سياسة الحبل المشدود: النموذج الأمريكي الجديد لإدارة العالم

محمد الحسن محمد نور

كيف تقوم القوة العظمى المؤسسة للنظام العالمي بتفكيك أركانه عمداً، رغم أنها صعدت إلى قمته باستخدام أدواته وقواعده؟ هذا هو التناقض الجوهري الذي يكشف جوهر التحول الأمريكي الحالي. فبعد عقود من توظيف المنظومة الدولية– من الأمم المتحدة إلى المؤسسات المالية– لترسيخ هيمنتها، تعلن واشنطن اليوم رفض “الهيمنة المستمرة”.

لم تعد ترى في النظام الذي صنعته إطاراً لقيادتها، بل عائقاً أمام مصلحتها الضيقة. لقد تحولت من “الشرطي العالمي” الحارس على استقرار هذا النظام، إلى “مدير مخاطر استراتيجية”، مهمته استغلال الفوضى وتوجيهها، ومشي على حبل مشدود بين هدم القواعد القديمة ورفض بناء أي بديل مستقر. إنها “سياسة الحبل المشدود” التي تهدد بسحب العالم من نظامٍ– رغم هرميته– كان يحمل شيئاً من اليقين، إلى فراغ جيوسياسي تسوده المخاطرة الدائمة.

توصيف تحول السياسة الأمريكية الخارجية إلى كونها “مديرة مخاطر إستراتيجية” هو التوصيف الأدق للتحول الجذري الجاري. فلا هي تنأى بنفسها عن العالم، ولا هي تكرس ذاتها له. إنما تبنى سياستها على قاعدة هشة: إدارة الفوضى دون احتواء أسبابها، واستغلال الفرص دون استثمار في إدامتها، واحتكار القرار دون تحمل أعبائه كاملةً. هذا هو المشي على حبل مشدود، منطقٌ يحمل في طياته بذور تصدّعٍ عالمي غير مسبوق.

لم يعد الأمر متعلقاً فقط بالتفاوض مع الحلفاء على تقاسم النفقات، بل بات تحدياً وجودياً للنظام الدولي ذاته. فقد أعلنت وثيقة الإستراتيجية القومية الأمريكية لعام 2025 صراحةً رفض “الاعتقاد بأن الهيمنة المستمرة على النظام الدولي تصب في مصلحة البلاد”، مؤكدةً أن شؤون الآخرين لا تهم واشنطن “إلا إذا هددت مصالحها مباشرة”. هذا ليس انعزالاً تقليدياً، بل هو تفكيك ممنهج لمنظومة الاستقرار التي ساهمت في بنائها منذ عام 1945.

هنا يبرز التناقض المؤسِّس لسياسة “الحبل المشدود”: فهي من جهة تطالب حلفاءها بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من ناتجهم المحلي لتتفرغ هي للصراع الاستراتيجي مع الصين، موجِّهةً سياساتها نحو نصف الكرة الغربي في إحياءٍ عملي لنظرية “مونرو”. ومن جهة أخرى، تتصرف بعقلية قوة مكشوفة، حيث تُلوّح بالسيطرة العسكرية على حليف مثل الدنمارك لضمّ جزيرة غرينلاند، أو تعلن أن معاهدة تسليم قناة بنما كانت “هدية حمقاء”. إنها ليست سياسة قوة تقليدية، بل استعراض للإرادة على حساب الشرعية، وسعيٌ لفرض حقائق جديدة دون اعتبار لأي عرف أو تحالف تاريخي.

المفارقة أن هذه البراغماتية الصارخة تولِّد فوضى أكبر مما تظن أنها تتحكم فيه. ففي أوروبا، العمود الفقري للتحالفات التاريخية، يتصاعد الحديث عن بناء قوة عسكرية أوروبية مستقلة، بينما تشكِّك الوثائق الأمريكية الرسمية في مستقبل حلف الناتو ذاته تحت وطأة تغيرات ديمغرافية. وفي الشرق الأوسط، حيث تدعي الإدارة أنها “أنهت سبع حروب”، تظهر أدواتها الجديدة هشّة؛ فمبادرات مثل “مجلس السلام” لغزة، والتي تُقدَّم كبديل للأمم المتحدة، تُحكم عليها بالفشل مسبقاً لغياب الشرعية والضمانات الدولية والمؤسسية، مجسِّدةً نموذجاً لإدارة الأزمات عبر استعراض دعائي وليس عبر حلول مؤسسية دائمة.

