مؤتمر في عُمان يبحث اقتصاد الفضاء العالمي
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
في وقت يشهد فيه قطاع الفضاء تحولات متسارعة على المستويين الإقليمي والدولي، انطلقت في مسقط أعمال النسخة الثانية من مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء، بمشاركة أكثر من 500 خبير ورئيس تنفيذي من 30 دولة، إضافة إلى أكثر من 85 متحدثا، في مؤشر يدل على انتقال الفضاء إلى قلب معادلات الاقتصاد والتنمية والأمن والمعرفة.
المؤتمر الذي يجمع نخبة من صناع القرار ووكالات الفضاء والشركات العالمية، يفتح نقاشا عمليا حول موقع المنطقة في اقتصاد الفضاء العالمي، وحدود التحول من دور المستخدم إلى دور الشريك في الصناعة والابتكار.
وتأتي استضافة سلطنة عُمان لهذا الحدث في توقيت يصفه رئيس البرنامج الوطني للفضاء الدكتور سعود بن حميد الشعيلي بـ"المفصلي"، في ظل صعود اقتصاد الفضاء إقليميا وعالميا، واتساع نطاق تأثيره على الاقتصادات الوطنية وجودة الحياة.
ومن مسقط، تتبلور ملامح رهان عُماني يتجاوز تنظيم مؤتمر دولي، نحو ترسيخ موقع إستراتيجي في خارطة الفضاء الإقليمية، وبناء منظومة فضائية متكاملة تنسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.
ويقول الشعيلي للجزيرة نت إن المؤتمر يأتي في لحظة لم يعد فيها الفضاء "قطاعا علميا نخبويا" فحسب، بل تعداه ليصبح ركيزة اقتصادية وتنموية وأمنية ومعرفية، هذا التحول العالمي، بحسب الشعيلي، يفرض على الدول إعادة تعريف علاقتها بالفضاء، من كونه مجالا استهلاكيا للخدمات، إلى مجال إنتاجي واستثماري وصناعي.
ويضيف أن استضافة سلطنة عُمان لهذا المؤتمر تعكس مكانتها المتنامية بصفتها لاعبا إقليميا طموحا في قطاع الفضاء، وتجسد التزامها ببناء منظومة فضائية متكاملة ترتكز على الابتكار، وبناء القدرات الوطنية، ونقل المعرفة، وتعزيز الشراكات الدولية.
ويأتي هذا النمو المتسارع في قطاع الفضاء بسلطنة عُمان ثمرة لرؤية وطنية واضحة، استندت إلى إطار مؤسسي وتشغيلي متكامل، تجسّد في إطلاق السياسة الوطنية والبرنامج التنفيذي لقطاع الفضاء (2023–2033).
إعلانوتركّز هذه المقاربة على تطوير القدرات الوطنية ودعم البحث العلمي والابتكار وتعزيز ريادة الأعمال عبر شراكات محلية ودولية تسهم في نقل المعرفة وتوطين التقنيات.
وأسهمت المشاريع التطبيقية التي أُطلقت في الفترة الماضية في ترسيخ هذا التوجه، وفي مقدمتها الإطلاق التجريبي الناجح لصاروخ من منصة الإطلاق بولاية الدقم، والذي شكّل محطة مفصلية نقلت الطموحات الفضائية من الإطار التخطيطي إلى حيز التنفيذ العملي.
كما مثّل توقيع اتفاقية تصميم وتصنيع وإطلاق القمر الاصطناعي العُماني لخدمات الاتصالات مع شركة "إيرباص للدفاع والفضاء" خطوة مسرِّعة لنمو القطاع، بما يدعم تمكين المؤسسات المحلية، وتعظيم القيمة المضافة، وبناء قاعدة صناعية فضائية مستدامة.
وفي موازاة ذلك، تعمل السلطنة على استكمال الإطار التشريعي المنظّم لقطاع الفضاء، بما يوفّر بيئة جاذبة للاستثمارات العالمية، ويحفّز نمو الشركات المحلية، ويعزّز تكامل القطاع ضمن منظومة الاقتصاد الوطني، باعتباره أحد القطاعات الواعدة في مسار التنويع الاقتصادي طويل الأمد.
