هل يحمي تيك توك ترامب؟ مغردون يجيبون
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
أثارت التقارير التي كشفت عن ممارسة منصة "تيك توك" لرقابة واسعة على المحتوى السياسي في الولايات المتحدة، تزامنا مع أعطال تقنية غامضة، موجة من الغضب والجدل بين المستخدمين، وسط تساؤلات عما إذا كان الاستحواذ الأمريكي على المنصة قد نقلها إلى عهد جديد من تقييد الحريات.
فلطالما كانت منصة "تيك توك" محل نزاع مرير بين الصين والولايات المتحدة، وهو النزاع الذي انتهى مبدئيا باستحواذ شركات أميركية على الحصة الكبرى من التطبيق.
لكن هذا التحول لم يمر بسلام؛ حيث بدأت تظهر اتهامات من مستخدمين أمريكيين تفيد بممارسة المنصة لرقابة ممنهجة على المقاطع التي تنتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أو وكالة الهجرة، خاصة في ظل الأحداث المشتعلة بولاية مينيسوتا.
وجاءت الأرقام لتعزز هذه المزاعم؛ حيث أبلغ موقع "Downdetector" عن أكثر من 600 ألف بلاغ لأعطال مفاجئة، بينما رصد موقع "Sensor Tower" زيادة في حذف المحتوى بنسبة 130% منذ الاستحواذ الأمريكي.
وفي الوقت الذي يرى فيه المستخدمون أن هذه "فلترة" سياسية، بررت إدارة "تيك توك" في أمريكا الأمر بوقوع انقطاع في التيار الكهربائي بأحد مراكز البيانات، مما أعاق رفع الفيديوهات الجديدة أو الحصول على مشاهدات.
ومع تزايد شعور المستخدمين بالتقييد، بدأت ملامح "هجرة رقمية" تلوح في الأفق؛ حيث صعد نجم تطبيق "أب سكرولد" (UpScrolled) ليصل إلى المرتبة التاسعة في قائمة التطبيقات الأكثر تحميلا في أمريكا، مما يشير إلى أن الجمهور لن يبقى أسيرا لمنصة تمارس الرقابة على آرائه السياسية.
تمثال الحرية في خطررصدت حلقة (2026/1/28) من برنامج "شبكات" تفاعل المنصات مع اتهامات الرقابة الموجهة لتطبيق "تيك توك" في نسخته الأميركية الجديدة وردود المستخدمين حول تقييد المحتوى.
انتقد الناشط شريف ما وصفه بازدواجية المعايير في السياسة الأمريكية اتجاه الحريات، مغردا:
"حرية التعبير لا تُجزأ… على أمريكا أن تحترم تمثال الحرية التي تنصبه مثالا على حرية التعبير وبمثل هذه الممارسات هي لا تختلف عن أي دولة دكتاتورية في العالم"
أما المدون سالم، فقد أبدى إعجابه بالدهاء التجاري للصين في إدارة هذه الأزمة، قائلا:
"الصين أذكياء جدا.. عملوا التطبيق واستفادوا منه وباعوه لأمريكا بمليارات الدولارات والآن بسبب تقييد أمريكا للمحتوى رح تطلع الصين بتطبيق جديد وينعاد نفس السيناريو"
من جانبه، رأى المغرد عصام أن الرقابة الرقمية قدر لا مفر منه في كل دول العالم، وكتب:
"من كان يظن أن تيك توك أو غيره من التطبيقات لديه مساحة حرية فهو واهم.. كل كلامنا محسوب وكل تحركاتنا مراقبة سواء في أمريكا أو غيرها"
أما غيث فقد حذر الحكومة الأميركية من دخول تحدٍّ خاسر مع جيل "تيك توك" النشط، معلقا:
"الرقابة تنجح مع وسائل الإعلام التقليدية وليس مع المنصات مثل تيك توك ومع جيل نشط لأن الشباب بإمكانهم أن يصيبوا الخوارزميات بالشلل وأن يوصلوا التطبيق إلى الأرض والأفضل للحكومة الأمريكية أن لا تدخل هذا التحدي"
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات تیک توک
إقرأ أيضاً:
تحولات الشهرة في العصر الرقمي
د. هبة العطار
مُنذُ أن تحوَّل العالم إلى شاشاتٍ صغيرة نحملها بين أيدينا، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للاتصال أو الترفيه؛ بل أصبحت مساحات لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وأنماط الحضور الاجتماعي، وتغيَّرت معها علاقة الإنسان بالصورة وبنفسه داخل الفضاء العام الرقمي، حتى أصبح الظهور جزءًا من الحياة اليومية لا حدثا استثنائيا مرتبطا بالمشاهير وحدهم.
في ظل هذا التدفق الرقمي المتسارع، لا تكتفي المنصات بنقل المحتوى وحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وتوجيه انتشاره، وتحديد ما يظهر وما يختفي داخل بيئة تعتمد على السرعة والتكثيف، ومع هذا التحول أضحى النظر إليها بوصفها أدوات ترفيه وفضاءات ثقافية تُعيد صياغة الذوق العام وأنماط التأثير داخل المجتمع الحديث.
منصة TikTok الشهيرة تحولت من مجرد مساحة رقمية عابرة إلى ظاهرة إعلامية وثقافية أعادت تعريف مفهوم الشهرة وصناعة المحتوى، ومن هنا بات السؤال الحقيقي كيف أعاد هذا الفضاء الرقمي تشكيل علاقتنا بالشهرة والانتباه والتأثير والهوية الإنسانية ذاتها، بغض النظر عن مدى إيجابيات أو سلبيات هذه المنصة؟!
