في غزة .. لم يعد الشتاء فصلًا بل حكمًا بالإعدام المؤجّل على الطفولة
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
لم يعد الحطب في غزة مجرّد وسيلة بديلة للتدفئة أو الطهي أو الاستحمام، بل تحوّل إلى خط تماسّ مباشر بين الطفولة والموت.
في شتاءٍ بلا غاز، وبلا كهرباء، وبلا أمان، يخرج الأطفال من خيام النزوح أو من بقايا البيوت المهدّمة، حاملين أكياسًا صغيرة وأيادي فارغة، بحثًا عن قطع خشب، أو بقايا أبواب وأثاث، أو أشجار محترقة، ليشعلوا بها نارًا تُبقي العائلة حيّة، أو هكذا يظنّون.
لكن الاحتلال لا يرى في هؤلاء الأطفال سوى أهداف متحرّكة.
الحطب بدل الغاز قرار اضطراري
مع استمرار الحصار المشدّد ومنع إدخال الوقود وغاز الطهي بالكميات المطلوبة، اضطرت آلاف العائلات النازحة إلى استخدام الحطب مصدرًا وحيدًا للتدفئة وإعداد الطعام.
تقول أم العبد عايش (46 عامًا)، نازحة من شمال غزة إلى أحد مخيمات وسط القطاع: "منذ أشهر لم تدخل سوى أسطوانة غاز واحدة بسعة 6 كيلوغرامات فقط، لم تكفِ عائلتنا المكوّنة من ثمانية أفراد سوى شهر واحد، ثم عدنا للطهي على الحطب.
نغلي الماء على الحطب، ونتدفأ على ما تبقّى من الجمر، لكن أبناءنا هم من يدفعون الثمن."
وتضيف بصوتٍ مبحوح: "أنا لا أرسل ابني لأنني أريد ذلك، بل لأننا إن لم نفعل نموت بردًا أو جوعًا. لا يمكن الاستغناء عن إشعال النار في ظل غياب المال لشرائها من السوق، إذ يبلغ سعر كيلو الحطب نحو 6 شواكل في المتوسط، أي ما يعادل دولارين."
الاستهداف المتكرّر نمط لا صدفة
تتقاطع شهادات النازحين عند حقيقة واحدة: الاستهداف لا يبدو عشوائيًا، بل يتكرّر في أماكن وأوقات معروفة، حيث يخرج
الأطفال في مجموعات صغيرة لجمع الحطب، غالبًا في مناطق مكشوفة. كما تعتمد عائلات كثيرة على جمع الحطب والبلاستيك من البيوت المدمّرة وبيعه، في ظل شحّ المال وسوء الأوضاع الاقتصادية.
يقول أبو خليل زهد (55 عامًا)، نازح من بيت لاهيا: "الأطفال معروفون، يخرجون في أوقات محددة بعد الساعة العاشرة صباحًا، يجمعون قطع الخشب ويحملون الحطب على ظهورهم. الاحتلال يرى ذلك جيدًا، ومع ذلك يطلق النار عليهم ويتركهم للموت، بل يمنع طواقم الدفاع المدني من الوصول إليهم. ورغم دخول الهدنتين الأولى والثانية حيّز التنفيذ، لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يواصل قتل الأطفال بشكل يومي."
بجوار المستشفى حين يصبح الأمان وهمًا
واحدة من أكثر القصص إيلامًا وقسوة وقعت قبل أيام بجوار مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة، حيث استُشهد الطفلان محمد الزوارعة وسليمان الزوارعة إثر استهداف مباشر من طائرة مسيّرة إسرائيلية، أثناء قيامهما بجمع الحطب من محيط المستشفى، بالقرب من منزلهما.
لم يكن الطفلان في منطقة اشتباك، ولم يحملا سوى أكياس صغيرة من الخشب اليابس،
لاستخدامه وقودًا بديلًا في ظل الانعدام الكامل للغاز والكهرباء.
كان الأب يحتضن ابنه ويصرخ: "نادي الدكتور يصحيهم”.