تتجلى خصوصية المؤتمر في نوعية المشاركين، إذ يضم ممثلين عن وكالات فضاء إقليمية ودولية، وشركات عالمية متخصصة في تصنيع الأقمار الصناعية والأنظمة الفضائية، إلى جانب شركات ناشئة تعمل في اقتصاد الفضاء، وجامعات ومراكز أبحاث، ومستثمرين وممولين، وصناع سياسات.
هذا التنوع لا يهدف إلى التمثيل الشكلي، بل إلى جمع مختلف حلقات سلسلة القيمة الفضائية في مكان واحد: من التشريع والتنظيم، إلى التمويل ثم الصناعة والتشغيل، وصولا إلى البحث والتطوير.
ويؤكد الشعيلي أن السلطنة لا ترى في الفضاء مشروعا تقنيا معزولا، وإنما محركا اقتصاديا جديدا، ومنصة لبناء وظائف المستقبل، وتطوير الصناعات المتقدمة، وربط البحث العلمي بالاقتصاد الحقيقي.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما أعلنه وكيل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، الدكتور علي بن عامر الشيذاني، الذي أشار إلى أن استثمارات قطاع الفضاء في عُمان سجلت نموا بنسبة 200% حتى نهاية عام 2025، مع تضاعف عدد الشركات العاملة في القطاع، وثلاثة أضعاف في عدد الوظائف، مما يعكس انتقال القطاع من مرحلة التأسيس إلى مرحلة النمو.
نقل المعرفة وبناء الكوادرأحد المحاور المركزية للمؤتمر يتمثل في نقل المعرفة وبناء الكوادر الوطنية، ويجري العمل على هذا المحور عبر جلسات حوارية متخصصة، ولقاءات مباشرة مع شركات تقنية عالمية، وطرح فرص تدريب وشراكات تشغيلية، تتيح للمختصين والمهندسين العمانيين والعرب بشكل عام الاحتكاك المباشر بخبرات دولية متقدمة.
ويولي المؤتمر اهتماما خاصا بالطلبة والباحثين، من خلال تخصيص جلسات لهم، ودعوة مجموعات طلابية للمشاركة، وربطهم بمشاريع فضائية حقيقية. بهدف الانتقال من نماذج التعلم النظري إلى المشاركة الفعلية في مشاريع واقعية، بما يسهم في إعداد كوادر قادرة على التصميم والتشغيل والإدارة، لا الاكتفاء بدور المتابعة أو الاستهلاك.
وفي هذا الإطار، تعمل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس على تأسيس مختبر هندسة الفضاء، لتطوير وتأهيل قدرات محلية في مجال تصميم وتصنيع وإطلاق الأقمار المكعبية، بما يلبي الاحتياجات الوطنية، ويعزز الربط بين التعليم الأكاديمي ومتطلبات السوق.
إعلانويقوم التحول المنشود على الانتقال من مفهوم "التعليم من أجل الشهادة" إلى "التعليم من أجل الصناعة"، بحيث يرتبط التخرج بتحديات واقعية في السوق، وتُبنى مسارات مهنية واضحة تنقل الطالب من مقاعد الدراسة إلى العمل المباشر في قطاع الفضاء.
وظائف الغد والاقتصاد الجديدلا يكتفي مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء بطرح الرؤى، بل يربطها مباشرة بسوق العمل واقتصاد المستقبل. ويبرز ذلك من خلال المعرض المصاحب للمؤتمر، الذي تشارك فيه قرابة 50 شركة محلية وعالمية، تتيح للمجتمع المحلي الاطلاع على نوعية الوظائف التي يتطلبها قطاع الفضاء عبر مختلف حلقات سلسلة القيمة.
