة معه.
لجأ الاتحاد الأوروبي سريعا إلى تفعيل أداة العقوبات الاقتصادية والمالية فسن حزما عقابية متلاحقة على موسكو هي الأضخم من نوعها في التاريخ الأممي.
بالغت أوروبا في تقدير مفعول هذه العقوبات، بل تجلت للعيان تأثيرات عكسية لبعضها وكأن الأوروبيين عاقبوا أنفسهم بها ضمنا. عانت الاقتصادات الأوروبية، بما فيها الاقتصاد الألماني الرائد، من عواقب ارتفاع كلفة الطاقة إلى معدلات قياسية، ومن شح الإمدادات في بعض السلع، بينما حاولت القارة التعافي من التداعيات الاقتصادية والتشغيلية المترتبة على جائحة "كورونا" المديدة.
قطعت العقوبات الأوروبية والغربية المكثفة شبكات المصالح المتبادلة بين روسيا وشركائها الأوروبيين إلى غير رجعة، ثم وقع تفجير خطوط "نورد ستريم" البحرية في عملية مموهة في بحر البلطيق في سبتمبر/ أيلول 2022.
وإن أفادت تقارير بأن عملاء المخابرات الأوكرانية هم من نفذوا التفجير؛ فإن المؤكد أن واشنطن قد تكون المستفيد الأبرز من تعطيل المشروع الإستراتيجي الذي عارضته أساسا.
أظهر مشهد سنة 2024 شركاء أوروبيين في حالة تخندق قسرية خلف القيادة الأمريكية بزعامة الرئيس جو بايدن، إزاء روسيا البوتينية المندفعة خارج حدودها، لكن الرهان الغربي على إخضاع موسكو واستنزافها بصفة غير مباشرة تبدد في واقع حرب طاحنة مديدة استنزفت الأطراف جميعا.
تبين في هذا السياق أن الروبل لم يتضرر بل ارتفع أحيانا جراء صعود أسعار النفط، وأن قدرات روسيا الكمية على إنتاج الذخائر الحربية تفوق نظيرتها الأمريكية والأوروبية مجتمعة.
التحمَت أوروبا في لحظة الحقيقة بالخيار الأطلسي وانهمكت في سباق تسلح قياسي، واكتشفت في غضون ذلك أنها استغرقت قبل غزو أوكرانيا في أوهام نهاية الحروب في القارة إلى حد تقليص بعض جيوشها وإلغاء أنظمة تجنيد إجباري وإغلاق بعض الثكنات.
سارع الغربيون إلى استعادة تقاليد الاصطفاف الذي عهدوه في الحرب الباردة وساعدهم في ذلك خطاب نمطي لجأت إليه إدارة بايدن، قبل أن يظهر هاجس مفزع من الضفة الغربية للأطلسي. إنه دونالد ترمب، الذي استرجع البيت الأبيض عبر اجتياح انتخابي جارف في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 حرم الديمقراطيين من ولاية رئاسية ثانية.
تسبب ترمب خلال سنته الأولى في الولاية الجديدة بحرمان قادة أوروبا من إغماض العيون في ليالٍ أدلى خلالها بتصريحات مفزعة أو بث منشورات مؤرقة. انهارت الثقة سريعا بين الراعي والرعية في منظومة "الناتو"، وصارت واشنطن تحديا جسيما أو تهديدا محتملا للقارة العالقة في الخندق الذي فارقه الأمريكيون على ما يبدو؛ بينما يعجز الأوروبيون عن مغادرته بعد أن فقدوا خطوط الرجعة في قارة تستنزفها الحرب.
إعلانذهبت الإدارة الأمريكية إلى حد ابتزاز حلفائها الأوروبيين بسيف التعريفة الجمركية إن لم يرضخوا لإملاءاتها، لأنها أدركت أنهم عالقون في مصيدة إستراتيجية منذ أن هوَت توازناتهم في إدارة العلاقات مع الأقطاب، وخسروا فرصة التقارب مع الجار الروسي بمقتضى صدمة غزو أوكرانيا.
