صراحة نيوز- كتب: محمود صالح الشياب

إن كنا نريد أن نواكب المستقبل، فيجب أن نعرف التاريخ لفهم نصف الحقيقة، ثم نعود إلى الحاضر لنفهم النصف الآخر إن استطعنا، ومن هناك نبدأ.

في العام 1990، جلسنا في غرفة صغيرة في بيتنا القديم -الذي لم يتبق منه اليوم إلا المكان- متسمرين حول التلفاز في غرفة لا تكاد تتسع للحاضرين، حالنا كحال كل الأسر والعائلات الأردنية بصغيرها وكبيرها، نشاهد نشرة أخبار الثامنة على عمّان، لنتابع ما يصلنا من أخبار عن حرب الخليج.

قارب الوقت منتصف الليل، انتهينا من إلصاق جميع نوافذ المنزل لمنعها من التطاير في حال وقوع أي طارئ، كما انتهينا من خياطة وتجهيز كمامات فحمٍ لتوفير شيء من الحماية أمام الأسلحة الكيماوية، كما قيل لنا في التحذيرات.

كان العالم يتغير من حولنا، نظام دولي جديد يتشكل، بينما نحن جمهور العامّة من الناس في الأردن، والشرق الأوسط، وربما العالم، قليل منا كان قادر على ربط الأحداث وفهم المجريات.

في أوروبا، قبل ذلك بأشهر معدودة، كان جدار برلين ينهار، وينهار معه معسكر شرقي بأكمله.

أكاديمي سياسي أميريكي يدعى فوكوياما أطلق آنذاك دراسة شهيرة قال فيها: التاريخ انتهى، فالليبرالية الديمقراطية الغربية انتصرت، والصراعات بين النماذج الفكرية انتهت، والحروب بين دول العالم المتحضر ولّت، وما سيجمعها هو السوق فقط، بينما سيمتلئ العالم الثالث الفقير بالصراعات الأهلية، وحروب العصابات، وجيوش المرتزقة، والدول الفاشلة.

“جوزيف ناي” أكاديمي سياسي أميريكي آخر أكثر شهرة، بشّر قبل ذلك بنظام عالمي جديد، ترسم ملامحه القوة الناعمة جنباً إلى جنب مع القوة الصلبة.

كل تلك الأفكار بدت وكأنها تتجسد على أرض الواقع، فقد بدأ نظام القطب الواحد بالازدهار، وتراجعت سباقات التسلح، كما توسعت الديمقراطيات الليبرالية في أوروبا الشرقية وفي جمهوريات الإتحاد السوفيتي المتحررة، وبدأ العالم طريقاً جديداً لصنع السلام، وتسارعت العولمة الاقتصادية، وتنامت المؤسسات والمنظمات الدولية، والشركات العابرة للقارات في ظل ثورة الاتصالات، فيما أصبحت الصراعات الأهلية سمة مسيطرة في دول العالم الثالث.

وفي مطلع الألفية الجديدة استفاق العالم على وقع أحداث جاءت لتعبث بالنظام الدولي الجديد، فقد أعادت هجمات 11 سبتمبر 2001 الاعتبار لدور القوة الصلبة في الحرب على الإرهاب، وفي وقت قريب شهد العالم أول استخدام عملي لطائرة مسيّرة في عمليات قتالية مباشرة في أفغانستان، سلاح جديد سيغير وجه الحروب بعد الآن.

لاحقاً، تراجع فوكوياما عن أفكاره، ودخلت العالم الأزمة المالية العالمية العام 2008 لتقوض الثقة بالنموذج الليبرالي الاقتصادي.
في حين أكدت العقود اللاحقة أن التاريخ عاد بحاضر أكثر تعقيدًا، تتقاطع فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد، والسياسة مع التكنولوجيا، وتصبح الأسواق وسلاسل الإمداد جزءًا أصيلًا من معادلات النفوذ والسيطرة.

في الحرب الروسية–الأوكرانية، برزت هذه الحقيقة بوضوح، فالمعركة لم تكن على الأرض وحدها، بل على إمدادات الطاقة، والغذاء.
في جنوب آسيا، حبس العالم أنفاسه على وقع صراع بين القوى النووية في الهند والباكستان.

وفي شرق آسيا، أكد التوتر حول تايوان أن التكنولوجيا المتقدمة، ولا سيما أشباه الموصلات، في قلب الصراع الدولي، قبل أن تستعيد القوة العسكرية في فنزويلا قدرتها على إحداث الصدمة بذاكرة الحرب الباردة .

العالم تغيّر بالتأكيد… ففي الشرق الأوسط بلغ العنف ذروته مع حرب غزة، وخسرت مؤسسات العدل والقضاء الدولية بريقها الذي اكتسبته في عقود سابقة، كما بلغت الحروب الذكية حدود الخيال مع تقنيات التجسس وقدرات الوصول والاغتيال، وباتت طرق الشحن والتجارة الدولية، وأسوق النفط والطاقة، تُدار بمنطق “إدارة التصعيد” الذي قد ينفلت بأي لحظة، في ظل صراعات مركّبة تمتد من غزة إلى لبنان، ومن إيران إلى اليمن، في مواجهات مباشرة، وحروب وكالة، وضغوطات، ونوايا ومخططات تشتعل كالجمر تحت الرماد.

