«الفرص فين 2026»: نماذج الاستثمار غير المستدامة الخطر الأكبر وفقاعة الذكاء الاصطناعي تلوح في الأفق
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
اختتمت فعالية «الفرص فين»، أعمالها لعام 2026، بالـ «مقر»، بحضور واسع من رواد الأعمال والمعنيين بقطاع الشركات الناشئة، وبحضور رجال الأعمال أحمد خليل من «شارك تانك مصر»، حيث عقد حسين المناوي، مستشار تطوير الأعمال، ومحمد نجاتي، رائد الأعمال ومؤسس ExitsMena، حوارًا لرصد توجهات العام الجديد فيما يتعلق بمجتمع ريادة الأعمال، والقطاعات التي ستشهد نموًا، وكذلك القطاعات التي ستواجه تحديات، استنادًا إلى المعطيات المحلية والعالمية.
وأعرب حسين المناوى، مستشار تطوير الأعمال، عن سعادته بانعقاد المؤتمر للسنة السادسة على التوالي، والزيادة المستمرة في نسبة وعدد المشاهدات والحضور وهو ما يؤكد تواجد الحدث كمنصة مهمة للمهتمين بقطاع ريادة الأعمال للتواصل وتبادل الأفكار، حول أهم الظواهر العالمية والمحلية، مؤكدا أنه على الرغم من أن الحدث يستضيف رائد الأعمال محمد نجاتي سنويًا إلا أنه يتم أخذ رأى الكثير من المعنيين بالمجال والخبراء أثناء التحضير للفعالية للخروج بمحاور نقاش ونصائح تفيد مختلف المعنيين بالقطاع.
وتحدثت الفعالية عن قدرة الشركات الناشئة المصرية على المنافسة عالميًا واحتلال موقع في صناعة تصدير التكنولوجيا، مشيدين بتجربة شركة "إنفيني لينك" المتخصصة في تطوير رقائق أشباه الموصلات التي نجحت في جذب أنظار مستثمرين محليين ودوليين للاستحواذ عليها، وهو ما يؤكد قدرة الشركات المصرية على تصدير التكنولوجيا.
تناولت الفعالية قطاع الـB2B الذي شهد تطورًا في السنوات الثلاثة الماضية، وسط اعتقاد واسع بأنه سينمو بلا سقف، إلا أن العام الماضي شهد تعثرًا ملحوظًا في هذا القطاع.
وأكد محمد نجاتي، أن السبب الرئيسي يعود لاعتماد عدد كبير من الشركات على حرق الأموال بهدف جذب الاستثمارات، دون بناء نماذج عمل مستدامة.
وضرب أمثلة بمنصات الربط بين السوبر ماركت وشركات السلع الاستهلاكية، موضحًا أن قرار تعويم العملة زاد من الضغوط التشغيلية، وأثر بشكل مباشر على قدرة هذه الشركات – خصوصًا تلك التي يقودها شباب – على الاستمرار بنفس الوتيرة.
وفيما يتعلق بمنصات الاستثمار البديل التي تتيح للأفراد الوصول لفرص استثمارية لم تكن متاحة لصغار المستثمرين، أكد أن التكنولوجيا لا تخلق حاجة جديدة، بل ترفع كفاءة سلوك موجود بالفعل، كما حدث مع منصات مثل ماني فيلوز التي أعادت إحياء فكرة “الجمعية” بشكل رقمي.
وفيما يخص الذهب والفضة عبر الإنترنت، وجّه تحذيرًا واضحًا من شراء المعادن النفيسة إلكترونيًا دون تحقق شرط الدفع المادي (يدًا بيد)، مشيرًا إلى أن بعض المنصات قد تضلل المستثمرين أو تقع في إشكاليات شرعية وتقنية بسبب عدم الالتزام بالتسليم الفوري.
التوريق العقاري والأسواق الثانوية
كما تناولت الفعالية مفهوم التوريق العقاري، حيث تم التأكيد على أن هذا النموذج نجح عالميًا، مستشهدًا بشركة برازيلية حصلت على استثمارات ضخمة من بلاك روك، إلا أن التحدي الأكبر في المنطقة يتمثل في الإطار التشريعي، خاصة فيما يتعلق بالعقارات.