عاد ترمب إلى قمرة القيادة في توقيت حرج للغاية بالنسبة لأوروبا، أي عندما تزايدت اعتماديتها على المظلة الأطلسية التي تتصرف بقرارها الولايات المتحدة. توسع "الناتو" في الشمال الأوروبي بانزلاق الدولتين الإسكندنافيتين المحايدتين إلى عضويته، فنلندا (2023)، ثم السويد (2024)، بدافع الذعر من الجار الروسي.
وتخلى الأوروبيون المسكونون بالهواجس الإستراتيجية الجديدة عن التلكؤ في زيادة إنفاقهم العسكري، فسجلوا قفزات مطردة في هذا الباب منذ سنة 2022، حتى إنهم في قمة حلف الأطلسي التي انعقدت في لاهاي في 25 يونيو/ حزيران 2025 تعهدوا مع دوله الأعضاء بإجراء زيادة استثنائية في هذا الإنفاق تقضي باستثمار 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي السنوي في القطاعات الدفاعية حتى سنة 2035، تتوزع على 3.5% مخصصة للإنفاق العسكري ونسبة 1.5% مخصصة لحماية البنية الأمنية في إطارها العام الذي يشمل قطاعات من قبيل الأمن السيبراني والبنى التحتية الحيوية، رغم المتاعب التي يواجهها عدد من الاقتصادات الأوروبية وأزمة المديونية التي تعصف ببعضها، وتراجع جودة دولة الرفاه الاجتماعي.
اجترأت شهية الولايات المتحدة على إظهار نوايا افتراس مصالح أوروبية، كما في جزيرة غرينلاند العملاقة التي تعادل نصف مساحة الاتحاد الأوروبي، وما كان لذلك أن يحدث بهذه الضراوة لولا حقيقة أن أوروبا خسرت توازنها الإستراتيجي بين الأقطاب من جانب؛ وتستشعر من جانب آخر أنها في حالة انكشاف نسبي في مواجهة تهديدات روسية محتملة لا غنى للقارة عن الحليف الأمريكي في مواجهتها.
لكنّ الأوروبيين يدركون اليوم أن الولايات المتحدة حليف غير موثوق وغير مأمون الجانب، وأنها قد تهدد مصالحهم أيضا وقد تبرم الصفقات السياسية فوق رؤوسهم دون اكتراث كما تفعل مع روسيا في ملف أوكرانيا.
ومع إدارة أمريكية منفلتة العقال على هذا النحو؛ فإن مدى الرؤية ينعدم أمام الأوروبيين ولا يترك لهم هامشا للركون إلى حسن نوايا "الحليف" الأطلسي بعد أن تحول الحامي الإستراتيجي إلى مساوم يبتز مَن يحميهم ويقتطع بعضا من لحمهم الحي. لا يسع أوروبا اليوم أن تستند إلى حلف غير مضمون أو شراكة غير موثوقة وسط مخاطر وتحديات قائمة أو محتملة في الحاضر والمستقبل.
من المفارقات أن الأوروبيين لم يعترضوا على غزو فنزويلا وانتهاك سيادتها واختطاف رئيسها يوم الثالث من يناير/ كانون الأول، وكشف موقفهم الجماعي وقتها عن خشيتهم من إغضاب حامل الهراوة الغليظة الذي يقطن البيت الأبيض.
لكن بمجرد انتهاء الهجوم على كاراكاس واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجه بطريقة استعراضية؛ أطلق ترمب حملته التصعيدية في ملف غرينلاند، بعد أن حسب بعض الأوروبيين أنه انشغل عنه بطموحاته التوسعية في أمريكا اللاتينية.
أحدث تصعيد واشنطن في ملف غرينلاند في بداية سنة 2026 صدمة أوروبية عميقة وإن بقيَت بعض تعبيراتها مكتومة خشية استثارة ترمب، ولا يقل وقع هذه اللحظة المفصلية عن صدمة غزو أوكرانيا.
