الدولار يُعيد تصدير أزمته إلى العالم
تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT
كثيرًا ما يُقدَّم تراجع قيمة الدولار الأمريكي بوصفه مؤشرًا على أفول القوة الاقتصادية للولايات المتحدة أو بداية تفكك النظام.. غير أن هذه القراءة، رغم أهميتها، تُغفل البنية العميقة للنظام القائم.
ما نشهده اليوم هو إدارة محسوبة لأزمة ديون أمريكية بنيوية، تُعاد من خلالها توزيع الكلفة على الاقتصاد العالمي، وبشكل خاص على الاقتصادات النامية.
لم يعد الدولار منذ عقود مجرد عملة وطنية، بل تحوّل إلى البنية التحتية الأساسية للنظام المالي الدولي، هذا الموقع منح الولايات المتحدة ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ«الامتياز الباهظ»: القدرة على الاقتراض بعملتها الخاصة، وتمويل عجزها المزمن، ثم تخفيف العبء الحقيقي للديون عبر التضخم أو تراجع القيمة الفعلية للعملة.
الأزمة إذن لا تُحل، بل يُعاد تصديرها عالميًا.
والسؤال هل ضعف الدولار ظاهرة سوقية أم إعادة ضبط استراتيجية؟
يمكن القول أن تراجع الدولار خلال الأعوام الأخيرة يتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتزايد عدم اليقين السياسي، وتغير توقعات السياسة النقدية الأمريكية، إلا أن تفسير هذا التراجع باعتباره مؤشرًا على تراجع الهيمنة الأمريكية يتجاهل حقيقة أساسية: البنية المالية الأمريكية القوية ما زالت قائمة، وإن كانت أقل استقرارًا.
تشير بيانات حديثة إلى أن احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية العالمية تجاوزت 4 تريليونات دولار، متقدمة على نظيرتها من سندات الخزانة الأمريكية التي تُقدَّر بنحو 3.9 تريليونات دولار.. هذا التحول، الذي لم يُسجَّل منذ منتصف التسعينيات، لا يعكس تخليًا عن الدولار، بل تحوطًا متزايدًا من المخاطر المرتبطة به، فالعالم لا يغادر الدولار، لكنه لم يعد مستعدًا للاعتماد عليه منفردًا.
ما يحدث في الحقيقة هو إدارة دين لا يمكن سداده، فقد تجاوز الدين العام الأمريكي 34 تريليون دولار، وهو مستوى يجعل السداد التقليدي أمرًا غير واقعي اقتصاديًا، والاستجابة العملية لم تكن تقشفًا حادًا، بل مزيجًا من تضخم أعلى نسبيًا، ودولار أضعف بشكل منضبط، والإبقاء على الدين اسميًا مع تآكل قيمته الحقيقية، بهذه الآلية، تُخفف الولايات المتحدة ضغط أزمتها الداخلية، بينما يتحمل حائزو الأصول الدولارية حول العالم جزءًا متزايدًا من الكلفة، هذه ليست سياسة استثنائية، بل نتيجة طبيعية لنظام نقدي عالمي قائم على عملة احتياط واحدة.
الأثر الأشد يظهر في الاقتصادات النامية، فوفق تقديرات البنك الدولي، يُتوقَّع أن يتباطأ نمو هذه الاقتصادات إلى نحو 3.8% في عام 2025، مقارنة بـ 4.2% في 2024، في ظل تباطؤ التجارة العالمية وتشدد الأوضاع المالية، وتكمن هشاشة هذه الاقتصادات في انكشافها البنيوي للدولار، فالاقتراض الخارجي مقوّم بالدولار، والواردات الأساسية مسعّرة بالدولار، والاحتياطيات مُكدّسة بالدولار، وأدوات التحوط محدودة أو مكلفة، وبالتالي تتحول أي إعادة ضبط في قيمة الدولار إلى صدمة اقتصادية داخلية مباشرة.
إذن المشكلة ليست في الدولار وحده، بل في كيفية اندماج الاقتصادات النامية في النظام العالمي، نموذج يقوم على الإستيراد بدل الإنتاج، والتدفقات المالية بدل القيمة المضافة، والسيولة الخارجية بدل الصلابة الداخلية.
ضمن هذا الإطار، يصبح الدولار صعودًا أو هبوطًا مصدر اختلال دائم لا أداة استقرار.
عموما يمكن القول أن الدولار لا ينهار لكنه يعيد هندسة أزمته، فالولايات المتحدة تعيد توزيع كلفة اختلالاتها البنيوية عبر النظام النقدي العالمي، وما دامت الاقتصادات النامية، عالقة في نموذج التبعية الدولارية، فإنها ستظل تتحمل نصيبًا غير متكافئ من هذه التعديلات.
لكن الاحتفاء بتراجع الدولار بوصفه إنجازًا هو قراءة مضللة، المسألة الحقيقية ليست سعر العملة، بل غياب استراتيجية إنتاجية تقلل الانكشاف وتحوّل العملة من عبء إلى أداة نمو.
والدولار مستمر.. ليس لأنه بلا عيوب، بل لأنه ما زال يملك قواعد اللعبة.
اقرأ أيضاًصندوق النقد يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العامين الحالي والمقبل
بختام يناير 2026.. الدولار يسجل أدنى مستوى أمام الجنيه المصري منذ أكثر من 20 شهرًا
قبل قرار الفيدرالي اليوم.. كم سعر الفائدة على شهادات ادخار الدولار في أكبر 3 بنوك؟
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: الدولار الأمريكي مقالات الدولار الولايات المتحدة اقتصاد الاقتصاد الأمريكي أحمد أبو صالح الاقتصادات النامیة
إقرأ أيضاً:
أستاذ علوم سياسية: لقاء الرئيس السيسي بقيادات المنظمات اليهودية الأمريكية دبلوماسية رئاسية نشطة في توقيت حساس
أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن اللقاء الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بوفد من قيادات المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى يمثل خطوة مهمة في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، مشيرًا إلى أن هذه المنظمات تضم عشرات الكيانات المؤثرة داخل الولايات المتحدة، وتمتلك قنوات تواصل وتأثير مع دوائر صنع القرار الأمريكي.
وأوضح فهمي، خلال مداخلة تلفزيونية ببرنامج "الساعة 6" المذاع على قناة "الحياة"، أن اللقاء استهدف عرض الرؤية المصرية تجاه عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، والتأكيد على أهمية التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة تستند إلى حل الدولتين، إلى جانب مناقشة قضايا أمن واستقرار منطقة الخليج ومستقبل العلاقات الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن هذه التحركات تعكس نهجًا دبلوماسيًا نشطًا تتبناه الدولة المصرية بقيادة الرئيس السيسي، بهدف توسيع دوائر التواصل مع مختلف مراكز التأثير في الولايات المتحدة، بما يسهم في تعزيز فهم المواقف المصرية تجاه القضايا الإقليمية، ودعم دور القاهرة كفاعل رئيسي في جهود تحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة.
وأضاف أن التواصل مع المؤسسات والمنظمات المؤثرة داخل المجتمع الأمريكي يمثل أحد المسارات المهمة لتعزيز الحضور المصري على الساحة الدولية، وترسيخ مكانة مصر كشريك استراتيجي فاعل في معالجة التحديات الإقليمية والدولية.