ريادة الفضاء في مسقط
تاريخ النشر: 27th, January 2026 GMT
راشد بن حميد الراشدي
في خطوات مُتسارعة وسنوات بسيطة بدأت الحكاية التي جعلت من سلطنة عُمان بوابة إقليمية في مجال الفضاء، فقد رسخت اليوم حضورها ودخولها في عالم اقتصاد الفضاء من خلال منهج منظم وقواعد مدروسة تربط بين السياسات الوطنية ومتطلبات التحول الرقمي والتنويع الاقتصادي.
وتستضيف السلطنة هذه الأيام مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء 2026، في العاصمة مسقط، بهدف تعزيز مكانة السلطنة كمركز إقليمي للحوار وبناء الشراكات في المجال الفضائي، وذلك بعد سنوات من توظيف تقنيات الفضاء في عددٍ من القطاعات الحيوية مثل الاتصالات والمسوحات الجغرافية.
مشاركة عربية ودولية شهدها انطلاق أعمال مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء؛ حيث بينت الأرقام الإحصائية أن نسبة النمو في قطاع الفضاء حتى نهاية 2025 بلغت 200% وتزايدت الوظائف في هذا المجال إلى ثلاثة أضعاف، فيما تعمل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات على الأسس التشريعية لقانون الفضاء العُماني. كما وقعت في هذا المجال اتفاقيتين ستعززان منظومة الفضاء والارتباط بالشراكات العالمية.
وقد شاركت في المعرض المصاحب للمؤتمر 50 شركة محلية وعالمية قدمت منتجاتها وخبراتها في عالم الفضاء. ويشهد المؤتمر مشاركة واسعة؛ حيث يشارك في أعماله 500 خبير ورئيس تنفيذي في قطاع الفضاء من الوكالات الحكومية وشركات القطاع الخاص من 30 دولة، بالإضافة إلى أكثر من 85 متحدثًا.
ويهدف المؤتمر من خلال هذا الزخم الكبير في عدد المشاركين ومكانتهم الدولية في عالم الفضاء إلى استقطاب الخبراء والمستثمرين لاستكشاف الفرص الاستثمارية الواعدة على المستويين المحلي والإقليمي، وإبراز مكانة سلطنة عُمان كبوابة إقليمية رائدة في مجال خدمات وتطبيقات الفضاء الداعمة للتنويع الاقتصادي، بالإضافة إلى نقل وتوطين المعرفة والتقنيات الفضائية وبناء القدرات الوطنية بما يضمن استدامة نمو القطاع.
إننا نشهد اليوم نقلة نوعية وحراكا في عالم الفضاء والاقتصاديات المرتبطة به في منطقة ناشئة تسعى إلى بناء قدرات بخطى سريعة ومتقنة لتواكب التطورات العالمية المتسارعة في عالم صناعة الفضاء الدولية التي تسعى معظم دول العالم لامتلاكها.
المؤتمر يُسهم في تعزيز برامج صناعة الفضاء في سلطنة عُمان خصوصا ودول الخليج والعالم عموما وسيجعل من سلطنة عُمان وجهة استثمارية، خاصة مع وجود مواقع متعدد في السلطنة مناسبة كمنصات لإطلاق الأقمار الصناعية.
إن عالم الفضاء وعلومه واسع في تقنياته ودراساته والاهتمام به وهو عالم رحب تسعى السلطنة لاستكشافه وتعزيز مجالاته المختلفة التي تنسجم مع رؤية "عُمان 2040" والتي تعنى بجميع المجالات التي تهدف إلى تبوؤ السلطنة مكانة عالمية في مجال الفضاء من خلال مثل هذه المؤتمرات.
اليوم نبارك لسلطنة عُمان نجاح تنظيم مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء 2026 في نسخته الثانية ونبارك لوزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات هذا التنظيم الرائع والحرص على الاختيار والتخطيط السليم للموضوعات المدرجة في جدول أعمال المؤتمر.
حفظ الله عُمان وسلطانها وشعبها وأدام عليهم نعمه، ويسر أعمال المؤتمر في لوحة جميلة رائعة تقدمها عُمان العالم أجمع.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
"الطيبات" في عالم الشرور!
مدرين المكتومية
في خضم ما يعتري عالمنا من تطورات وأحداث، نجد أنفسنا نعيش في منظومة تقيس حياتك بالكم، مقاييس تختلف عن السابق، تقيس طريقتك في العيش، والروتين الذي تتبعه، والأطعمة والمطاعم التي ترتادها، واهتماماتك الشخصية التي قد تعجب فئة معينة وقد لا تعجب آخرين، ولأننا نحيا في عالم كبير وشاسع، فقد أصبح الناس -دون شعور- يتعاملون ويطبقون الكثير من الأنظمة الغذائية التي نجحت مع غيرهم، لكنها ربما تفشل معهم، إذ إن لكل شخص طريقته وطبيعة تفكير وحياة تختلف عن غيره، فما ستنجح فيه فئة، من المحتمل أن تفشل فيه فئة أخرى!