وبحسب شهادات طبية ونازحين، أسفر القصف عن استشهاد الطفلين على الفور..وتضاعفت المأساة حين تبيّن أن محمد هو الابن الوحيد لوالده، وأن سليمان هو ابن شقيقه. وانتشر مقطع فيديو مؤلم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيه والد محمد وهو يحاول إيقاظه قائلًا: "ابني الوحيد لا يمكن يموت ويتركني"، لكن الموت كان الحقيقة الواضحة والثابتة لطفلٍ خرج يبحث عن قبس من دفء.
يقول أحد المسعفين الذين وصلوا إلى المكان: " الإصابات كانت قاتلة، ولم يكن هناك أي احتمال للنجاة ، كان المشهد أقسى من أي إصابة رأيناها."لم يكن المستشفى ملاذًا، بل شاهدًا صامتًا على استهداف الطفولة، وعلى انهيار فكرة أن القرب من منشأة طبية قد يعني حماية.
أطفال بين خيارين: القنص أو الاحتراق
في منطقة اليرموك وسط مدينة غزة، داخل مخيم التعاون، اندلع حريق داخل خيام تؤوي نازحين نتيجة استخدام وسائل بدائية للتدفئة والطهي. التهم الحريق إحدى الخيام خلال دقائق ، و قد أفاد محمود بصل، مدير الدفاع المدني في قطاع غزة، أن طواقمه هرعت إلى المكان فور تلقي البلاغ، وتمكنت من انتشال جثتي امرأة وطفلها الصغير من داخل الخيمة و إنقاذ مواطن آخر أُصيب بحروق، وقدّمت له الإسعافات الأولية.
لم تكن الحادثة الأولى، ولن تكون الأخيرة.
بحسب تقرير وزارة الصحة الفلسطينية فأن عدد الشهداء والجرحى جراء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ، منذ وقف إطلاق النار (11 أكتوبر) بلغ إجمالي 488 شهيد وإجمالي عدد الإصابات 1,350 اصابه جلهم من الأطفال.
الخيام مصائد موت مؤجّلة
يؤكد الدفاع المدني أن حوادث الحرائق داخل خيام النازحين تتكرر بشكل مقلق، نتيجة نقص وسائل السلامة والاعتماد على النار المكشوفة للتدفئة بالاضافة الى استخدام الحطب والبلاستيك والمواد القابلة للاشتعال كما أن الاكتظاظ داخل الخيام المصنوعة من القماش والنايلون، ما يسرّع انتشار النيران .
شتاء يتحوّل إلى سلاح
بين طفل يُستهدف برصاصة أو صاروخ أثناء جمع الحطب، وطفل يحترق داخل خيمة بسبب نار التدفئة، تتجلّى صورة واحدة ان الشتاء في غزة بات سلاحًا إضافيًا..ما زال الاحتلال يمنع دخول الوقود بالشكل الكافي ويستهدف من يبحث عن بدائل،
ويترك الخيام فريسة للبرد والنار معًا.
صمت العالم وعدّاد الموت المفتوح
رغم توثيق عشرات الحالات لاستهداف أطفال أثناء جمع الحطب، لا تزال هذه الجرائم تمرّ دون مساءلة دولية حقيقية.
الأطفال، الذين تكفل القوانين الدولية حمايتهم في أوقات النزاع، يُقتلون لأنهم حاولوا إشعال نار.
تختم أم العبد حديثها بسؤالٍ واحد: "هل أصبح الحطب تهمة؟ ،وهل صار الدفء جريمة تستحق رصاصة؟”
في غزة، لم يعد الشتاء فصلًا... بل حكمًا بالإعدام المؤجّل على الطفولة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی غزة
إقرأ أيضاً:
بصورة من الطفولة.. عمرو محمود ياسين يحيي ذكرى ميلاد والده: "حضوره لا يغيب"
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أحيا السيناريست عمرو محمود ياسين ذكرى ميلاد والده الفنان الكبير الراحل محمود ياسين، التي توافق اليوم، من خلال منشور مؤثر عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، استعاد فيه جانبًا من ذكرياته الإنسانية والعائلية مع والده، مؤكدًا أن حضوره لا يزال حاضرًا في وجدان أسرته ومحبيه رغم رحيله.
