حكايتهن… حكايتي: رسائل إلى نساء السودان «3»

د. ناهد محمد الحسن

الرسالة الثالثة من رواندا.. كلنا معا

بعد الإبادة الجماعية في رواندا، لم يكن السؤال الأول: كيف نعيد بناء الدولة؟

كان السؤال الأبسط والأقسى: كيف نعيش معًا بعد كل هذا؟

الدولة كانت منهكة، المجتمع مكسورًا، اللغة نفسها مثقلة بالدم. القرى التي شهدت القتل، لم يكن لديها وقت لتستجمع انفاسها وتشفى وهي تضم القاتل والناجي معًا.

لم تكن هناك مساحة للأجوبة الكبيرة، ولا قدرة على تحمّل خطاب سياسي مرتفع السقف. في هذا الفراغ، لم تظهر النخب أولًا. ظهرت النساء.

لم يخرجن ببرنامج حكم، ولا بوثيقة مصالحة وطنية. خرجن بشيء أكثر تواضعًا، وأكثر اهمية: الرغبة في منع الانهيار الاجتماعي من أن يصبح قدرًا دائمًا.

في الأنثروبولوجيا، يُقال إن النساء حارسات الاستمرارية.

لا لأنهن أضعف، بل لأن أجسادهن مرتبطة بالحياة اليومية، بالغذاء، بالرعاية، بالذاكرة الطويلة، لا بلحظة النصر السريع.

ما فعلته نساء رواندا لم يكن مصالحة بين القتلة والضحايا،

ولكن وقف انهيار المجتمع.

في رواندا، لم تبدأ الإبادة الجماعية فجأة في 1994، كما تُروى عادة في الأخبار…بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، حين تآكلت اللغة، حين صارت الهوية سكينًا، وحين قُسِّم الناس في الخيال قبل أن يُقتلوا في الواقع…وفي مئة يوم فقط، قُتل ما يقارب مليون إنسان، أغلبهم بالسواطير، وعلى أيدي جيران، وأقارب، وأصدقاء الأمس…عندما انتهت المجزرة، لم يكن السؤال:

من انتصر؟

بل: من بقي حيًا ليحمل هذا الخراب؟

وكان الجواب صادمًا:

البلد صار بلد نساء.

أكثر من 60٪ من السكان بعد الإبادة كنّ نساء.

نساء فقدن الأزواج، الأبناء، الإخوة.

نساء تعرّضن لاغتصاب جماعي ممنهج استُخدم كسلاح حرب.

نساء أصبحن مسؤولات عن بيوت بلا رجال، وأطفال بلا آباء، وذاكرة بلا لغة.

في علم الاجتماع، تُسمّى هذه اللحظة انهيار البنية الاجتماعية الذكورية.

حين تختفي السلطة التقليدية للعنف، لا يظهر السلام تلقائيًا، بل يظهر فراغ خطير.

إما أن يُملأ بانتقام مؤجل، أو يُعاد بناؤه على أسس جديدة.

هنا تحديدًا دخلت النساء الروانديات إلى التاريخ، لا كضحايا، بل كفاعلات.

لم يقلن: نحن أطيب…نحن أكثر أخلاقًا.

قلن ببساطة: لا نستطيع أن نعيش حربًا أخرى.

بدأ الأمر من حيث لا يتوقع أحد:

من القرى، من جلسات صمت، من أعمال دفن جماعية، من محاكم شعبية اسمها Gacaca.

في هذه المحاكم، لم تكن العدالة مثالية، ولم تكن الرحمة سهلة.

لكن النساء لعبن دورًا حاسمًا:

كنّ الشاهدات، الحافظات للتفاصيل، الرافضات لتحويل الذاكرة إلى وقود جديد للعنف.

هكذا وُلد تحالف

Pro‑Femmes/Twese Hamwe

«كلّنا معًا».

بدأ التحالف في أوائل التسعينيات بعدد محدود من المنظمات النسوية، ثم بعد الإبادة عام 1994 تمدّد ليضم أكثر من خمسين منظمة نسوية من خلفيات عرقية، ودينية، ومناطقية مختلفة. نساء فقدن أزواجهن، أخريات فقدن أبناءهن، بعضهن ناجيات، وبعضهن زوجات لمن شاركوا في القتل. لم يُطلب منهن أن يتفقن على رواية واحدة للماضي، بل على حقيقة واحدة للمستقبل: أن استمرار العنف سيقضي على ما تبقى من المجتمع.

قوة هذا التحالف لم تكن في حجمه فقط، بل في منهجه.

لم يسعَ إلى القفز فوق الجراح نحو الدولة، بل نزل إلى حيث تُعاد صناعة المجتمع:

القرية، الجوار، السوق، المدرسة، البيت.

في علم الاجتماع، هذه لحظة مفصلية. حين تنهار السلطة الأخلاقية للدولة، يصبح المجتمع نفسه هو الفضاء السياسي الحقيقي. والنساء، بحكم موقعهن في الرعاية، وفي اللغة اليومية، وفي إدارة تفاصيل الحياة، يمتلكن مفاتيح هذا الفضاء دون ضجيج.

نساء التحالف لم يرفعن «المصالحة» كشعار أخلاقي، بل حوّلنها إلى ممارسة يومية:

مشاريع اقتصادية مشتركة بين نساء من مجموعات متصارعة، جلسات استماع بلا محاكم، تدريب على حل النزاعات داخل القرى، تفكيك خطاب الكراهية في تفاصيل الحياة اليومية لا على المنصات. لم يكن الهدف «نسيان» ما حدث، بل منع توريثه.

من منظور علم النفس الاجتماعي، ما فعلنه كان بالغ الأهمية: كسرن آلية «نقل الصدمة عبر الأجيال». حين يرى الطفل أمه تتعاون مع امرأة من «الطرف الآخر» في السوق، تتصدع السردية الصلبة للكراهية. هكذا يُعاد تعريف «نحن» ببطء، خارج العِرق، ولو جزئيًا.

لكن التجربة لم تكن رومانسية، ولا خالية من التناقضات.

في علم النفس الجمعي، تُعد هذه النقلة خطيرة وشجاعة:

تحويل الصدمة من طاقة تدمير إلى طاقة تنظيم.

المرأة التي رأت القاتل، وسمعت الاعتراف، ورفضت أن يُختزل المستقبل في الثأر.

لم يكن هذا سلامًا رومانسيًا.

كثير من النساء فشلن.

كثيرات انهارت صحتهن النفسية.

كثيرات أُجبرن على العيش قرب من اغتصبهن أو قتل أبناءهن.

لكن ما حدث هو أن الانتقام لم يصبح سياسة دولة..وهذا فرق جوهري.

حين استعادت الدولة الرواندية قوتها، جرى احتواء العمل النسوي داخل خطاب رسمي عن «الوحدة الوطنية». سُمح للنساء بالعمل الاجتماعي، لا بالمساءلة السياسية. ارتفعت نسبة تمثيل النساء في البرلمان، لكن هامش النقد ضاق. السلام تقدّم، العدالة الجندرية بقيت ناقصة.

وهنا يكمن الدرس العميق.

النساء لم يفشلن. بل اصطدمن بسقف الدولة حين حاولن الانتقال من ترميم المجتمع إلى تغيير موازين القوة. ومع ذلك، ما أنجزنه كان حاسمًا: منعْن الانهيار الكامل، وأعدن بناء الحياة اليومية من الرماد.

الآن… السودان.

في السودان، الحرب لم تدمّر الدولة وحدها، بل أصابت النسيج الاجتماعي نفسه. الثقة، الجوار، القرابة، اللغة، كلها جريحة. النساء السودانيات يعشن ما عاشته الروانديات: فقدان، اغتصاب، نزوح، صمت ثقيل، ومسؤولية قاسية عن البقاء.

ومع ذلك، ما زال يُنظر لدور المرأة إمّا كرمز، أو كزينة خطابية، أو كضحية يُطلب منها الصبر، أو كجسر يُستدعى لتجميل تسويات لا تغيّر شيئًا.

تجربة رواندا تقول لنا شيئًا مختلفًا:

النساء لا يحتجن إلى تفويض كي يكنّ فاعلات.

ولا إلى تنظيم واحد جامع.

ولا إلى اتفاق كامل.

يحتجن إلى شبكات.