في عالم اليوم، ينتهي التاريخ مرة أخرى، في نظام عالمي جديد تتعدد فيه الأقطاب، وتعود معه سباقات التسلح لتبلغ ذروتها، حتى في دول أوروبا القديمة التي تخلت عن جيوشها في فترات سابقة، وعادت اليوم لتدشن المستقبل بصناعات دفاعية تتجاوز كل الموازنات.

واقع معقد، ومستقبل نفهمه من دروس التاريخ، لنخوض غمار نظام إقليمي ودولي جديد، بسياسة حصيفة، ومجتمع متماسك، وجيش قوي يمتلك الأدوات القادرة على درء المخاطر ومجاراة الذكاء بالذكاء، والقوة بالقوة، والتهديدات باليقظة والفطنة وحسن الاستعداد.

هذا هو السر القديم الجديد حول قدرة الأردن على الثبات، والقدرة على قراءة التاريخ وإعداد العدة للمستقبل الآمن للأردنيين -بإذن الله- بجيش قوي، ونسيج مجتمعي ووطني يلتف حول قيادة هاشمية حكيمة، قادرة على تفكيك الخطوط وفهم الحقائق والحفاظ على الوطن.
هكذا مضى الأردن سابقاً، وهكذا سيمضي بثقة ليواكب التحوّلات بحكمة قيادته الهاشمية، وقوة جيشه العربي وقدرته على صناعة التغيير، في سبيل الدفاع عن الأمن والازدهار وصون الأرض والإنسان.

اما نحن سنبقى متسمّرين حول الشاشات بحثاً عن الإجابات؛ هل سيشهد العالم والإقليم مزيداً من التغيّرات؟ وإن كان ذلك هو الأقرب للحدوث حولنا، فكيف؟ ومتى؟ ومن سيكتب التاريخ؟

المصدر

المصدر: صراحة نيوز

كلمات دلالية: اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي منوعات الشباب والرياضة تعليم و جامعات في الصميم ثقافة وفنون نواب واعيان علوم و تكنولوجيا اخبار الاردن الوفيات أقلام مال وأعمال عربي ودولي نواب واعيان تعليم و جامعات منوعات الشباب والرياضة توظيف وفرص عمل ثقافة وفنون علوم و تكنولوجيا زين الأردن أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام أقلام

إقرأ أيضاً:

باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني

قالت جينجر تشابمان، الباحثة في العلاقات الدولية، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد للحرب مع إيران أن تنتهي، فكلما طال أمد هذه الحرب، ألحق ذلك ضررًا كبيرًا ليس بالرئيس ترامب فحسب، بل بالعالم أجمع.

وأضافت خلال مداخلة في برنامج "منتصف النهار"، المذاع على قناة "القاهرة الإخبارية"، وتقدمه الإعلامية نهى درويش، أنه مع ذلك، فإن الرئيس ترامب أصبح في محاصر في الزاوية؛ إذ لا يستطيع إنهاء هذه الحرب بسهولة، خصوصًا أن الجانب الإيراني ربط إنهاءها بوقف إطلاق النار في لبنان، كما أن الرئيس ترامب مضطر الآن إلى التعامل بشكل مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يُعد أحد العناصر المشاكل الرئيسية في مسار هذه الحرب.

أوضحت أن ترامب مطالب في الوقت الراهن باحتواء نتنياهو بطريقة ما، وليس من الواضح ما إذا كان يمتلك القدرة على القيام بذلك، وقد أدى هذا الأمر إلى توتر في العلاقة بين نتنياهو وترامب، كما ظهر في منشورات الرئيس ترامب على منصة "تروث سوشيال"، وكذلك في التقارير والتسريبات التي نشرتها وسائل إعلام مختلفة، ومنها موقع أكسيوس.

ولفت إلى أنه في الوقت ذاته، يحتاج الرئيس ترامب بشكل ملح إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وقد أصبح واضحًا للجميع أن المضيق يمثل ورقة ضغط بالغة الأهمية بالنسبة إلى إيران، بل ربما تفوق أهميته في هذه المرحلة ملفها النووي.

وأكدت أن طهران تحقق مكاسب على صعيد الملف النووي، مستفيدة من حالة الغموض التي تميز تصريحاتها ومواقفها الرسمية، لذلك فإن المشهد الحالي يتغير بوتيرة سريعة جدًا، وقد رأينا خلال التطورات الأخيرة تحولات أثرت بشكل ملحوظ في ميزان القوة لمصلحة الجانب الإيراني.
 

مقالات مشابهة

  • نشأت الديهي: الدولة المصرية قوية والقانون سيواجه كل من يتطاول على مؤسساتها
  • المونديال الأكبر في التاريخ.. مشاركة 1248 لاعباً من 449 فريقاً
  • باحثة دولية: التطورات الأخيرة غيرت ميزان القوة لصالح الجانب الإيراني
  • القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق
  • المتحدث العسكرى: قوات الدفاع الشعبى والعسكرى تنفذ عدداً من الأنشطة والفعاليات خلال الفترة الماضية …
  • "الموجة الزرقاء" تكتب التاريخ.. كيف أصبحت كوراساو أصغر دولة تبلغ كأس العالم؟
  • فيفا: أسطورة مصر يقود الفراعنة نحو حلم المونديال وإنجاز التاريخ
  • مندوبا عن الملك وولي العهد… العيسوي يعزي الدويري والخصاونة والمقابلة وبوران
  • جلسة لمجلس الوزراء في هذا التاريخ
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح