تقرير: عودة الزخم لملف ليبيا مع ترامب وتيتيه وسط معضلة “الدائرة المغلقة” للتسوية
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
تقرير “منارة”: تباين أميركي–أممي في مسار السلام بليبيا بين “منطق المصالح” وخيار الانتخابات
ليبيا – تناول تقرير تحليلي نشرته مجلة “منارة” البحثية المتخذة من بريطانيا مقرًا لها الفروقات بين الجهود الأميركية ونظيرتها الأممية في مسار السلام بليبيا، مشيرًا إلى أن الملف الليبي اتسم منذ مطلع 2025 بحالة من الفراغ والجمود بعد مرور ثمانية أشهر على استقالة المبعوث الأممي السابق عبد الله باتيلي إثر فشل نهجه المقترح للتسوية السياسية.
زخم جديد مع عودة ترامب وتعيين تيتيه
وأوضح التقرير أن الملف استعاد زخمه تدريجيًا خلال العام الفائت مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بالتزامن مع تعيين المبعوثة الأممية هانا تيتيه، معتبرًا أن ذلك مثل اهتمامًا متجددًا من إدارة ترامب إلى جانب جهود تيتيه لصياغة إطار عمل جديد لحل النزاع، ومتسائلًا عما إذا كانت مبادرات الولايات المتحدة والأمم المتحدة تتقارب أم تتباعد في دفع عملية التسوية.
نهج أميركي “اقتصادي أولاً” وارتباطه بالنفط
ووفقًا للتقرير، يتماشى النهج الأميركي تجاه ليبيا مع المنطق الاقتصادي الأوسع للنهج الخارجي لإدارة ترامب، إذ تُقرأ المصالح الأميركية من منظور الاقتصاد في المقام الأول، بما يجعل نظرة ترامب إلى ليبيا تتشكل أساسًا من خلال مكانتها كمنتجة للنفط. وأضاف أن مخاطر التشرذم المؤسسي ظهرت خلال السنوات الأخيرة عبر توقف إنتاج النفط وصعوبة إبرام صفقات نفطية كبرى، ما يدفع إلى مسارين متوازيين: معالجة الانقسامات وتأثيرها على بيئة الاستثمار، والشروع في الوقت نفسه في إبرام اتفاقيات اقتصادية مع السلطات الليبية، لافتًا إلى مسارعة أصحاب النفوذ في شرق ليبيا وغربها إلى تبني هذا النهج القائم على المصالح الاقتصادية والتوافق المبكر مع المصالح الأميركية قبل أي مراحل تتعلق بالتسوية.
رؤية أممية للتسوية الشاملة ومسار انتخابي
وأشار التقرير إلى أن الأمم المتحدة تروج باستمرار لرؤية تسوية شاملة تتوج بانتخابات رئاسية وتشريعية وإنشاء مؤسسات تمثيلية تعكس الشرعية الشعبية، في حين يختلف النهج الأميركي عن نظيره الأممي بتركيزه على إنهاء الانقسامات المؤسسية والسياسية، بما يعني ضمنيًا أن السلطات القائمة تُرى كجزء من المشكلة وليست جهات محايدة.
معضلة “الدائرة المغلقة” في مسار التسوية
وتوقف التقرير عند تناقض رئيسي في مناهج المبعوثين الأمميين المتعاقبين، إذ صُممت لفصل العملية السياسية عن اعتمادها على السلطات القائمة بحكم الأمر الواقع، بينما يتعارض تنفيذها مع مبدأ أن أي حل يجب أن يكون بقيادة ليبية لا مفروضًا من الخارج. واعتبر أن هذا الشعار استُخدم بشكل خادع من جهات فاعلة تستفيد من الوضع الراهن، ما خلق معضلة دائرية تتمثل في أن التسوية تهدف إلى استبدال السلطات القائمة عبر الانتخابات، بينما يعتمد تحقيق ذلك على تعاون السلطات ذاتها، الأمر الذي قاد إلى الفشل مرارًا وفق توصيف التقرير.
