من الفعل الطقسي إلى المعنى الوجودي
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
من #الفعل_الطقسي إلى #المعنى_الوجودي
كتبت #شيرين_قسوس
ليست العبادات في أصلها الأول مجرّد أفعال متكرّرة تُؤدّى في أوقات محدّدة، ولا حركات جسدية تُستكمل بشروط شكلية، بل هي قبل ذلك محاولة إنسانية عميقة لربط المحدود بالمطلق، والزائل بالأبدي، والقلق الوجودي بالمعنى. غير أنّ التاريخ الديني، كما التاريخ الإنساني عمومًا، يكشف لنا مفارقة لافتة: فكلّما تقدّمت العبادات في الزمن، تراجعت أحيانًا في المعنى، وتحجّر الجوهر تحت ثقل الطقس.
في أصل العبادة، لا نجد نظامًا صارمًا بقدر ما نجد نداءً داخليًا. العبادة الأولى كانت دهشة أمام الكون، وخشية أمام المجهول، وشعورًا أخلاقيًا بأن للحياة نظامًا أسمى ينبغي احترامه. كانت العبادة، بهذا المعنى، موقفًا وجوديًا قبل أن تكون ممارسة شعائرية. لكن مع تشكّل المؤسسات الدينية، ومع الحاجة إلى الضبط والتقنين، تحوّل هذا النداء الحرّ إلى منظومة طقوس، وصار الخوف من الخطأ الشكلي أحيانًا أقوى من الخوف من الخيانة الأخلاقية.
المشكلة لا تكمن في الطقس ذاته، فالطقس لغة رمزية ضرورية، تُجسّد المعنى وتمنحه قابلية الاستمرار. الإشكال يبدأ حين ينفصل الرمز عن ما يرمز إليه، فيتحوّل إلى غاية مستقلة. عندها، قد نرى إنسانًا يُحسن أداء عبادته بدقة، لكنه يسيء إلى غيره بلا تردّد؛ يلتزم بالشكل، ويهمل العدل؛ يحفظ الطقوس، وينسى الرحمة. هنا تصبح العبادة مفارقة أخلاقية: فعلًا يُفترض أن يُهذّب الإنسان، لكنه يُستخدم أحيانًا لتبرير قسوته أو تفوّقه الوهمي.
إنّ أخطر ما أصاب العبادات عبر التاريخ هو تحويلها إلى هوية صلبة بدل كونها تجربة حيّة. فحين تُختزل العبادة في الانتماء، تُفرغ من بعدها التحويلي. يصبح السؤال: «هل أنت منّا؟» أهم من السؤال: «هل صرتَ أفضل؟». وهنا تفقد العبادة وظيفتها الفلسفية الكبرى: إعادة تشكيل الذات، لا تأكيدها كما هي.
من زاوية فلسفية، يمكن القول إن العبادة الحقيقية لا تُقاس بعدد المرات، بل بعمق الأثر. ليست في كثافة الأداء، بل في نوعية التحوّل الذي تُحدثه في نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الآخرين. العبادة التي لا تزرع في الإنسان تواضعًا، ولا توسّع وعيه، ولا تجعله أكثر حساسية للألم الإنساني، هي عبادة ناقصة، مهما بلغت دقّتها الشكلية.
كما أنّ نقد بعض الطقوس لا يعني بالضرورة رفض المقدّس، بل قد يكون محاولة لإنقاذه من الابتذال. فحين يتحوّل المقدّس إلى عادة، يفقد قدرته على الإيقاظ. وحين يُؤدّى بلا سؤال، يصبح آمنًا أكثر مما ينبغي، بينما العبادة في جوهرها فعل قلق، يهزّ الإنسان، ويضعه أمام مسؤوليته الوجودية والأخلاقية.
العودة إلى أصل العبادات لا تعني هدمها، بل إعادة شحنها بالمعنى. تعني أن نسأل: لماذا نعبد؟ لا فقط كيف نعبد. أن نرى في العبادة طريقًا إلى الإنسان قبل أن تكون طريقًا إلى السماء. فالسماء، في كثير من التصورات الفلسفية والروحية، لا تُنال بالقفز فوق الإنسان، بل بالعبور العميق داخله.
