من أثر عابر إلى جذر دائم.. كيف تعيد مرسى علم تعريف العلاقة بين السائح والمكان؟
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
في نقطة بعيدة عن صخب المنتجعات التقليدية، وعلى تخوم البحر الأحمر حيث تتجاور المياه المفتوحة مع صمت الصحراء، تتشكل تجربة سياحية لا تقوم على الاستهلاك السريع ولا على الذاكرة المؤقتة. مرسى علم، التي اعتادت أن تُقدَّم كوجهة طبيعية بكر، تشهد اليوم اختبارًا عمليًا لفكرة أعمق: ماذا لو لم يكن السائح مجرد ضيف، بل صاحب أثر باقٍ؟
في قلب هذه الفكرة تقف مبادرة غير مألوفة في منطقها، بسيطة في أدواتها، لكنها غنية بدلالاتها.
المبادرة، بحسب متابعتها ميدانيًا، لا تستهدف جذب الزيارة التالية بقدر ما تسعى إلى تغيير معنى العودة نفسها. السائح هنا لا يعود فقط للاستجمام، بل ليطمئن على شيء تركه خلفه. شجرة تنمو ببطء، تتأثر بالمناخ والرعاية، وتختزن زمنًا لا يُقاس بعدد الليالي الفندقية.
عاطف عثمان، الخبير السياحي ومدير عام أحد فنادق مرسى علم وصاحب الفكرة، يطرح رؤية مختلفة لمفهوم النجاح السياحي. في حديثه، يلفت إلى أن المقاصد لم تعد تتنافس فقط على نسب الإشغال، بل على قدرتها على خلق علاقة نفسية طويلة الأمد مع الزائر. “حين يسأل السائح عن شجرته بعد عام، أو يلتقط صورة إلى جوارها بعد زيارات متكررة، فهو لم يعد زائرًا بالمعنى التقليدي”، يقول عثمان، معتبرًا أن هذا النوع من الارتباط هو الاستثمار الحقيقي.
بين البيئة والتسويق غير المباشرمن زاوية تحليلية، تضرب المبادرة أكثر من مسار في وقت واحد. بيئيًا، تسهم في توسيع المساحات الخضراء داخل نطاق صحراوي شديد الحساسية، ما يدعم التوازن البيئي ويحد من التأثيرات السلبية للتوسع السياحي. نفسيًا، تمنح السائح شعورًا بالانتماء والمشاركة، وهو عنصر بات حاسمًا لدى فئات واسعة من الزائرين، خصوصًا القادمين من أسواق تهتم بالسياحة المسؤولة.
أما تسويقيًا، فالأثر يتجاوز الحملات الدعائية المباشرة. السائح الذي يشعر أن له “نصيبًا” في المكان، يتحول تلقائيًا إلى ناقل للتجربة، يعيد سردها داخل دوائره الاجتماعية، ويمنح مرسى علم صورة مختلفة: ليست مجرد شاطئ أو منتجع، بل مساحة تُبنى معها علاقة شخصية.
نموذج بديل في لحظة فارقةفي وقت تواجه فيه السياحة التقليدية تحديات متزايدة، من ضغوط بيئية إلى تغير أذواق السائحين، تطرح تجربة “شجرة لكل سائح” سؤالًا يتجاوز حدود مرسى علم: هل يمكن لصناعة السياحة أن تنتقل من منطق العبور إلى منطق التبني؟
حتى الآن، لا تقدم المبادرة إجابة نظرية، بل ممارسة ملموسة. أثرها لا يُقاس فورًا، بل يُترك للزمن. شجرة تنمو، وسائح يعود، ومكان لا يظل كما كان قبل الزيارة.
ربما في هذا التراكم البطيء تكمن الفكرة الأكثر جرأة: أن السياحة، إذا أُعيد التفكير فيها، قادرة على أن تترك جذورًا… لا مجرد آثار أقدام على الرمال.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: اخبار البحر الاحمر محافظة البحر الاحمر مدينة الغردقة محافظ البحر الاحمر مرسى علم مرسى علم
إقرأ أيضاً:
مكالمات مشتعلة بين ترامب ونتنياهو ،،!!