تقاطع مبكر واحتمال اختلاف لاحق
وبحسب التقرير، تتقارب أهداف الولايات المتحدة إلى حد كبير مع خارطة طريق الأمم المتحدة في مراحلها الأولى، لا سيما ما يتعلق بإنهاء التشرذم المؤسسي وتشكيل حكومة موحدة، مع سعي البعثة الأممية لاستغلال الضغط الأميركي على الأطراف الليبية لتحقيق تقدم. لكنه توقع ظهور اختلاف في وجهات النظر لاحقًا، ما حفّز أطرافًا ليبية على محاولة فصل انتقائي بين الدورين الأميركي والأممي، وانعكس ذلك في اختلاف استجاباتها لكل مسار، مع ترجيح ميل إدارة ترامب إلى حل توافقي قائم على تقاسم السلطة، مقابل تمسك البعثة الأممية بتفضيلها التقليدي للمسار الانتخابي.
عوامل ضغط قد تحرك التسوية في 2026
وطرح التقرير مجموعة عوامل قد يتوقف عليها إحراز مزيد من التقدم، من بينها نجاح نهج أميركي محتمل في الحوكمة المالية بما قد يحد من قدرة الحكام الحاليين على شراء الدعم الشعبي وإضعاف شبكات المحسوبية، مع احتمال أن يؤدي انخفاض أسعار النفط العالمية إلى تفاقم هذا الأثر عبر تقليص الإيرادات وتقييد تمويل غير منظم للحكومات المتنافسة. كما أشار إلى احتمال مبالغة الفاعلين الليبيين في المناورات التكتيكية وسوء تقدير قدرتهم على عرقلة التسوية، بما قد يدفع القوى الكبرى إلى دعم ترتيبات جديدة وتهميش القادة الحاليين، إضافة إلى احتمال اتخاذ واشنطن موقفًا أكثر حزمًا تجاه طرابلس وبنغازي، خصوصًا كرد فعل على تنامي علاقات اقتصادية أو عسكرية مع بكين وموسكو.
خلاصة التقرير: انفراجة محتملة دون تسوية حاسمة
وخلص التقرير إلى أن ليبيا مع بداية 2026 تبدو على أعتاب دورة جديدة من الترتيبات الانتقالية، لكنه رجّح أن التوصل إلى نتيجة حاسمة تُفضي إلى تسوية شاملة ودائمة لا يزال مستبعدًا، معتبرًا أن استمرار إدارة الملف الليبي ضمن إطار حوكمة دولية قد يتعزز، مع إشارة إلى أن نهج إدارة ترامب القائم على المصالح المتبادلة قد يخلق ظروفًا أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع وأكثر تمثيلًا تعكس مصالح الليبيين.
ترجمة المرصد – خاص
المصدر
المصدر: صحيفة المرصد الليبية
كلمات دلالية: إدارة ترامب ترامب إلى إلى أن
إقرأ أيضاً:
معضلة الدواء في إيران
بقلم: السفير ماهر المهدي
القاهرة (زمان التركية) — التغيير حق مشروع للشعوب، حتى ولو اتخذ شكل الثورة متى توفرت أسباب الثورة ومبرراتها ودوافعها، ولم تجد الشعوب بديلًا للثورة للوصول إلى أهدافها العادلة المستحقة وتصحيح مسار الأمور في بلادها.
وكلٌّ في بلده حر، ولكنه ليس حرًّا في بلاد الآخرين، وليس مطالبًا بتصدير غضبه وثورته إلى البلاد المجاورة ولا إلى أي بلد حول العالم. فالناس في حاجة إلى السلام وإلى الإنتاج لكي تتقدم وتعيش سعيدة، وليست بحاجة إلى استقبال ثورات الغير وغضبهم، وإفساح الطريق وفتح القلوب والعقول لمسارات العنف والخشونة بكل تأكيد.
