لم يعد معبر رفح مجرد نقطة عبور حدودية بين قطاع غزة والعالم الخارجي، ولا ساحة لإجراءات أمنية أو تنسيق إنساني كما تُسوّق الرواية الإسرائيلية والغربية.


ما يجري عند رفح اليوم هو حلقة مركزية في مشروع أيديولوجي أوسع، يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية تحت مسميات “الهجرة الطوعية” و”الخروج الآمن” و”الإغاثة الإنسانية”.


هندسة التهجير!

تحول معبر رفح من معبر إنساني إلى أداة تفريغ ديمغرافي.. فمنذ الإعلان عن فتح المعبر، فرضت إسرائيل حزمة عراقيل متراكبة:

• إنشاء مخيمات مؤقتة قرب المعبر للراغبين في “الخروج بلا عودة”.

• زيادة عدد الخارجين مقابل تقليص أعداد الداخلين.


• تعطيل ومنع دخول المساعدات الإنسانية.


• فرض طبقات متعددة من التدقيق الأمني .

• تحويل العبور إلى عملية استنزاف نفسي وزمني تدفع المدني إلى خيار واحد.. الرحيل وبلا عودة.

هذه الإجراءات لا يمكن فهمها بمعزل عن العقيدة السياسية لليمين الإسرائيلي المتطرف، التي ترى في غزة “عبئًا جغرافيًا” يجب تفكيكه، لا منطقة يجب إدارتها.
….

النبوءة السياسية!

على عكس الخطاب الرسمي الإسرائيلي الذي يتحدث عن “أمن” و”ردع” و”قانون دولي”، يتبنى اليمين المتطرف — ممثلًا في شخصيات مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير — لاهوتًا سياسيًا لا يفصل بين الدين والجغرافيا.


هذا التيار لا يرى فلسطين كأرض نزاع، بل أرض موعودة، ولا يعترف بالحدود الدولية.. لكنه يؤمن ب “الخطة الإلهية”… التي تقود لتأسيس "دولة إسرائيل الكبرى".. من النيل للفرات.

في التلمود، وفي شروح لاحقة للفكر الصهيوني الديني، تظهر هذه الأفكار بوضوح:

“أرض إسرائيل الكاملة”.

“تطهير الأرض من الغرباء”.

“التيه كأداة لإعادة الترتيب”.

وهنا لا يُفهم “التيه” كعقوبة، بل كوسيلة تاريخية لإعادة إنتاج الجغرافيا بما يخدم “الشعب المختار المزعوم".

كيف تُنفذ النبوءة؟

عندما تحدث سموتريتش عن فتح معبر رفح “بموافقة مصر أو بدونها”، فهو لم يطلق تصريحًا انفعاليًا… لكنه افصح عن رؤية عقائدية دينية متطرف تعتبر "غزة عقدة يجب حلّها… ومصر عائق استراتيجي يجب تجاوزه".

ووفق الفكر الصهيوني المتطرف فإن معبر رفح هو البوابة الأضعف لتنفيذ التهجير دون حرب إقليمية… وبلا الدخول في مواجهة مباشرة مع مصر.

اليمين المتطرف يدرك جيدا أن "اجتياح سيناء مستحيل.. والصدام المباشر مع مصر مكلف للغاية".

فكان البديل الوحيد هو التهجير البطيء عبر معبر رفح باعتبار ذلك أقل تكلفة وأكثر “قابلية للتسويق”.

الثالوث الإسرائيلي!

داخل إسرائيل اليوم، ثلاث دول لدى كل منها رؤية مختلفة بشأن غزة:

1. إسرائيل الأمنية: الجيش والشاباك، تخشى الغرق في احتلال طويل واستنزاف بلا أفق.


2. إسرائيل الدينية التكتونية: اليمين العقائدي، يرى الحرب فرصة تاريخية لتنفيذ النبوءة.


3. إسرائيل البراغماتية: نتنياهو، الذي يسمح للمتطرفين باختبار الحدود دون تحمل التكلفة الكاملة.