وتشمل هذه الوظائف مجالات هندسة الفضاء والأقمار الصناعية، وتحليل البيانات الفضائية، وتطوير التطبيقات الذكية للصور الفضائية، وإدارة المشاريع الفضائية، والتشريعات والسياسات الفضائية، إضافة إلى الاستثمار وريادة الأعمال في اقتصاد الفضاء. وفي هذا السياق، لا يدور الحديث عن وظائف تقليدية، بل عن اقتصاد جديد قائم على المعرفة والتقنية المتقدمة.
ويحضر البعد العربي بقوة في المؤتمر، من خلال مشاركة قيادات وكالات فضاء عربية، وعلماء وباحثين عرب، وبرامج فضاء وطنية، أما على صعيد التعاون العربي، فيتجه المسار نحو مشاريع فضاء عربية مشتركة، تقوم على تبادل البيانات والخبرات، وإطلاق برامج تدريب وبناء قدرات مشتركة، وتحقيق تكامل في الاستثمارات والبنية الأساسية، بدل العمل في جزر منفصلة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات مؤتمر الشرق الأوسط للفضاء اقتصاد الفضاء قطاع الفضاء
إقرأ أيضاً:
فك لغز إشارات فضائية غامضة حيّرت علماء الفلك سنوات .. ما القصة؟
في تطور علمي مثير، نجح باحثون في فك لغز إشارات فضائية غامضة حيّرت علماء الفلك لسنوات طويلة، بعدما اعتقد البعض أنها قد تكون رسائل صادرة عن حضارات ذكية خارج كوكب الأرض.
الدراسة الجديدة التي نشرتهاجريدة "إندبندنت" البريطانية، كشفت أن مصدر هذه الإشارات يعود إلى ظاهرة فلكية نادرة داخل مجرتنا، وليس إلى كائنات فضائية كما كان يتخيل البعض.
تتمثل هذه الإشارات في ما يُعرف باسم "الظواهر الراديوية العابرة طويلة المدى"، وهي نبضات قوية من الموجات الراديوية والأشعة السينية تظهر بصورة منتظمة على فترات زمنية متباعدة، حيث تتكرر كل نحو 1.4 ساعة، وهو سلوك غير مألوف مقارنة بمعظم الأجسام الكونية المعروفة.
وقد أثارت هذه الإشارات اهتمام العلماء بسبب قوتها وانتظامها والغموض الذي أحاط بمصدرها الحقيقي.
وبعد سنوات من الرصد والتحليل، توصل فريق من الباحثين إلى تفسير محتمل لهذه الظاهرة، يتمثل في وجود نظام نجمي ثنائي يتكون من نجم قزم أبيض ونجم ميت عالي الكثافة يُعرف باسم النجم النيوتروني.
ووفقًا للدراسة، يدور الجرمان حول بعضهما البعض في مدار ضيق، ما يؤدي إلى تفاعل المجالات المغناطيسية بينهما وإطلاق دفعات قوية من الطاقة تظهر على شكل إشارات راديوية يمكن رصدها من الأرض.
ما أهمية إشارات الفضاء؟يعتقد العلماء أن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة لفهم واحدة من أكثر الظواهر الفلكية غرابة خلال السنوات الأخيرة، إذ يوفر تفسيرًا منطقيًا لمصدر الإشارات التي أثارت الكثير من التكهنات والنظريات حول احتمال وجود رسائل قادمة من حضارات فضائية متقدمة.
كما يفتح الباب أمام البحث عن أنظمة مشابهة في مناطق أخرى من مجرة درب التبانة وربما خارجها.
وأكد الباحثون أن النتائج الجديدة لا تنهي الغموض المحيط بالكون فحسب، بل تسهم أيضًا في تطوير فهم العلماء لطبيعة النجوم الميتة والتفاعلات المغناطيسية العنيفة التي يمكن أن تنتج عنها إشارات قوية تُلتقط على بعد آلاف السنين الضوئية.
وبينما ما زال الكون يحتفظ بالكثير من أسراره، فإن هذا الاكتشاف يوضح أن بعض الظواهر التي تبدو للوهلة الأولى رسائل غامضة من الفضاء قد تكون في الحقيقة نتاج عمليات فيزيائية معقدة تحدث بين أجرام سماوية بعيدة للغاية.