حتى الادعاء بالتحول من “الشرطي العالمي” إلى “مدير المخاطر” ينكشف عن نزعة توسعية حين تُعرَّف المصالح الحيوية بشكل ضيّق. العملية العسكرية الجريئة في فنزويلا لاعتقال الرئيس مادورو، والتي وصفتها دوائر تحليلية بـ “الفوضى المنظمة”، تثبت أن “أمريكا أولاً” قد تعني تدخلاً مباشراً وحاسماً، وليس تفويضاً للمهام، عندما يتعلق الأمر بمصادر الطاقة والموارد الحيوية.

فما المنطق الذي يحكم هذه “الفوضى المنظمة”؟ إنه اقتصاديات القوة القصوى. تريد واشنطن استعادة الهيمنة في مجال الطاقة العالمي، وتأمين سلاسل الإمداد الاستراتيجية، وجذب الاستثمارات التكنولوجية، وكل ذلك مع تقليص عجزها التجاري. العلاقات الدولية في ظل هذه الرؤية تصبح أداةً لتحقيق أرباح مادية قابلة للقياس، والاستقرار الإقليمي مجرد منتج ثانوي مرحلي، مطلوب فقط بقدر ما يضمن تدفق تلك الأرباح ويمنع ظهور منافس إقليمي مستقل.

الرسالة النهائية التي تبعثها واشنطن اليوم ليست رسالة قائد عالمي، بل رسالة مساوم بارع في سوق المزادات الدولية، تقول: “أنتم أحرار في التحرك ضمن سقف نحدده، ونحن أحرار في دعم من يقدم لنا واقعاً جاهزاً بأقل تكلفة. حافظوا على استقرار مؤقت يحمي مصالحنا، ولا تتطلعوا إلى شراكة استراتيجية حقيقية”.

الخطر الكامن هو أن العالم لا يسير بقوانين السوق وحدها. إن سير واشنطن على هذا الحبل المشدود – بين تفكيك النظام القديم ورفض بناء جديد، وبين التخلي عن الحلفاء والمطالبة بولائهم، وبين الحديث عن السلام وخلق بؤر توتر جديدة – لا يهدد بمجرد سقوطها. إنه يهدد بسقوط الجميع في هوة الفراغ الجيوسياسي، حيث تتفكك اليقينيات، وتضعف الضوابط، وتصبح المجازفة بالقوة الخيار الوحيد للجميع. والنتيجة ليست عالَماً متعدد الأقطاب، بل عالَماً بلا أقطاب واضحة، تسوده المخاطرة الدائمة – وهو السيناريو الأكثر خطورة على الجميع، بما فيهم من يسيرون على الحبل المشدود.

25 يناير 2026م

بريد: [email protected]

هاتف: +971524835766

الوسومالسياسة الأمريكية الخارجية الشرطي العالمي النظام العالمي النموذج الأمريكي سياسة الحبل المشدود محمد الحسن محمد نور واشنطن

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: السياسة الأمريكية الخارجية الشرطي العالمي النظام العالمي النموذج الأمريكي محمد الحسن محمد نور واشنطن

إقرأ أيضاً:

من الكاريبي إلى المونديال.. مشروع هولندي يقود كوراساو إلى الحلم العالمي

لم يكن تأهل منتخب كوراساو إلى كأس العالم 2026 وليد المصادفة أو نتيجة طفرة عابرة، بل جاء ثمرة مشروع رياضي طويل اعتمد على المزج بين الهوية الكاريبية والخبرة الهولندية، ليحول الجزيرة الصغيرة إلى منافس قادر على مقارعة كبار القارة.

قبل أيام من كأس العالم.. أزمة التأشيرات تربك معسكر إيران الأخير

ترتبط قصة كوراساو الحديثة بتاريخ جزر الأنتيل الهولندية، إذ يعد المنتخب الامتداد القانوني والرياضي لذلك الكيان الكروي الذي اختفى بعد التغييرات السياسية في المنطقة. 

ومنذ حصول كوراساو على عضوية مستقلة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2011، بدأت ملامح مشروع جديد تتشكل بهدوء.