لم تتبدد الصدمة في العواصم الأوروبية من "نقطة التحول" الجديدة هذه، حتى بعد أن تراجع ترمب عن تهديده باستعمال القوة العسكرية في الجزيرة المتجمدة وإغماده سيف التعريفة الجمركية العقابية الذي أشهره من جديد في مواجهة ثماني دول أوروبية إن لم ترضخ لإملاءاته.
انهارت الثقة التحالفية بضربة معوَل رمزية، وصارت واشنطن في موقع التهديد المحتمل لحلفائها الذين قد لا تتردد في نهش مصالحهم من حيث لم يحتسبوا.
إعلانتبدو أوروبا اليوم عالقة في مصيدة إستراتيجية بين جارها الشرقي الذي اعتاد الحروب المديدة وحليفها الغربي الذي قد يتنصل من التزاماته الإستراتيجية نحوها في لحظة الحقيقة، وقد لا يتردد هذا الأخير في القضم من مصالحها وأراضيها دون أن يجد من يعترض طريقه.
لم يعد بوسع أوروبا افتراض أن هذا الحال سيزول قريبا، أو أن تحتمل حبس أنفاسها حتى نهاية هذه الولاية الرئاسية في البيت الأبيض كما فعلت مع ولاية ترمب الأولى.
ثمة ثلاث سنوات متبقية، والأهم هو أن الولايات المتحدة تتغير جوهريا ولم تعد مأمونة العواقب، وقد أرسى الرئيس المتقلب تقاليد يَسهل تقمصها من بعده؛ خاصة مع مظاهر السطو والتجريف والترهيب التي أقدم عليها في الحياة السياسية والمؤسسات الأمريكية وحتى في وسائل الإعلام والحياة الثقافية والمجتمع المدني.
ثم إن المخاطر الإستراتيجية التي تمثلها هذه الإدارة الأمريكية على أوروبا لا تقتصر على المساس بالأواصر التحالفية والوشائج الدفاعية، فهي تشمل نهجا تدخليا أمريكيا رسميا في شؤون القارة وأوضاع دولها.
تتحدث أركان الإدارة، وعلى رأسها ترمب ذاته، بصفة متكررة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في أوروبا، وتشن الجوقة الرئاسية هجمات على وجوه من الحياة العامة في الدول الأوروبية؛ من قبيل عمدة لندن المسلم صادق خان، وتشتبك لفظيا بطريقة مهينة مع رؤساء دول وحكومات أوروبية.
إنها ليست تصرفات طائشة كما قد يبدو فهي نهج إستراتيجي بالأحرى، كما يتضح من إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي نشرتها إدارة ترمب في ديسمبر/ كانون الأول 2025.
تتبنى الإستراتيجية نهجا مناهضا للاتحاد الأوروبي وداعما لصعود قوى اليمين المتطرف إلى الحكم في الدول الأوروبية ومتواطئا مع نظريات مؤامرة عنصرية بيضاء مناهضة للمسلمين والمهاجرين تتغلف بمقولات التهديد الحضاري على أوروبا وضرورة "أن تعود أوروبا أوروبية مجددا".
تساهم أصابع واشنطن الجديدة في حياكة نسيج سياسي وأيديولوجي في أوروبا من شأنه تقويض ما تبقى من وعود وحدتها وأن يهوي بالتزامات قيمية مفترضة ويقطع الطريق على الانفتاح الثقافي على تنوعها الداخلي.
مما يزيد هذه المخاطر على أوروبا أن القارة العالقة في المصيدة الإستراتيجية تضم نماذج ترمبية متعددة في مشهد السياسة وصدارة الاستطلاعات، وأن بعض الوجوه الشعبوية والمتطرفة قد تنجح حقا في إعادة إنتاج المشهد الأوروبي في غضون سنوات معدودة وفق مقاربات انغلاقية وعنصرية وتفكيكية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الولایات المتحدة غزو أوکرانیا فی لحظة من جانب بعد أن
إقرأ أيضاً:
ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق