المقال الأخير … السودان شجرة “البامبو”
تاريخ النشر: 30th, January 2026 GMT
يشبّه الصينيون شجرة “البامبو” بالصبر، ويقولون إنها تُعلّم الإنسان كيف ينتظر. تُزرع بذرتها في الأرض، ويعتني بها المزارع يومًا بعد يوم، يسقيها ويمنحها السماد، خمس سنوات كاملة دون أن يرى منها سوى التربة الصامتة.
لكن في العام الخامس، يحدث ما يشبه “الانفجار الأخضر”؛ تنبت فجأة، تخترق الأرض نحو السماء بسرعة مذهلة، لتصل إلى ارتفاع شاهق خلال أسابيع معدودة.
وهكذا هو السودان اليوم، شجرة “البامبو” في هيئة وطن، سنوات الحرب القاسية مرت كأعوام الصبر العجاف. ظن البعض أن الأرض قد خلت، وأن البذرة ماتت. تهدمت المدن، وتوقفت المصانع، وتشرد الناس، وكأن الوطن في انحنائه أمام العاصفة لم يكن إلا استجماعاً للقوى، لا استسلاماً للريح.
لكن ما لم يره العالم، أنّ جذور السودان كانت تعمل بصمت وإصرار. في عمق الأرض، امتدت جذور الإرادة والانتماء. في القرى والمنافي، في المعسكرات والمدارس، في لجان الإغاثة والمبادرات الشعبية، وفي صمود الجيش، والشرطة، والمخابرات، كانت جذور السودان تنمو بخفاء. لقد أثبتت هذه المؤسسات أنها حقاً “شريكُ الاستقرار.. وضمانُ الاستمرار”، تتحدى الرياح وتعد الوطن ليوم النهوض الأكبر.
كل هذا كان إعدادًا لانطلاقة حقيقية؛ فكما لا يمكن للبامبو أن يعلو إلا بعد تثبيت جذوره، لا يمكن للسودان أن يُعاد بناؤه إلا بعد ترسيخ وحدته، واستعادة ثقته بنفسه، وإيمان مواطنيه بأن الإعمار يبدأ من بناء الإنسان قبل تشييد البنيان.
اليوم، ونحن نطل على فجر ما بعد الحرب، يقف السودان -مثل البامبو- على أعتاب انطلاقة شاهقة. سيخرج من تحت الركام، لأن جذوره أعمق من الدمار، وأقوى من كل ميليشيا، وأصدق من كل ادعاء. لقد أنبتت هذه الأرض رجالاً ونساءً يتقنون فن البقاء، ويجيدون صياغة الحياة من قلب الألم.
على مدى أكثر من ألف يوم، كنت شاهدًا على وطن يصارع الفوضى، أكتب بصوتٍ صادق عما رأته عيناي وعقلي. رافقت صمود القوات المسلحة في ذودها عن الحياض، وجهود الشرطة في حفظ الأمن، ومهام المخابرات في حماية الاستقرار، وتضحيات المجتمع المدني في تضميد الجراح. كنت خلالها محللاً وراويًا، وصوتًا للأمل والتفاؤل دون زيف، أرسم صورة وطن لا يعرف الانكسار، قلبه ينبض بالحياة رغم العواصف.
واليوم، بعد هذه الرحلة الطويلة، حان وقت “استراحة المحارب”؛ يلمم أطرافه عائدًا إلى حضن الوطن، ليبدأ هناك مرحلة جديدة من البناء والعطاء، بذات الصبر والثبات الذي علّمته إياه شجرة البامبو. أعود والوطن هو الوظيفة والمبتدأ؛ لا أبحث عن مقعد قديم أو منصب منتظر، بل عن ساحة للعطاء تليق بمواطن آمن بأن الرزق على الخالق، وأن العمل من أجل الخلق هو أسمى الغايات. همي الوحيد هو السودان، وعائلتي، وكل ما أستطيع تقديمه لوطني وأحبائي.
أختم اليوم هذه الرحلة الفكرية والمهنية، وأنا ممتن لكل قلب صادق تابع، وكل عقل اهتم. كنتم رفاق المشوار، وملهمي للاستمرار. على أمل أن نلتقي قريبًا في رحاب الوطن، حيث تبدأ قصة البناء الحقيقي، وتزدهر جذور السودان في سماء الحرية والأمل.
رسالتي الأخيرة: الأمل موجود، التفاؤل استحقاق، والوطن يستحق كل قطرة عرق وجهد.
وأختم قولي بالصلاة معظمًا: يا ربنا صلِّ وبارك وسلِّمْ على المصطفى والآلِ والصحبِ دائمًا، صلاةً تفوق المسك عطرًا مفوحًا، يطيب بها كل الوجود ويتلألأ.
عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان
Promotion Content
أعشاب ونباتات رجيم وأنظمة غذائية لحوم وأسماك
2026/01/30 فيسبوك X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة العودة إلي الخرطوم تحت قصف نخبة نرجسية تدعو لوطن مهجور2026/01/30 ارفقوا بأهلكم المغتربين2026/01/30 (لرشوة عوض) (غفيرة باب الأمام)2026/01/30 إلى الوالد الأمير الطيب الإمام جودة2026/01/30 قطع طريق عودة الحياة إلي الخرطوم بقصف المسيرات ونصوص الذكاء الإصطناعي2026/01/30 محجوب حسن سعد .. بين رسالة التدريس، وبسالة البوليس2026/01/30شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إهداء النصر في ذكرى النصر 2026/01/29الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن
المصدر
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
حذر حمد محمد حامد حاكم إقليم كردفان ما يعرف بـ«حكومة السلام» من التحركات المكثفة التى تقودها الحركة الإسلامية «جماعة الإخوان المسلمين» وفلول النظام السابق، الرامية إلى الزج بالقبائل فى الصراع المسلح الدائر فى السودان وتحويله إلى حرب أهلية شاملة.
