موقع النيلين:
2026-06-02@22:09:40 GMT

المقال الأخير … السودان شجرة “البامبو”

تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT

يشبّه الصينيون شجرة “البامبو” بالصبر، ويقولون إنها تُعلّم الإنسان كيف ينتظر. تُزرع بذرتها في الأرض، ويعتني بها المزارع يومًا بعد يوم، يسقيها ويمنحها السماد، خمس سنوات كاملة دون أن يرى منها سوى التربة الصامتة.

لكن في العام الخامس، يحدث ما يشبه “الانفجار الأخضر”؛ تنبت فجأة، تخترق الأرض نحو السماء بسرعة مذهلة، لتصل إلى ارتفاع شاهق خلال أسابيع معدودة.

لم تكن تلك السنوات الخمس ضياعًا، بل كانت بناءً للجذور، وجهادًا صامتًا تحت الركام، استعدادًا لانطلاقة عظيمة.

وهكذا هو السودان اليوم، شجرة “البامبو” في هيئة وطن، سنوات الحرب القاسية مرت كأعوام الصبر العجاف. ظن البعض أن الأرض قد خلت، وأن البذرة ماتت. تهدمت المدن، وتوقفت المصانع، وتشرد الناس، وكأن الوطن في انحنائه أمام العاصفة لم يكن إلا استجماعاً للقوى، لا استسلاماً للريح.

لكن ما لم يره العالم، أنّ جذور السودان كانت تعمل بصمت وإصرار. في عمق الأرض، امتدت جذور الإرادة والانتماء. في القرى والمنافي، في المعسكرات والمدارس، في لجان الإغاثة والمبادرات الشعبية، وفي صمود الجيش، والشرطة، والمخابرات، كانت جذور السودان تنمو بخفاء. لقد أثبتت هذه المؤسسات أنها حقاً “شريكُ الاستقرار.. وضمانُ الاستمرار”، تتحدى الرياح وتعد الوطن ليوم النهوض الأكبر.

كل هذا كان إعدادًا لانطلاقة حقيقية؛ فكما لا يمكن للبامبو أن يعلو إلا بعد تثبيت جذوره، لا يمكن للسودان أن يُعاد بناؤه إلا بعد ترسيخ وحدته، واستعادة ثقته بنفسه، وإيمان مواطنيه بأن الإعمار يبدأ من بناء الإنسان قبل تشييد البنيان.

اليوم، ونحن نطل على فجر ما بعد الحرب، يقف السودان -مثل البامبو- على أعتاب انطلاقة شاهقة. سيخرج من تحت الركام، لأن جذوره أعمق من الدمار، وأقوى من كل ميليشيا، وأصدق من كل ادعاء. لقد أنبتت هذه الأرض رجالاً ونساءً يتقنون فن البقاء، ويجيدون صياغة الحياة من قلب الألم.

على مدى أكثر من ألف يوم، كنت شاهدًا على وطن يصارع الفوضى، أكتب بصوتٍ صادق عما رأته عيناي وعقلي. رافقت صمود القوات المسلحة في ذودها عن الحياض، وجهود الشرطة في حفظ الأمن، ومهام المخابرات في حماية الاستقرار، وتضحيات المجتمع المدني في تضميد الجراح. كنت خلالها محللاً وراويًا، وصوتًا للأمل والتفاؤل دون زيف، أرسم صورة وطن لا يعرف الانكسار، قلبه ينبض بالحياة رغم العواصف.

واليوم، بعد هذه الرحلة الطويلة، حان وقت “استراحة المحارب”؛ يلمم أطرافه عائدًا إلى حضن الوطن، ليبدأ هناك مرحلة جديدة من البناء والعطاء، بذات الصبر والثبات الذي علّمته إياه شجرة البامبو. أعود والوطن هو الوظيفة والمبتدأ؛ لا أبحث عن مقعد قديم أو منصب منتظر، بل عن ساحة للعطاء تليق بمواطن آمن بأن الرزق على الخالق، وأن العمل من أجل الخلق هو أسمى الغايات. همي الوحيد هو السودان، وعائلتي، وكل ما أستطيع تقديمه لوطني وأحبائي.

أختم اليوم هذه الرحلة الفكرية والمهنية، وأنا ممتن لكل قلب صادق تابع، وكل عقل اهتم. كنتم رفاق المشوار، وملهمي للاستمرار. على أمل أن نلتقي قريبًا في رحاب الوطن، حيث تبدأ قصة البناء الحقيقي، وتزدهر جذور السودان في سماء الحرية والأمل.

رسالتي الأخيرة: الأمل موجود، التفاؤل استحقاق، والوطن يستحق كل قطرة عرق وجهد.

وأختم قولي بالصلاة معظمًا: يا ربنا صلِّ وبارك وسلِّمْ على المصطفى والآلِ والصحبِ دائمًا، صلاةً تفوق المسك عطرًا مفوحًا، يطيب بها كل الوجود ويتلألأ.