لقد أحدثت منصة TikTok تحولًا عميقًا في فكرة "النجم" كما عرفته الأجيال السابقة؛ ففي الماضي كانت النجومية تمُر عبر أبواب مغلقة تتحكم فيها المؤسسات الإعلامية وشركات الإنتاج والقنوات التلفزيونية، أما اليوم فقد أصبح الظهور أكثر انفتاحًا؛ حيث يستطيع شاب يُغني من غرفته الصغيرة، أو فتاة تقدم محتوى معرفيًا عبر هاتف بسيط، أن تصل إلى جمهور واسع في غضون ساعات قليلة. وهكذا ظهرت نماذج جديدة من المؤثِّرين وصُنَّاع المحتوى الذين لم تمنحهم المؤسسات التقليدية فرصة حقيقية للظهور، لكن الجمهور والخوارزمية معًا أعادا اكتشافهم، ولم تعد الشهرة مرتبطة فقط بالإمكانات المادية أو النفوذ الإعلامي؛ بل أصبحت مرتبطة بقدرة الشخص على جذب الانتباه وصناعة القرب الإنساني وتقديم محتوى يلامس اهتمامات الناس ومشاعرهم اليومية.
لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يُشبه "حارس بوابة" جديدًا، يُقرِّر من يظهر ومن يختفي، لكنها تختلف عن الحارس التقليدي في أنها لا تسأل عن الشهادات أو المكانة الاجتماعية بقدر ما تسأل عن القدرة على إيقاف الجمهور ولو لثوانٍ قليلة وسط هذا التدفق الهائل للمحتوى.
وقد قدمت المنصة نماذج إيجابية حقيقية تستحق التأمل والدراسة، إذ برز أطباء ومتخصصون نفسيون وصناع معرفة نجحوا في تبسيط المعلومات وتقديم محتوى توعوي سريع يناسب طبيعة العصر الرقمي وإيقاعه المتسارع، كما ظهرت مبادرات إنسانية ومحتويات داعمة للصحة النفسية، وأصبح بعض الشباب يستخدمون المنصة لنشر رسائل اجتماعية وثقافية تعزز قيم التسامح والتطوير الذاتي والتواصل الإنساني.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه النماذج اعتمدت على العفوية والبساطة أكثر من اعتمادها على الإنتاج الضخم أو الإمكانات الاحترافية، وهو ما خلق نوعا جديدا من العلاقة بين الجمهور وصانع المحتوى، علاقة تقوم على الإحساس بالقرب والتشابه والمشاركة اليومية، لا على المسافة التقليدية التي كانت تفصل المشاهير عن الناس.
غير أن الوجه الآخر للمنصة يكشف عن إشكاليات لا يمكن تجاهلها؛ إذ ظهرت أنماط من المحتوى تقوم على الإثارة الرخيصة والاستعراض المُبالَغ فيه والبحث المحموم عن المشاهدات بأي وسيلة مُمكِنة، فبعض الحسابات تبني انتشارها على افتعال الجدل والصراعات الفكرية أو الدينية، أو تغذية التعصب والكراهية، أو تقديم محتوى قائم على الاستفزاز والصدمات السريعة التي تضمن التفاعل ولو على حساب القيم والمعنى.
هنا لا تبدو المشكلة في التكنولوجيا ذاتها؛ بل في طبيعة البيئة الرقمية التي تُكافئ أحيانًا المحتوى الأكثر إثارةً وصخبًا أكثر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا، مما يدفع بعض المستخدمين إلى المبالغة والتطرف من أجل البقاء داخل دائرة الضوء.
وفي هذا السياق، برز ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"؛ بوصفه أحد أهم ملامح البيئة الرقمية المعاصرة، ففي عالم تتزاحم فيه الرسائل والصور والمقاطع بلا توقف، أصبح الانتباه ذاته موردًا بالغ القيمة تتنافس عليه المنصات وصناع المحتوى والمعلنون، وتُبنى عليه معدلات الانتشار والتأثير والعوائد الاقتصادية، ومع الاعتياد على الانتقال المستمر بين الصور والأصوات والمثيرات البصرية في ثوان معدودة، يُثار تساؤل مهم حول قدرة الإنسان المعاصر على الاحتفاظ بالتركيز العميق والتأمل الطويل في عالم يتسارع إيقاعه بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك قد يكون من الخطأ النظر إلى TikTok باعتبارها السبب الوحيد لهذه التحولات، فهي- أي المنصة- لا تخلق الرغبة في الشهرة أو البحث عن الاعتراف من العدم، بقدر ما تمنحها فضاءً أوسع للظهور والتضخم، ومن ثم تبدو المنصة أقرب إلى مرآة رقمية تعكس ما يفضله المجتمع وما يتفاعل معه، بقدر ما تؤثر فيه وتعيد تشكيله، لتصبح مسؤولية المحتوى مسؤولية مشتركة بين الخوارزمية وصانع المحتوى والجمهور على حد سواء.
إنَّ TikTok أكثر من مجرد منصة للترفيه السريع؛ فهي انعكاس واضح لتحولات الإنسان المعاصر وطريقته المستمرة في البحث عن الحضور والتأثير والاعتراف داخل العالم الرقمي، ورغم ما تُتيحه من فرص واسعة للتعبير والظهور، وما تُثيره من تحديات تتعلق بطبيعة الانتباه وقيمة المحتوى في عصر السرعة، تبقى الحقيقة الأهم أن المنصات قد تمنح الضوء والانتشار، لكنها لا تصنع وحدها المعنى؛ فالقيمة الحقيقية ليست في عدد من يشاهدوننا، وإنما في الأثر الذي يبقى بعد أن ينتهي المشهد ويُغلق الجميع شاشاتهم.
رابط مختصر