وأدان حامد، فى بيان صحفى أمس المحاولات اليائسة التى تنفذها جماعة الإخوان المسلمين وأذناب النظام السابق عبر التحريض القبلى الرخيص، مشيراً إلى أن الجماعة تسعى لاستنفار وتجييش أبناء قبيلة «دار حامد» ودفعهم لقتال الدعم السريع نيابة عن جيش الحركة الإسلامية وميليشياتها، معتبراً هذه التحركات جريمة مكتملة الأركان تستهدف تفتيت النسيج الاجتماعى.
وحمل الحاكم قادة الجيش السودانى وما وصفه بـ«الميليشيات الإيديولوجية للإخوان» المسئولية الكاملة عن عواقب هذا التحريض، مشيداً فى الوقت ذاته بوعى قيادات وشباب القبائل الذين تفطنوا للمخطط ورفضوا الاستجابة لدعوات التجييش العبثى، مجدداً التزام حكومته بالوقوف سداً منيعاً أمام خطط الفلول التدميرية لحماية أمن واستقرار الإقليم من أجندات التنظيم.
وكان الجيش السودانى قد هاجم بعشرات الطلعات الجوية آليات وسيارات قتالية لميليشيا الدعم السريع فى منطقة عيال بخيت بولاية غرب كردفان. كما استهدف موقعاً داخل مدينة النهود خلال اجتماع ضم قيادات للدعم السريع برفقة خبراء لتشغيل المسيرات من جنسيات كولومبية وسورية وليبية، وأعلن المجلس الرئاسى للحكومة التى أعلنها تحالف «تأسيس» فى مدينة نيالا غرب السودان، قرارات تتعلق بالأمن والدفاع، من بينها خطة لتأسيس جيش وطنى موحد، فى خطوة قال إنها تهدف إلى تنظيم إدارة ملفات الأمن القومى والدفاع خلال المرحلة الانتقالية.
ووفقاً لبيان وقعه قائد الدعم السريع رئيس المجلس الرئاسى للحكومة التى أعلنها تحالف «تأسيس» محمد حمدان دقلو «حميدتى»، تضمنت القرارات إجازة خطة عامة لتأسيس جيش وطنى جديد بعقيدة قتالية جديدة، تكون نواته ميليشيا الدعم السريع والجيش الشعبى لتحرير السودان والحركات المسلحة الموقعة على ميثاق السودان التأسيسى.
وشن رئيس التحالف المدنى الديمقراطى لقوى الثورة فى السودان «صمود» عبدالله حمدوك، هجوماً عنيفاً وغير مسبوق على تنظيم «الإخوان المسلمين» والإسلام يين، واصفاً إياهم بـ«الفصيل الذى خرب الحياة السياسية السودانية» وتسبب فى تجريف البنية المؤسسية لبلاده على مدار ثلاثة عقود من الحكم.
وتأتى هذه التصريحات المدوية لحمدوك فى توقيت حساس، لتشكل زلزالاً سياسياً يضع النقاط على الحروف بشأن مسببات الأزمة السودانية، وتزامناً مع إطلاق تحالف «صمود» لخريطة طريق مفصلية تهدف إلى إنهاء الحرب وإرساء السلام.
ووضع حمدوك «الإسلاميين» فى قفص الاتهام المباشر عن الانهيار الذى يعيشه السودان مؤكداً أن ثلاثة عقود من حكم التنظيم أسفرت عن تدمير كامل وممنهج لمؤسسات الدولة السودانية وتجريف أدواره، وأكد تحالف «صمود» أن مبادرة رئيس مجلس السيادة السودانى عبدالفتاح البرهان بالدعوة إلى حوار سياسى لن تقود إلى تحقيق السلام المنشود، واعتبرها محاولة للحصول على شرعية مفقودة.
وكشفت منظمة الهجرة الدولية، عن نزوح أكثر من 60 ألف شخص فى ولاية النيل الأزرق جنوب شرق السودان خلال ثلاثة أسابيع من شهر مايو الماضى، فى ظل تصاعد الهجمات العسكرية بالمناطق التى كانت خاضعة سابقاً لسيطرة الدعم السريع. ووفقاً لتقرير صادر عن المنظمة، بلغ إجمالى عدد النازحين فى الولاية 59 ألفاً و742 شخصاً، يمثلون 11 ألفاً و956 أسرة، خلال الفترة الممتدة من 11 يناير إلى 21 مايو الماضى.
وكشفت تقارير منظمات الأمم المتحدة عن أزمة مركبة تضرب ركائز الأمن الغذائى والرعاية الصحية والحماية القانونية وتفاقم أزمة اللجوء هناك ووفقاً لأحدث تحليل للتصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى فإن 19.5 مليون شخص أى ما يعادل شخصين من كل خمسة سودانيين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائى.
وحذر برنامج الأغذية العالمى من أن موسم الأمطار السودان قد يؤدى إلى عزل مناطق جديدة كما حذر صندوق الأمم المتحدة للسكان فى تقريره من التدهور المتواصل فى أوضاع النساء والفتيات واصفاً الأزمة بأنها واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية فى العالم ويوضح التقرير أن النساء والفتيات فى السودان يواجهن مخاطر متزايدة مرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعى والعنف الجنسى فى ظل تراجع فرص الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأساسية وخدمات الحماية القانونية والاجتماعية.