كما أشار إلى العمل على إنشاء سوق ثانوي للشركات الناشئة، يسمح بتداول الحصص باستخدام شركات ذات غرض خاص (SPVs)، بعيدًا عن التعقيدات التقليدية.
وخلال الفعالية حذر محمد نجاتي، من فخ التوسع السريع في قطاع المطاعم، ووصفه بالانتحار السريع، مشيرة إلى تجربة إحدى شركات الحلويات الشهيرة في السوق المحلية، ومستندًا إلى تجربة شخصية في إدارة 48 مطعمًا كانت تحقق مبيعات ضخمة دون أرباح حقيقية.
وأكد أن التركيز على افتتاح الفروع دون تحقيق ربحية تشغيلية هو انتحار تجاري سريع، مشددًا على أن النمو الحقيقي يبدأ من الربحية وليس من عدد الفروع.
وأشار نجاتي، إلى أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تحولًا جذريًا في قطاع الخدمات، خاصة مراكز الاتصال (Call Centers)، حيث ستتمكن الأنظمة الذكية من استبدال آلاف الوظائف التقليدية، مع خفض كبير في تكاليف التشغيل والمقار الإدارية.
وقال إن الدول مقسمة لأربع فئات في مجال الذكاء الاصطناعي، منها الشركات التي تقود الصناعة على رأسها الصين والولايات المتحدة، والدول التي تُساهم في الصناعة مثل تايوان، وهناك الدول التي تساهم بشكل إيجابي ولديها القدرة على شراء التكنولوجيا، لافتًا إلى أن مصر في موقع المتفرج بخصوص تلك الصناعة.
كما تحدثوا عن فرص التوسع الإقليمي، حيث أكدا أن السوق العماني يُعد من أفضل الأسواق الخليجية وهناك فرص واعدة للشركات الناشئة المصرية للتوسع في هذا السوق خاصة إذا كانت الحلول ملائمة لهذا السوق، كما أن البحرين تشهد تقدمًا كبيرًا في قطاع التكنولوجيا المالية.
وفيما يتعلق بالسوق السعودية، أكدوا أنه ليس كما يبدوا للكثيرين، وأن السعودية ملائمة أكثر لرواد الأعمال السعوديين، وأن توسع الشركات المصرية ونجاحها يرتبط بقدرتها على تقديم الخدمات الملائمة.
ومن أبرز الرسائل التي وجهها رائد الأعمال محمد نجاتي، في فعالية «الفرص فين»، للشركات الناشئة هي أهمية انتقال الشركة من الاعتماد على شخص المؤسس إلى وجود كيان مؤسسي متكامل، ومعرفة التوقيت المناسب لتسليم القيادة إلى مدير تنفيذي (CEO) أكثر قدرة على إدارة مرحلة النمو والتشغيل.
بينما أكد حسين المناوي، أن الفرصة الحقيقية ليست فقط في مجالات أو قطاعات محددة عكس ما يردده البعض وإنما تكمن الفرصة دوما في تقديم قيمة مضافة لمجموعة كبيرة من العملاء والقدرة على تكوين فريق عمل والتنفيذ بكفاءة عالية وتكلفة محدودة والتي تشكل الخلطة السرية للنجاح بغض النظر عن المجال او القطاع.
وتناولوا صناعة الذكاء الاصطناعي التي تشهد طفرة كبيرة في الفترة الأخيرة، حيث أكد محمد نجاتي، أن الذكاء الاصطناعي لا يُعد صناعة واحدة لكنه منظومة متكاملة تشمل الطاقة وهي الأساس الذي تبنى عليه المنظومة بأكملها نظرًا لاستهلاكه الكبير للطاقة، من خلال تشغيل مراكز البيانات، ثم البنية التحتية والتي تضم المواد الخام المستخدمة في تصميم الرقائق الإلكترونية، ثم المعالجات التي تسيطر عليها شركة إنفيديا العالمي التي تُعد المحرك الأساسي لتحويل البيانات الخام إلى معلومات ومعرفة.
ثم تأتي النماذج اللغوية الكبيرة مثل OpenAI وAnthropic، وهي الطبقة الأعلى تكلفة، حيث تستحوذ على النصيب الأكبر من الاستثمارات والإنفاق، وتُقدَّر ميزانياتها بمليارات الدولارات، ثم التطبيقات والوكلاء، وهي الشركات التي تبني حلولًا وخدمات عملية فوق النماذج، مثل أدوات خدمة العملاء، تحليل البيانات، وإدارة العمليات.