ونشر عمرو محمود ياسين صورة قديمة تجمعه بوالده الفنان الراحل خلال سنوات طفولته، وأرفقها بكلمات حملت الكثير من مشاعر الحب والوفاء، حيث كتب: "اليوم يمر عيد ميلاد أبي… محمود ياسين. تمر السنوات لكن حضوره لا يغيب… صوته، ملامحه، قيمته، وحنانه ما زالوا يعيشون فينا كأنهم لم يبتعدوا لحظة".
وأضاف في رسالته المؤثرة: "لم تكن فقط أبًا عظيمًا بل كنت سندًا وقدوة واسمًا كبيرًا حملناه بمحبة وفخر ومسؤولية"، في إشارة إلى المكانة الكبيرة التي كان يحتلها الفنان الراحل داخل أسرته، إلى جانب قيمته الفنية والإنسانية لدى جمهوره وزملائه.
عمرو محمود ياسين
واختتم عمرو محمود ياسين منشوره بالدعاء لوالده الراحل، قائلًا: "في يوم ميلادك لا أملك إلا الدعاء لك… رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته. الفاتحة والدعاء لأبي الحبيب".
وتفاعل عدد كبير من المتابعين والفنانين مع المنشور، حيث حرصوا على إحياء ذكرى الفنان الراحل بكلمات الدعاء والثناء، مؤكدين أن محمود ياسين لا يزال واحدًا من أبرز رموز الفن المصري والعربي الذين تركوا بصمة خالدة في تاريخ الدراما والسينما.
ويأتي هذا الاحتفاء بالتزامن مع استمرار حالة التقدير الجماهيري الكبيرة التي يحظى بها الفنان الراحل، إذ ما زالت أعماله تُعرض وتحظى بمتابعة واسعة، بينما يستعيد محبوه في كل مناسبة ذكراه باعتباره أحد أهم نجوم جيله وأكثرهم تأثيرًا.
ويُعد محمود ياسين من أبرز الفنانين الذين نجحوا في الجمع بين الموهبة والحضور الطاغي والثقافة الواسعة، ما جعله يحتفظ بمكانة خاصة في قلوب الجمهور حتى بعد رحيله، لتبقى ذكراه حاضرة في المناسبات المختلفة، وفي مقدمتها ذكرى ميلاده التي تحل اليوم.
يُعتبر محمود ياسين أحد أهم نجوم الفن المصري والعربي على مدار أكثر من خمسة عقود، حيث قدم عشرات الأعمال السينمائية والمسرحية والتليفزيونية التي حققت نجاحًا كبيرًا ورسخت مكانته كواحد من أبرز نجوم جيله.
وُلد محمود ياسين في مدينة بورسعيد، وبدأ مشواره الفني في ستينيات القرن الماضي بعد تخرجه في كلية الحقوق، قبل أن يتجه إلى عالم التمثيل ويحقق نجاحًا لافتًا في المسرح والسينما. وشارك في عدد كبير من الأعمال التي أصبحت من كلاسيكيات السينما المصرية، من بينها الرصاصة لا تزال في جيبي وأنف وثلاث عيون والخيط الرفيع، إلى جانب العديد من المسلسلات الدرامية الناجحة.
كما عُرف بصوته المميز وثقافته الواسعة وحضوره الراقي، ما جعله يحظى بمكانة خاصة لدى الجمهور والنقاد على حد سواء. ورحل الفنان الكبير في أكتوبر 2020 بعد مسيرة فنية حافلة، تاركًا إرثًا فنيًا وإنسانيًا كبيرًا لا يزال حاضرًا في وجدان محبيه وزملائه وفي ذاكرة الفن العربي.