لكن الثورة الإيرانية آلت على نفسها أن تُصدّر محتواها إلى الغير، وأن تحاول الوصول إلى كل الدنيا ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا. ولذلك دخلت إيران، منذ ثورتها عام 1979 وهجومها على السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز البعثة الدبلوماسية الأمريكية، في طريق طويل وعر وخالٍ من الحياة إلا قليلًا.
فقد لجأ الرئيس الأمريكي كارتر إلى فرض عقوبات غليظة على إيران في ذلك العام دون تردد أو تفكير، لتعيش إيران في ظل عقوبات متتالية وجسيمة وشاقة طوال العقود الماضية وحتى الآن.
وإيران الثورة لا تهتم ولا تعبأ بالعقوبات والمزيد من العقوبات التي تُصب على رأسها وعلى رأس شعبها، وتحرم شعبها من الحياة الطبيعية، بل وتحرم كثيرين حتى من العلاج والخلاص من المرض، ليعاني الجميع من أبناء الشعب الإيراني، من يستطيع ومن لا يستطيع.
وقد وجدت إيران حلولًا للحصار العسكري والقيود المالية وامتناع البنوك عن التحويل، وغياب السلاح، وتعذر الحصول على قطع غيار الأسلحة، حتى وصلت إلى تخصيب اليورانيوم، وصارت على الطريق إلى إنتاج القنبلة النووية.
كما وجدت إيران حلولًا لغياب السلاح بإنتاج السلاح المحلي، والصاروخ المحلي الدقيق الجدير بالإعجاب والحساب. ولكن إيران، الناس والبشر، تحتاج إلى العمل وإلى السلام لكي تكسر الحصار الأمريكي المفروض عليها منذ عام 1979، وتعالج مرضاها من الكبار والصغار الذين يعانون الأمرَّين كما يقولون.
فالحصار ليس فقط حصارًا على السلاح، بل هو حصار على الدواء وعلى المواد الأساسية الضرورية لصناعة الدواء. كما أن البنوك تخاف من العقوبات الثانوية إذا أجرت تحويلات لصالح إيران، حتى ولو كانت لشراء الدواء ومتعلقاته، خشية الوقوع في شباك العقوبات الأمريكية الثانوية نتيجة التعامل مع إيران وإجراء التحويلات لصالحها.
إن إيران بحاجة إلى شراء نسبة كبيرة من المواد الأساسية الداخلة في صناعة الدواء، تتراوح بين 50% و72% من الخارج. وقد تعرضت مصانع الدواء في إيران للقصف والحرائق، وربما للعمليات السرية التخريبية ضمن المنشآت المهمة، كما أُغلقت المطارات في وجه إيران وأبنائها حول العالم، وأُلغيت رحلات بسببها.
ولعل ما سبق مفهوم، ولكن غير المفهوم هو عدم اهتمام إيران بالحصول على التكنولوجيا وإيجاد طريق لشعبها للالتفاف على العقوبات والحصار المفروض عليها، والذي قد يستمر، ولا أحد يعلم إلى متى.
ومن غير المفهوم أيضًا عدم اهتمام إيران بتخريج الكفاءات القادرة على إنتاج الأدوية الحرجة، مثلما تُخرج المهندسين القادرين على إنتاج الصواريخ العابرة للقارات، والقادرة على حمل الرؤوس النووية والطائرات المسيّرة.
ولا بد أن إيران لم تبذل الجهد اللازم لتحقيق هذا الهدف، ولم تستطع الوصول إليه كنتيجة حتمية في ظل ظروف بالغة الصعوبة من الخارج، وربما في ظل تنافسية انتهازية من الداخل.
ففي ظل الثورات تنشأ مراكز قوى تعمل لصالحها، وتُظهر حساسية تجاه الكثيرين، وربما تجاه الجميع، من أجل حماية الثورة، ومن أجل ثورة أكثر ثراءً ورفاهية. ومن يقومون على حماية الثورات يستحقون، ولا شك، أفضل المكافآت.
Tags: الثورة الايرانيةالحرب الايرانية