شبكات تربط المرأة في المعسكر، بالمرأة في الحي، بالمرأة في المنفى، بالمرأة داخل مؤسسات الدولة، وبالمرأة التي تعيش في قلب مناطق السيطرة المسلحة. كل واحدة في موقعها، تمارس مقاومة يومية صامتة: مقاومة تطبيع العنف، مقاومة نزع الإنسانية، مقاومة تحويل الحرب إلى أمر عادي.

الخطر، كما تُظهر رواندا، ليس في تحرّك النساء، بل في احتوائه. في تحويل السلام إلى شعار يُسكت الألم بدل أن يواجهه. في الطلب من النساء أن يكنّ جسرًا للعبور، لا صوتًا للغضب المشروع.

السودان لا يحتاج إلى نساء مثاليات، ولا إلى بطلات أيقونات. يحتاج إلى نساء يرفضن تطبيع الحرب في تفاصيل الحياة اليومية، ويبنِينَ «نحن» أوسع من السلاح، وأصدق من الشعارات.

هذا ليس حلمًا طوباويًا.

هذا ما فعلته نساء قبلنا…

حين لم يعد هناك أحد آخر يفعل شيئًا.

في الاسفل صورة فنراندا احدي قائدات المبادرة الحاصلة على جائزة نوبل للسلام

Veneranda Nzambazamariya (August 8, 1957 – January 30, 2000

الوسومد. ناهد محمد الحسن

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الحیاة الیومیة إلى نساء لم تکن لم یکن

إقرأ أيضاً:

عشبة رخيصة تقلل أعراض متلازمة تكيس المبايض

تعد متلازمة تكيس المبايض من أكثر المشكلات الصحية الشائعة بين النساء من مختلف الأعمار وتؤثر على قدرتهن على الإنجاب.

بإجمالي 548 مخالفة.. حملة مكبرة لإعادة الانضباط ورفع الإشغالات فى شوارع دشنا بقناترامب يعلن حضوره حفل العشاء الجديد لمراسلي البيت الأبيض في 24 يوليو

ووفقا لما جاء في موقع draxe نكشف لكم أعراض تخفيف متلازمة تكيس المبايض.

أظهرت بعض الدراسات أن شاي النعناع مفيد لمتلازمة تكيس المبايض ، وهي حالة تصيب النساء وتتميز بزيادة مستويات الهرمونات الذكرية. 

ويعود ذلك إلى تأثيراته المضادة للأندروجينات، مما يساعد على خفض مستويات هرمون التستوستيرون للحفاظ على توازن الهرمونات .

أظهرت دراسة نُشرت عام ٢٠١٠ في  مجلة أبحاث العلاج بالنباتات أن شرب شاي النعناع الأخضر يُمكن أن يُخفض مستويات هرمون التستوستيرون بشكل ملحوظ ويُحسّن التقييم الذاتي للشعرانية، أو نمو الشعر غير المنتظم، لدى النساء كما أظهرت دراسة أُجريت على الحيوانات أن تناول النعناع الفلفلي أدى إلى انخفاض هرمون التستوستيرون لدى الفئران مقارنةً بمجموعة ضابطة، مما يُشير إلى أنه قد يكون مفيدًا لمن يُعانين من متلازمة تكيس المبايض.

طباعة شارك تكيس المبايض متلازمة تكيس المبايض أعراض متلازمة تكيس المبايض المبايض النعناع

مقالات مشابهة

  • عشبة رخيصة تقلل أعراض متلازمة تكيس المبايض
  • بحضور الرئيس بول كاغامي.. ماكرون يدشّن نصبا تذكاريا تكريما لضحايا إبادة التوتسي في رواندا
  • «الاغتيالات لن تضعفنا».. رسائل نارية من أبو عبيدة للإحتلال
  • توقف رسائل التفاهم بين أمريكا وإيران
  • المتحدث العسكرى: قوات الدفاع الشعبى والعسكرى تنفذ عدداً من الأنشطة والفعاليات خلال الفترة الماضية …
  • مندوبا عن الملك وولي العهد… العيسوي يعزي الدويري والخصاونة والمقابلة وبوران
  • وجبات خفيفة ومشروبات.. تخصيص المساجد والمدارس القرآنية لمترشحي البكالوريا
  • رهاب العلمانية!
  • إعلام إيراني: لا رسائل بين واشنطن وطهران منذ أيام
  • الصحة ووقاية المجتمع تنتهي من تنفيذ حملة حج صحي وآمن بالتعاون مع الجهات الاتحادية والمحلية