ويرى حسين المناوي، أن هناك فرصة كبيرة في مجال تجربة العميل و تطويرها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتي تمثل نقلة للشركات في تطوير مستوى خدمة العملاء لديها وتحقيق أكبر نسبة رضا للعملاء، مضيفًا أنه شخصيا جزء من شركة Origin CX للاستشارات المتعلقة بتحسين تجربة العملاء الرقمية وأن الشركة تعمل مع كيانات كبرى محلية و دولية في هذا الشأن سواء لتقديم المشورة في كيفية وضع استراتيجيات لتطوير منظومة تجربة العميل لدى الشركات أو في توفير أحدث التقنيات العالمية في هذا الشأن في منطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا.
اقتصاديات القطاع والتحذير من “الفقاعة”
تطرق اللقاء إلى الجوانب الاقتصادية للصناعة، مشيرًا إلى عدد من التحديات الجوهرية، التي تتمثل في ارتفاع التكلفة التشغيلية، وشبّه السوق الحالية بـ “الجمعية”، حيث تستثمر شركات كبرى في بعضها البعض (مثل استثمار مايكروسوفت في OpenAI، التي تشتري بدورها معالجات من إنفيديا)، مما يضخم التقييمات دون تحقيق عوائد تشغيلية حقيقية في بعض الحالات.
وحذر من فقاعة الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى تشابه الوضع الحالي مع فقاعة “الدوت كوم” عام 2001، محذرًا من التقييمات المبالغ فيها لشركات تفتقر إلى نماذج عمل مستدامة. كما تناول ظاهرة AI Washing: حيث حذر من لجوء بعض الشركات إلى إضافة كلمة “AI” إلى أسمائها أو خدماتها فقط لجذب المستثمرين، واصفًا ذلك بأنه شكل من أشكال “الغسيل التقني”.
في هذا الصدد أكدوا أن القطاع يشهد تحولًا نوعيًا من مجرد أدوات الدردشة إلى أنظمة أكثر تقدمًا، وتغير تغير طبيعة الوظائف، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي الوظائف، بل سيعيد تشكيلها، فالطبيب أو المحامي أو المحاسب مطالب بإضافة “تطبيقات ذكاء اصطناعي” فوق خبرته الأساسية لزيادة كفاءته وقدرته التنافسية.
وكشفوا عن نماذج عربية واعدة في مجال الذكاء الاصطناعي، من بينها، شركة تاكسن، الشركة المصرية التي أسسها مهندسون مصريون، تركز على الوكلاء الذكيين باللغة العربية، وحققت مؤخرًا نتائج إيجابية في المبيعات.
بالإضافة إلى شركة وايد بوت (WideBot) المتخصصة في حلول التدريب والتحاور الذكي، وتمتلك شراكات واسعة داخل وخارج المنطقة، وشركة ميديا التي تنتج محتوى باللغتين العربية والإنجليزية باستخدام مذيعين افتراضيين (Avatars)، وتعتمد بشكل كامل على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
تحديات المحتوى والدروس الدولية
وفي ختام الفعالية، ناقش حسين المناوي ومحمد نجاتي، أزمة المحتوى العربي في مجال الشركات الناشئة وريادة الأعمال، منتقدين ضعف المحتوى العربي التجاري والمتخصص، وهيمنة خوارزميات “الترند” التي تعزز المحتوى السطحي على حساب المحتوى التعليمي والمعرفي.
وأكد «المناوي»، أن «الفرص فين»، تود أن تلعب دورًا في تقليل هذه الفجوة في المحتوى المتعلق بالشركات الناشئة وريادة الأعمال عن طريق إطلاق عدة منتجات رقمية من شأنها تغيير المشهد وتقديم صورة مُغايرة للمحتوى المقدم باللغة العربية،
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الذکاء الاصطناعی الشرکات الناشئة محمد نجاتی الفرص فین فی مجال إلى أن فی هذا
إقرأ أيضاً:
كاتبة بريطانية تحذر: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يضعف الإبداع والوعي الإنساني
وسط الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي في الكتابة والإعلام والحياة اليومية، تتصاعد التحذيرات من أن الاعتماد المفرط على هذه الأدوات حيث أنه لا يهدد دقة المعلومات فحسب، بل يضعف أيضا قدرة البشر على التفكير والإبداع والتعبير عن ذواتهم، وفقا لما نشرته صحيفة الغارديان.