في النهاية، يمكن القول إن العبادة التي لا تُنقذ الإنسان من القسوة، ولا تحرّره من الأنانية، ولا تجعله أكثر صدقًا مع ذاته، هي عبادة لم تكتمل فلسفيًا، حتى وإن اكتملت طقسيًا. والفرق بين العبادة الحيّة والعبادة الميتة، ليس في النصّ، بل في القلب الذي يقرؤه، وفي العقل الذي يفهمه، وفي السلوك الذي يترجمه إلى حياة. مقالات ذات صلة حين تتحول المخدرات إلى كابوس وطني 2026/01/28
المصدر
المصدر: سواليف
إقرأ أيضاً:
«مصر والحروب الصليبية».. إطلالة موسوعية للباحثة لمياء شريف على التاريخ الوسيط
في إطار إثراء المكتبة العربية بالدراسات الأكاديمية الرصينة التي تعيد قراءة الوعي التاريخي والمصدري للمشرق الإسلامي، صدر عن دار «أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع» بالقاهرة، كتاب جديد بعنوان «مصر والحروب الصليبية: دراسة في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي» للباحثة الأكاديمية لمياء شكر محمد شريف، وبتقديم متميز من الأستاذة الدكتورة زاهدة محمد طه المزوري أستاذ التاريخ بجامعة دهوك.
قراءة في منهج «مؤرخ النيل» ابن تغري بردي
تنبع الأهمية الاستثنائية لهذا الكتاب من كونه لا يقف عند حدود الرصد التقليدي للحملات الصليبية، بل يتخذ زاوية تحليلية ومصدرية تقوم على استقراء دور مصر عبر عيون أحد أبرز مؤرخي العصر المملوكي المتأخر، وهو المؤرخ الشهير ابن تغري بردي في موسوعته الخالدة «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة».
يكشف الكتاب بكفاءة منهجية عن كيفية توظيف هذا المؤرخ لمصادره المتنوعة ورؤيته التركيبية التي جمعت بين السرد والتحليل والتفسير لصياغة الوعي التاريخي للدولة في العصر الوسيط.
جاء الكتاب متبوعاً بتمهيد تاريخي وأربعة فصول رئيسة مكثفة وخاتمة، تتناول بالتفصيل دور مصر كقوة سياسية وعسكرية وحضارية مركزية ومحورية شكلت "القلب النابض" وحائط الصد الدفاعي عن العالم الإسلامي بأسره، وذلك عبر الحقب التاريخية المتواصلة للدول الثلاث.
يستعرض الكتاب أوضاع العالم الإسلامي قبيل الحروب، والدوافع الغربية لإطلاق الحملات الصليبية، ويتناول سيرة ابن تغري بردي، معطيات عصره، شيوخه، ومنهجه ودوافع تأليفه لكتاب "النجوم الزاهرة"، كما يناقش موقف مصر من الغزو الصليبي في العصر الفاطمي (حملة بلدوين الأول، وأزمة الوزارة وتداعيات سقوط الدولة).
ويدرس الكتاب دور مصر في مواجهة الصليبيين وتوحيد الجبهة الإسلامية في العصر الأيوبي، بدءاً من معارك الناصر صلاح الدين وحطين، وصولاً للحملتين الخامسة والسابعة وسقوط الدولة الأيوبية، ويبحث جهود السلاطين المماليك (الظاهر بيبرس، المنصور قلاوون، والأشرف خليل) في تقويض الكيانات الصليبية وإنهاء وجودها ببلاد الشام.
التفاتة علمية لـ "حركات القرصنة البحرية"ومما يمنح الكتاب تفرداً بحثياً ملموساً، هو تسليطه الضوء على جانب بالغ الأهمية كثيراً ما يغفل في الكتابات التقليدية؛ وهو دراسة استمرار الخطر الصليبي بعد طردهم من بلاد الشام ولجوء فلولهم المنهزمة إلى جزيرتي قبرص و رودس، حيث تحول نشاطهم إلى أعمال بحرية وعمليات قرصنة هددت الاقتصاد المصري والتجارة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكيف جابهت الأساطيل المصرية في العصر المملوكي تلك التحركات والتصدي لها بحملات السلاطين (مثل برسباي وجقمق).
وتكتسب هذه المرحلة قيمة توثيقية عالية لأن ابن تغري بردي كان شاهداً قريباً على بعض تطوراتها المعاصرة لعصره.