الخطوة الأولى تمثلت في استقطاب اللاعبين من أصحاب الأصول الكوراساوية الذين ولدوا ونشأوا داخل هولندا، مستفيدين من الروابط التاريخية والسياسية بين الجزيرة ومملكة هولندا.

هذا التوجه منح المنتخب قاعدة بشرية أكبر ومستوى فنيا أعلى، خصوصا أن عددا من لاعبيه تطوروا داخل أكاديميات ودوريات أوروبية تمتلك خبرة كبيرة في صناعة المواهب.

وبمرور السنوات بدأت النتائج تظهر تدريجيا، حيث فازت كوراساو بكأس الكاريبي عام 2017، ثم سجلت ظهورها الأول في الكأس الذهبية بالعام نفسه، قبل أن تبلغ ربع نهائي نسخة 2019 وتقترب من التأهل إلى مونديال قطر 2022.

لكن التحول الأكبر جاء مع وصول المدرب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات مطلع عام 2024، ليقود الفريق بخبرته الطويلة في كرة القدم الدولية.

أدفوكات، البالغ من العمر 78 عاما، يمتلك سيرة تدريبية استثنائية، إذ سبق له قيادة منتخب هولندا في مونديال 1994، ثم كوريا الجنوبية في نسخة 2006، قبل أن يجد نفسه أمام تحد جديد في جزيرة صغيرة تطمح إلى صناعة المجد.

تحت قيادته تحولت كوراساو إلى فريق أكثر جرأة وفعالية هجومية، ونجح المنتخب في تسجيل 28 هدفا خلال 10 مباريات بالتصفيات، وهو رقم يعكس التطور الكبير في الأداء الهجومي والقدرة على فرض الشخصية داخل الملعب.

ورغم النجاح، لم تخل الرحلة من التقلبات ، ففي فبراير 2026 أعلن أدفوكات استقالته لأسباب شخصية مرتبطة بالحالة الصحية لابنته، ليتم تعيين فريد روتن مدربا جديدا استعدادا للمونديال.

لكن المفاجأة جاءت بعد ثلاثة أشهر فقط عندما تمت الإطاحة بروتن وعودة أدفوكات مجددا إلى منصبه، في قرار عكس حجم الثقة التي يحظى بها داخل المنظومة الكروية في كوراساو.

وتمنح هذه العودة المنتخب استقرارا فنيا مهما قبل البطولة، كما تجعل أدفوكات أكبر مدرب يقود منتخبا في تاريخ كأس العالم الممتد على مدار 96 عاما.

ولا يقتصر المشروع الكوراساوي على المدرب فقط، بل يعتمد أيضا على مجموعة من اللاعبين الذين يمثلون العمود الفقري للفريق، وفي مقدمتهم القائد لياندرو باكونا صاحب الخبرة الدولية الطويلة، وشقيقه جونينيو باكونا، إضافة إلى الهداف التاريخي رانجيلو جانغا الذي سجل 21 هدفا بقميص المنتخب.

هذا الخليط بين خبرة اللاعبين القادمين من أوروبا والروح القتالية المرتبطة بهوية الجزيرة منح المنتخب شخصية خاصة يصعب تجاهلها.

وسيكون الاختبار الأكبر عندما يبدأ المنتخب مشواره في كأس العالم بمواجهة ألمانيا في هيوستن يوم 14 يونيو، قبل لقاء إكوادور وكوت ديفوار ضمن مجموعة تبدو صعبة على الورق.

لكن كوراساو تدخل البطولة دون ضغوط كبيرة، فمجرد التأهل يعد إنجازا تاريخيا، بينما قد يمنحها غياب التوقعات فرصة للعب بحرية ومحاولة صناعة مفاجأة جديدة.

مقالات مشابهة

  • خرائط عالمنا الجديد
  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • أحمد موسى: العلمين نموذج للتنمية الشاملة واستضافة المؤتمرات الدولية
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
  • “حماس” ترحب باعتماد نقابات أيرلندية سياسة الشراء الأخلاقية
  • من الكاريبي إلى المونديال.. مشروع هولندي يقود كوراساو إلى الحلم العالمي
  • "حماس" ترحب باعتماد نقابات العمال الأيرلندي وفورسا سياسة شراء الأخلاقية
  • سياسة تجارية جديدة في واشنطن.. مراجعة شاملة لـ«الرسوم الجمركية»
  • عن عودة السلاطين ومشروع الفوضى