ونشرت صحيفة "الغارديان" مقالا للصحفية نسرين مالك قالت فيه إن البشر يخسرون قدرتهم على التواصل وتنظيم مجتمعاتهم من أجل السهولة والسرعة، مضيفة أنه "يجب أن نُؤكّد ثقتنا بالبشر بدل الآلات".
وأشارت الى السيناريو الكابوس التالي: "أنت تُؤلّف كتابا عن كيفية إعادة الذكاء الاصطناعي تشكيل الواقع. تبدأ باستخدامه كشريك بحثي، واثقا من أنك تُطبّق أفضل الممارسات بعدم السماح له بكتابة جملة واحدة في الكتاب. تعتقد أنك ستكون حذرا، وستُدقّق في كل شيء. ثم يصدر كتابك، ويتضح أنه يحتوي على أكثر من ستة اقتباسات منسوبة خطأ أو مُزيّفة. اعترف الكاتب ستيفن روزنباوم، الذي وقع ضحية هذا الخطأ، بأن مُخرجات الذكاء الاصطناعي كانت أحيانا "خاطئة بشكل مُذهل"، ولكن مع ذلك، تسلّلت الأخطاء".
كما ذكرت أن هناك أمثلة أخرى. فقد غرقت قصة قصيرة حائزة على جائزة الكومنولث في ادعاءات بأنها تحمل سمات الذكاء الاصطناعي. وأنه في كل مرة ترى فيها تقرير صحفي وقع ضحية اقتباسات مزيفة من الذكاء الاصطناعي أثناء بحثه، تدعو الله أن يحفظها، وقال إنه لولا لطف الله لكانت مكانه. ولكن لكي لا تترك الأمر للرحمة وحدها، تتجنب تماما التعامل مع هذه الاقتباسات. فعندما تظهر نتائج الذكاء الاصطناعي كخيار افتراضي في محركات البحث، ترفضها وتستنكرها، وكأنها تحمل في طياتها سحرا خفيا يتسلل إلى العقل بمجرد التفاعل معها ويسيطر عليه.
وأكدت أن هذا النهج الرهباني، الذي يكاد يكون جنون ارتياب، ليس فقط لأن الذكاء الاصطناعي أداة بحث محفوفة بالمخاطر وغير موثوقة، بل هو صوت، ونبرة، وتردد. مضيفة أن لغة الذكاء الاصطناعي تطاردها في ملايين الترانيم الرتيبة المتشابهة، من خدمة العملاء إلى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي إلى البيانات الصحفية. حتى وهي تكتب هذه السطور، يساورها القلق من أن تبدو كلماتها ككلمات الذكاء الاصطناعي، وأنها استوعبت، بطريقة ما، من خلال التعرض المتواصل لها، رتابتها وإسهابها، وجملها القصيرة الموجزة، وسردها الإعلاني، ومحاكاتها غير الرسمية للشخصية: “أهلا! أتمنى أن تكونوا بخير. ظننتُ أنك قد ترغب بكتابة مقال عن الذكاء الاصطناعي، وهو موضوع يشغل بال المفكرين والكتاب بشكل متزايد. هل ترغب في معرفة المزيد؟"
ثم طرحت السؤال: "ما الذي نخسره في خضمّ هذا الجدل؟" وأجابت بالقول إن الكتابة ليست مجرد التعبير عن الأفكار بالكلمات بأسلوب معين: تحليل، أدب روائي، سرد قصصي. إنها تتعلق بالكيمياء الخاصة للفرد، حيث يستمدّ من بصمته الفريدة لبناء فكرة. إنها تتعلق بطريقة عمل دماغه، والخصائص التي اكتسبها على مرّ السنين، وآرائه السياسية، وتاريخه، وعلاقاته، ونظرته للعالم. يمكنك إنتاج ألف كاتب مثل ديكنز والرومي باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنك لن تستطيع خلق كاتب أيقوني جديد. كل ما يمكنك فعله هو الاستفادة من الأساليب الموجودة بالفعل. يمكنك فقط الاشتقاق، لا الإبداع.