وفي السنوات الأخيرة ارتفعت الأصوات نحو اتباع أنظمة الحمية الغذائية التي شغلت المشهد بصورة كبيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، فبمجرد انتشار نظام جديد يُصبح هو الحديث الأساسي والاهتمام الوحيد، ونبدأ سماع قصص وتجارب الآخرين الناجحة، التي لا تعدو أن تكون "شخصية"، ونضع خطين تحت كلمة شخصية، أي إنها قد تتلاءم مع شخص، وقد لا تناسب طبيعة وتكوين جسم شخص آخر.
ما دعاني لأكتب عن هذا الموضوع هو ما نراه اليوم، وما يمكن أن نطلق عليه الموجات المتلاحقة، فبعد أنظمة غذائية كثيرة، يظهر لنا نظام جديد ليكتسح الساحة يسمى بـ"نظام الطيبات"، الذي أصبح حديث الساعة ونال اهتمام شرائح مختلفة في المجتمعات، خاصة ممن يبحثون عن الرشاقة وتحسين جودة الحياة، إضافة إلى الصحة بطبيعة الحال. ولا يمكن أن نكون سلبيين ونُنكر أن بعض هذه الأنظمة قد تحمل أفكارًا إيجابية تستحق النظر إليها بعين الاعتبار، خصوصًا تلك التي تطلب منا الابتعاد عن الأغذية المصنعة وتقليل الاعتماد عليها لما تحتويه من إضافات كيميائية ومواد حافظة، خاصة أن كثرة التوسع في الطلب على الصناعات الغذائية جعلت هذه المصانع تنتج بصورة كبيرة وباستخدام مواد مختلفة ليتناسب ذلك مع حجم الطلب، وهو ما جعل مثل نظام الطيبات وغيره من الأنظمة الأخرى فرصة لإعادة النظر والتعرف على طريقة هذه الأغذية، وبالتالي خلقت وعيًا بمكونات ما يتناوله الناس، وأشغلتهم بالتفكير في الأطعمة الطبيعية والأقل معالجة وتدخلًا، وهذه النقطة تعد الأهم في كل ذلك، وهي أنها منحتنا التفكير في البحث عن بدائل طبيعية، لأن الأطعمة الصحية تظل أهم سبل الوقاية من الكثير من الأمراض والنكسات.
لكننا أيضًا نعيش تحت وطأة إشكالية صعبة، خاصة وأننا نتخذ من الكثير من هذه الأنظمة نمطًا للحياة، ونسير خلف ما يسمى بـ"الترند"، وهو ليس أمرًا سلبيًا في مجمله، لكنه أيضًا يحتاج إلى فهم علمي؛ فالجسم البشري ليس قالبًا أو شكلًا أو طبيعة واحدة، فكل شخص منا له ما يناسبه، وعليه ترك ما لا يتناسب معه، فالاحتياجات الغذائية لكل شخص تختلف بحسب الحالة الصحية والعمر، وأيضًا بحسب العوامل الوراثية والنشاط البدني الذي يتميز به، وبالتالي فإن تعميم نظام معين على أنه المناسب للجميع يعد تبسيطًا مفرطًا للمسألة. فمثلًا أوضح نظام الطيبات فكرة المواد المُعالَجة في الأطعمة، وأوضح أيضًا فكرة المواد الكيميائية والتصنيع، وهو أمر مقبول ومحمود بالطبع، ولكنه أيضًا جعل الكثير من الأشخاص يركزون على أنواع من السكريات التي يُنظر إليها على أنها طبيعية، ورغم أن ذلك قد يبدو مقبولًا في بعض الأحيان، إلا أن الإفراط في تناول السكر بكثرة يظل مصدر قلق صحي ومثبتًا علميًا بغض النظر عن مصادره الطبيعية، فالصحة تقوم بالدرجة الأولى على الوعي العلمي والتوازن والاعتدال في كل شيء.
لذلك تأتي الأهمية بعدم التسليم والرضوخ لكل ما يتم تداوله بأنه شيء مطلق وحقيقة لا خلاف عليها، فالنتائج الإيجابية التي يحققها شخص قد يرفضها جسم شخص آخر، وبالتالي قد تعود عليه بالسلب، وليس كل ما نراه ونسمع عنه ويظهر لنا عبر شاشات هواتفنا وفي مواقع التواصل الاجتماعي يستند بالضرورة إلى أسس علمية معمول بها، فما علينا العمل به هو أن نطّلع ويكون لدينا قراءة واعية وفهم لطبيعة أجسامنا وما تحتاج إليه قبل أن نخطو أي خطوة قد تغير نمط حياتنا بالفعل، ولكنها قد تسهم في تدهورها على المدى البعيد.
صحيحٌ أن السعي للصحة وامتلاك أجسام مثالية واتباع أنظمة حياتية يعد هدفًا مشروعًا، ولكن الطريق لا يأتي بتقليد الآخرين، أو الانخراط معهم في كل ما هو جديد يكتسح الساحة، فلكل منا خصوصيته الصحية، واتباع الأنظمة التي تتناسب مع طبيعة كل جسم وقدرته على التكيف مع نظام وروتين غذائي بعينه، لذلك تبقى القاعدة الفعلية والأساسية والأهم هي أن كل منا يعلم ويعرف ويمتلك الوعي الكامل بأهمية التوازن في كل شيء، فكما قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).
رابط مختصر