ترامب ونتنياهو.. تحالف تحت ضغط المكالمات المتوترة وإعادة رسم حدود النفوذ تكشف ،، المعطيات المتداولة في الإعلام الإسرائيلي والأمريكي عن مرحلة أكثر توترًا في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، في ظل تصاعد الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية إدارة الحرب وتوسيع نطاقها الإقليمي.
وبحسب ما أوردته القناة 12 الإسرائيلية، فإن مكالمة هاتفية حديثة بين الجانبين اتسمت بحدة غير مسبوقة، وخرجت عن الإطار التقليدي للحوار بين الحليفين، لتعبّر عن خلاف سياسي عميق حول حدود التصعيد العسكري، خصوصًا في ما يتعلق بلبنان وإيران.
المعطيات التي تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية تشير إلى أن ترامب عبّر عن رفض واضح لتوسيع العمليات العسكرية باتجاه بيروت، محذرًا من أن الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد ينعكس سلبًا على إسرائيل نفسها، ويزيد من عزلتها الدولية، ويضع واشنطن في موقف سياسي ودبلوماسي بالغ التعقيد.
وتذهب بعض الروايات الإعلامية إلى أن أجواء المكالمة شهدت تبادلًا حادًا في اللغة السياسية، يعكس توترًا غير معتاد في مستوى التنسيق بين الطرفين، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على انتقال الخلاف من مستوى إدارة ملفات إلى مستوى إعادة تعريف أولويات كل طرف.
في المقابل، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن أوساط سياسية في تل أبيب أن بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية عبّروا عن استياء واضح من الموقف الأمريكي، خصوصًا فيما يتعلق بملف وقف إطلاق النار والقيود المفروضة على توسيع العمليات ضد إيران وحزب الله، معتبرين أن هذه المواقف تُضعف قدرة إسرائيل على فرض معادلات الردع في الميدان.
هذا التباين في الرؤى لا يأتي في فراغ، بل يتزامن مع مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الجبهات العسكرية في غزة ولبنان، مع الملف الإيراني الذي يظل محورًا مركزيًا في حسابات الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أكثر ميلًا إلى ضبط التصعيد ومنع انفجار شامل قد يخرج عن السيطرة، بينما تميل حكومة نتنياهو إلى خيار الحسم العسكري التدريجي.
وتكشف هذه التطورات عن حقيقة أعمق تتجاوز الخلافات الظرفية، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، رغم رسوخها الاستراتيجي، لم تعد محصنة من التباينات الحادة في التقدير السياسي، خصوصًا عندما تتقاطع الحسابات الميدانية مع الضغوط الدولية المتصاعدة على إسرائيل.
كما أن الحديث المتزايد عن “العزلة الدولية” لإسرائيل لم يعد مجرد خطاب إعلامي، بل بات جزءًا من الحسابات السياسية داخل واشنطن نفسها، التي تخشى من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى إضعاف موقعها في المنطقة وإعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية.
وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة التوتر الأخير باعتباره مؤشراً على مرحلة انتقالية في طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث لم يعد الدعم الأمريكي يُمنح دون شروط سياسية واضحة، ولم تعد إسرائيل تتحرك في فضاء مفتوح من الغطاء السياسي غير المحدود.
إن ما كشفته القناة 12 الإسرائيلية، إلى جانب التسريبات الأخرى، لا يعكس مجرد خلاف عابر، بل يشير إلى اختبار حقيقي لمعادلة استراتيجية ظلت لعقود من الزمن أحد ثوابت الشرق الأوسط، لكنها اليوم تواجه إعادة صياغة تحت ضغط الحرب، والرأي العام الدولي، وتغير أولويات القوى الكبرى.
وفي المحصلة، يبدو أن العلاقة بين ترامب ونتنياهو دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: إدارة الخلاف داخل التحالف، بدلًا من غياب الخلاف داخله.
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ...،!!