الموقع بوست:
2026-06-03@08:25:28 GMT

عن غباء النخب السياسية الحاكمة الذي أضاع البلاد

تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT

عن غباء النخب السياسية الحاكمة الذي أضاع البلاد

في الحالة اليمنية، لا يتجلى الغباء السياسي في قرارات خاطئة بقدر ما يظهر في القرارات التي لم تُتخذ رغم وضوح ضرورتها. المعرفة كانت متاحة، والوقائع لم تكن غامضة، لكن القرار ظل مؤجّلًا لأن اتخاذه كان سيكلف المنظومة الهشة والمتهالكة أكثر مما تحتمل.

في سلوك النخب اليمنية يتم تعليق المنطق والصراحة والشجاعة والمسئولية حين يصبح استدعائها مزعجا ويهدد المصالح الفردية لتلك النخب التي اعتادت سلوك البحث عن مكاسبها على حساب الصالح العام للبلاد.

 

قبل الانقلاب الحوثي عام 2014، لم تكن الدولة اليمنية تفتقر إلى التحذيرات أو المؤشرات. التمدد الحوثي كان مرئيًا، واختراق المؤسسات كان مكشوفًا، واستخدام السياسة غطاءً للتوسع العسكري كان واضحًا لمن أراد أن يرى. ومع ذلك، استمر التعامل معه كمسألة قابلة للاحتواء، واداة لايذاء الخصوم. لم يكن هذا سوء تقدير، بل اختيارًا نفسيًا وسياسيًا للإنكار المريح. القرار الصعب كان حاضرًا، لكن تجاهله كان أقل تكلفة على النخبة.

 

بعد 2015، انتقلت الشرعية إلى نمط أكثر وضوحًا من الغباء السياسي: القبول بدور الواجهة. المؤسسات استمرت شكليًا، بينما انتقلت القدرة الفعلية على القرار إلى خارجها. هذا الوضع لم يُخفَ، ولم يُعامل كحالة مؤقتة، بل جرى التطبيع معه بوصفه ترتيبًا عمليًا لتجنب الصدام داخل المعسكر نفسه. الدولة لم تُهزم فقط، بل تعلّمت التعايش مع ضعفها.

 

في هذا السياق، لم يكن صعود المجلس الانتقالي الجنوبي مفاجئًا ولا ملتبسًا. خطابه الانفصالي كان معلنًا، وبناؤه الأمني والعسكري كان مستقلًا، ودعمه الخارجي لم يكن سرًا. ومع ذلك، تعاملت الشرعية معه كملف تفاوضي، لا كخلل بنيوي في فكرة الدولة. الغباء هنا لم يكن في عدم فهم الخطر، بل في اختزال الخطر إلى مشكلة إدارة مؤقتة، يمكن تأجيلها دون كلفة فورية.

 

الأمر نفسه ينطبق على الهيمنة الإماراتية على الفعل الأمني والعسكري في مناطق الشرعية. السماح ببناء منظومات أمنية وعسكرية خارج وزارتي الدفاع والداخلية لم يكن نتيجة عجز فقط، بل نتيجة تفويض واعٍ للسيادة مقابل دعم مرحلي. حين تُسلَّم أدوات العنف خارج الدولة، ثم يُبرَّر ذلك باعتبارات الضرورة، يكون الغباء قد انتقل من مستوى القرار إلى مستوى الفكرة نفسها.

 

الأخطر من السماح بنشوء هذه الكيانات كان شرعنتها لاحقًا. إدماجها الاسمي دون تفكيك بنيتها، والقبول بولائها المزدوج، حوّل الاستثناء إلى قاعدة. هنا لم تعد الدولة تسعى لاستعادة احتكارها للعنف، بل بدأت تُقنّن فقدانه. هذا ليس خطأ إدارة، بل تخلٍّ جبان عن معنى الدولة.

 

الدور الدولي، عبر اللجنة الرباعية، لم يخرج عن المنطق نفسه. التركيز انصبّ على إدارة التوازنات ومنع الانهيار الكامل، لا على معالجة الجذور. لم تُفرض وحدة القرار الأمني كشرط، ولم يُنظر إلى الكيانات المسلحة الموازية كتشوه بنيوي. جرى تثبيت الواقع بدل تصحيحه، لأن التصحيح كان سيُربك الجميع. وهكذا أصبح الغباء السياسي تفاهمًا غير مكتوب بين أطراف محلية ودولية.

 

في اليمن، لا يُنتج الغباء السياسي عن نقص في الذكاء، بل عن خوف جماعي من تبعات العقل. التفكير الجاد يقود إلى مواجهة، والمواجهة تهدد التوازنات، والتوازنات الهشة هي ما تبقّى للسلطة. لذلك يُفضَّل الخطأ القابل للإدارة على الصواب الذي يفتح أبوابًا لا أحد يريد فتحها.

 

بهذا المعنى، الغباء السياسي في اليمن ليس حادثًا ولا انحرافًا، بل سلوكًا مستقرًا داخل منظومة تعلّمت كيف تبقى دون أن تحكم، وكيف تُدير الانهيار بدل أن تمنعه.


المصدر

المصدر: الموقع بوست

كلمات دلالية: المجلس الانتقالي مجلس القيادة الرئاسي الحكومة اليمنية السعودية الإمارات لم یکن

إقرأ أيضاً:

التطورات السياسية والعسكرية في إسرائيل تشهد حالة من التباين

قالت دانا أبو شمسية، مراسلة القاهرة الإخبارية من القدس المحتلة، إن التطورات السياسية والعسكرية في إسرائيل تشهد حالة من التباين بين التصريحات المتشددة لبعض الوزراء وبين المسار الميداني الذي يشير إلى استمرار العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني، رغم الجدل الداخلي حول جدوى التصعيد.

طائرات مسيرة تحلق فوق لبنان للبحث عن بنك أهداف جديد أستاذة علوم سياسية: ترامب "ابتلع الحقيقة" أمام قوة إيران والتهدئة في لبنان "تضليل" تفعيل صفارات الإنذار في مستوطنات الشمال

وأضافت أبو شمسية أن المتحدث باسم جيش الاحتلال أعلن تفعيل صفارات الإنذار في مستوطنات الشمال، عقب استهداف تجمعات لجنود داخل العمق اللبناني، في وقت تؤكد فيه القيادة العسكرية استمرار العملية البرية الموسعة رغم الانتقادات السياسية والشعبية المتصاعدة داخل إسرائيل.

قرار استهداف بيروت دون تنسيق مسبق

وأوضحت مراسلة القاهرة الإخبارية أن وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت عن توتر في الاتصال بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على خلفية قرار استهداف بيروت دون تنسيق مسبق، بينما يواجه نتنياهو ضغوطًا سياسية داخلية متزايدة بعد تصويت الكنيست لصالح حل نفسه وتقديم موعد الانتخابات، ما يهدد استمراره في السلطة.

تحركات جوية إسرائيلية لافتة فوق لبنان.. طائرات مسيرة تبحث عن بنك أهداف جديد

على صعيد متصل، قال أحمد سنجاب، مراسل القاهرة الإخبارية من بيروت، إن الطيران المسيّر الإسرائيلي يواصل التحليق المكثف وعلى ارتفاعات منخفضة في أجواء العاصمة اللبنانية بيروت والضاحية الجنوبية، في خطوة يراها الجانب اللبناني انتهاكًا للتفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار الجزئي المعلن مؤخرًا.

وأضاف سنجاب أن الغارات الإسرائيلية استمرت خلال الساعات الماضية مستهدفة مناطق عدة في الجنوب اللبناني، بينها حبوش ودير الزهراني في قضاء النبطية، ما أسفر عن إصابة عسكريين اثنين، إلى جانب غارات أخرى طالت مناطق في أقضية صيدا وصور والنبطية.

وأوضح مراسل القاهرة الإخبارية أن الجيش الإسرائيلي يواصل محاولات توسيع عملياته البرية في الجنوب، مشيرًا إلى تنفيذ عمليات تفجير وتمهيد في بلدة دبين. كما أعلن حزب الله إحباط محاولة جديدة للتوغل باتجاه بلدة حداثا شمال شرق بنت جبيل، مؤكدًا أنها المحاولة الثامنة التي يفشل فيها الجيش الإسرائيلي في الوصول إلى البلدة.

مقالات مشابهة

  • باحث سياسي: الإدارة الأمريكية تواجه تحديات كبيرة في تقييم طبيعة القرار السياسي داخل إيران
  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • صلاح الدالي: لا أحب الغباء والإصرار على الخطأ يفسد أي علاقة
  • أضاع فرصة ذهبية لإخضاع حزب الله.. انتقادات إسرائيلية لنتنياهو بعد فشل خطة لبنان
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • خلفًا لتولسي غابارد..ترامب يكلّف بيل بولتي بقيادة الاستخبارات الوطنية مؤقتًا
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • الذهب يواصل الصعود عالمياً وسط ترقب التطورات السياسية
  • التطورات السياسية والعسكرية في إسرائيل تشهد حالة من التباين
  • الأمين: اتساع أدوار المركزي مؤشر على ضعف مؤسسات الدولة