ومعبر رفح هو نقطة التقاء هذه الصراعات… وميدان اختبار حقيقي.
….

مصر.. الجدار الأخير

في قلب هذا المشهد، تقف مصر، صامدة وتمثل العائق الأكبر أمام تنفيذ " المخطط المتطرف".

القاهرة لا تتعامل مع غزة كملف إنساني فقط، بل كملف أمن قومي.. وسيناريو التهجير إلى سيناء ليس “خيارًا مطروحًا”، بل خط أحمر وجودي.

ولهذا يهاجم اليمين المتطرف مصر… ولهذا تعمل ماكينة الدعايا الصهيونية على تشويه كل إنجاز مصري.. ولهذا تطلق إسرائيل وكلائها وأذنابها لمهاجمة القيادة السياسية المصرية.. ولهذا تحاول تل أبيب وحلفائها نشر الشائعات والأكاذيب التي تستهدف الاستقرار الاجتماعي داخل أرض الكنانة.
..

رفح لم يعد معبرًا

معبر رفح اليوم.. ليس بوابة نجاة… وليس ممرًا إنسانيًا… وما يحدث حاليا ليس إجراءً مؤقتًا.

معبر رفح أصبح أداة تنفيذ في مشروع “إسرائيل الكبرى”… ومن ينجح في تفريغ غزة…
يقترب خطوة إضافية من إعادة رسم الخريطة الصهيونية المرجوّة.

و التهجير هنا ليس قسرًا بالدبابات… بل اختيارًا بالإرهاق… وهذا أخطر أشكال الاقتلاع.. لكن أرض الكنانة كانت ومازلت لهمّ بالمرصاد.. حفظ الله مصر أرضا وشعبا وجيشا.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: معبر رفح هندسة التهجير معبر رفح

إقرأ أيضاً:

توجيه وزاري مفاجئ بشأن خطبة الجمعة في السودان

متابعات تاق برس – أصدر وزير الشؤون الدينية والأوقاف، بشير هارون عبد الكريم، توجيهاً إلى أئمة المساجد وخطباء الجمعة في أنحاء السودان، يقضي بتوحيد موضوع خطبة الجمعة المقبلة.

ووفقاً للتوجيه، تُخصص الخطبة الأولى للحديث عن أهمية السلم المجتمعي، ونبذ التمييز وخطاب الكراهية والعنصرية والجهوية والمناطقية والحزبية، إلى جانب التحذير من المخدرات وبيان آثارها الصحية والاجتماعية والأخلاقية.

كما نص التوجيه على تخصيص الخطبة الثانية للحديث عن مناقب ومآثر أمير دولة قطر الراحل، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واستعراض جهوده في نهضة وتنمية دولة قطر، إلى جانب إبراز العلاقات التاريخية بين السودان وقطر، وإسهاماته في دعم السلام والاستقرار بالسودان، خاصة في مجالات التنمية والإعمار، والتعليم، والصحة، وبناء المساجد والخلاوي.

خطبة الجمعةوزارة الأوقاف

مقالات مشابهة

  • نوح غالي: الأزمات فرصة مصر الكبرى لبناء اقتصاد مرن ومستدام
  • بعد استهداف معبر الشلامجة.. هل دخلت الحدود العراقية في الصراع الأمريكي الإيراني؟
  • توجيه وزاري مفاجئ بشأن خطبة الجمعة في السودان
  • دراسة تكشف وجود علاقة بين ضوضاء الطرق والإصابة بـالباركنسون
  • الجيش الكويتي: هجوم بطائرات مسيّرة على معبر حدودي مع العراق
  • لماذا ترى إسرائيل الاتفاق النووي السعودي الأمريكي خطرا استراتيجيا؟
  • كيف غيرت ثورة 23 يوليو وجه مصر: من القصر إلى الجمهورية؟
  • انطلاق الحملة التوعوية والإرشادية الكبرى لرفع مستوى الوعي المروري بالبحر الأحمر
  • دوران: غزة أوضح مثال على التهجير القسري
  • مصطلح رعاية الإرهاب.. عصا الدول الكبرى وجزرتها