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/29 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة إسحق أحمد فضل الله يكتب: (ديوان….)2026/01/29 كاكا في باريس: عقدة (المسرة)2026/01/29 سر انتصار المقاومة الشعبية2026/01/29 عثمان جلال يكتب: على مثل الخليفة بانقا تبكي البواكي2026/01/28 جيب المواطن2026/01/28 إبراهيم شقلاوي يكتب: الخرطوم والرياض.. هندسة ما بعد الحرب2026/01/28شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إسحق أحمد فضل الله يكتب: هل ترك عمر الحاج موسى من بعد رحيله شيئًا لبلغاء بني “يعرب،!؟ 2026/01/28

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة

كل إنسان في الدنيا عنده خطوط حمراء لا يسمح لاحد بتجاوزها وعنده نوع معين من العلاقات يراه مقبولا ونوع اخر يراه مرفوضا تماما ولذلك ظهرت فكرة العلاقات المحظورة التي تختلف من شخص لاخر ومن بيت لاخر ومن مجتمع لاخر ايضا فما يراه البعض امرا عاديا قد يراه غيرهم خيانة او قلة احترام او تجاوزا لا يمكن السكوت عنه

العلاقات المحظورة ليست دائما مرتبطة بالحب او الخيانة كما يعتقد البعض لكنها اوسع من ذلك بكثير فهناك اشخاص يعتبرون التدخل الزائد في حياتهم نوعا من العلاقات المرفوضة وهناك من يرفض الصداقة القائمة على المصلحة فقط وهناك من يرفض ان تتحول العلاقة بين الناس الى استغلال او تحكم او ضغط نفسي مستمر

في بعض البيوت تعتبر الصراحة المطلقة شيئا مزعجا بينما يراها اخرون اساس اي علاقة ناجحة وهناك من يرفض فكرة السيطرة داخل العلاقة ويرى ان الحب الحقيقي يقوم على الحرية والثقة وليس على المراقبة والشك والخوف الدائم وهناك اشخاص لا يقبلون ان يدخل احد في خصوصياتهم مهما كانت درجة القرب بينهما لانهم يعتبرون الخصوصية حقا لا يجب المساس به

ومن اخطر العلاقات المحظورة تلك التي تجعل الانسان يفقد نفسه بالتدريج عندما يعيش شخص في علاقة تجبره كل يوم على التنازل عن كرامته او مبادئه او راحته النفسية فهنا تتحول العلاقة من مساحة امان الى عبء ثقيل حتى لو كان الطرف الاخر قريبا او محبوبا فالانسان يحتاج الى احترام وتقدير اكثر من حاجته الى الكلمات الجميلة

هناك ايضا من يرى ان العلاقات القائمة على الكذب محظورة مهما كانت الاسباب لان الثقة عندما تنكسر يصبح من الصعب اعادتها كما كانت والبعض يرفض العلاقات التي تقوم على المقارنة الدائمة او التقليل من الطرف الاخر لان ذلك يقتل المشاعر بالتدريج ويحول الحياة الى منافسة مرهقة بدلا من ان تكون دعما واحتواء

وفي زمن مواقع التواصل اصبحت العلاقات اكثر تعقيدا فهناك من يعتبر نشر تفاصيل الحياة الخاصة امرا عاديا بينما يراه اخرون تعديا على الخصوصية وهناك من يرى ان التواصل المستمر مع الغرباء بدون حدود نوع من العلاقات المرفوضة بينما يعتبره غيرهم حرية شخصية لا تستحق النقاش

الحقيقة ان العلاقات المحظورة ليست قائمة ثابتة يلتزم بها الجميع لكنها انعكاس لطبيعة كل انسان وتجاربه وقيمه وما عاشه في حياته ولذلك لا يمكن الحكم على مشاعر الناس بسهولة لان لكل شخص حدوده التي يشعر بعدها بالراحة او الاذى

وفي النهاية تبقى العلاقة السليمة هي التي تمنح الانسان شعورا بالامان والاحترام والراحة دون خوف او ضغط او استنزاف نفسي فاي علاقة تجعل الانسان يفقد نفسه او كرامته او سلامه الداخلي هي علاقة يجب التوقف امامها مهما كان اسمها او شكلها

طباعة شارك العلاقات المحظورة العلاقات الخيانة

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة
  • مكتبة محمد بن راشد تنظم برنامجاً ثقافياً ومعرفياً يحتفي بالأسرة والإبداع
  • رهاب العلمانية!
  • الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟
  • محافظ كفرالشيخ يزرع أشجارًا بمدينة فوه ضمن مبادرة "جميلة يا بلدي" و"100 مليون شجرة"
  • البابا تواضروس: مصر قلب العالم والعلاقات بين أبنائها لها جذور عميقة
  • مصرع طالب غرقًا في ترعة بالشرقية