وقالت إنه إضافة لذلك هناك الضمور. فقدان القدرة على البحث عن الكلمة المناسبة، على صياغة صورة لفظية. فبإمكان الكاتب توفير دقائق ثمينة مع اقتراب الموعد النهائي، ويطلب من الذكاء الاصطناعي أن يبتكر له عبارة مناسبة، أو بإمكانه التريث والتفكير مليا في أن مقاومة الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي أشبه بمحاولة تجنب استنشاق فيروس ينتقل عبر الهواء. وأضافت أن هذا قد لا يكون تشبيها بليغا، ولكنه تشبيهها الخاص. وهو يساعدها، في الكتابة، على ترسيخ أفكارها. سواء أكان نصا سياسيا أم بريدا إلكترونيا، فإن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كل شيء، من البحث إلى الكتابة، يقطع الصلة بين الشعور والتعبير. إنه يُفرغ كل شيء من رونقه، ويخنق قدرة المرء على توجيه أفكاره، والتفاعل معها، والمفاجأة بما يدور في ذهنه. عندما تصبح التكنولوجيا وسيلة لتقليل الجهد المبذول بكل الطرق، فإنها تُصبح في نهاية المطاف عائقا أمام الوعي الحقيقي. تُظهر الأبحاث، التي لا تُثير الدهشة على الإطلاق، أن الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي قد يُقلل من تفاعل الدماغ.
وأوضحت أن الأمر الأكثر إحباطا هو مدى ملاءمة هذا التضييق على الذات للوضع السياسي الراهن، الذي يتسم بوفرة المحتوى والمعلومات المغلوطة. ينتشر الذكاء الاصطناعي بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنشر الحسابات بثقة نصوصا مطولة حول كل شيء، من حروب الشرق الأوسط إلى تجارب شخصية مؤثرة لم تحدث في نوع من الخيال العلمي. وفي السياسة، يهيمن صوت أشبه بصوت كير ستارمر، بنبرة رتيبة من الشعارات الفارغة المتكررة والردود المراوغة. والنتيجة هي محرضون يمينيون متطرفون يثرثرون في بحر من التضليل، أو سياسيون وسطيون يعيشون في خوف من الخروج عن الوضع الراهن. أما الأفكار أو السياسات القليلة التي يمتلكونها، فهي مختبئة في وضح النهار، محجوبة بتأثير غريب يتمثل في محاولة كتم المشاعر خشية اتهامهم بتبني أيديولوجية حقيقية.
وقالت: "سامحوني إن بدوتُ كشخص مُعارض للتكنولوجيا، ولشعوري ببعض القلق الأخلاقي حيال تقنية تُسهم ظاهريا في إتاحة المعرفة للجميع وتذليل العقبات أمام الكتابة. لكنّ معايرتها مُختلة تماما، ما يُؤدي إلى دمج استخدام الذكاء الاصطناعي الحقيقي مع صوته العام. ثمة ما يُشبه الآن حملة مطاردة تُشنّ على تحليل النصوص باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي واتهام الكُتّاب بالغش، كرد فعل على التغلغل المُحيّر لهذا الصوت في كل شيء، وعلى مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي".
ونقلت عن روزنباوم قوله: "أي كاتب يعمل اليوم ويجلس أمام جهاز كمبيوتر، سواء كان يكتب مقالات طويلة أو مُلتزما بمواعيد نهائية أو يعمل في المجلات، أيا كان أسلوب عمله، فهو يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة أو بأخرى، جزئيا على الأقل لأنه ليس فقط جذابا للغاية، بل إنه قيّم جدا أيضا". ثم قالت إن هذا تعليق بالغ الدلالة، ويكشف عن تشاؤم عميق، يرفض حتى مجرد الإقرار بإمكانية وجود عالم نملك فيه خيارا، تتجاوز أهميته مجرد الملاءمة.
وختمت المقال بالقول إنّ الأمر لا يقتصر على بعض الأخطاء المؤسفة هنا وهناك، بل يتعداه إلى التزام بالسعي، وإن كان غير كامل، ولكن دائما بمصداقية. في ذلك يكمن عقد اجتماعي كامل يدعم قدرتنا على الثقة المتبادلة. عندما يقاوم المرء الذكاء الاصطناعي، فإنه يستثمر في الحفاظ على مصداقية العالم الذي نعيشه جميعا. وكما قال جورج برنارد شو: "عقاب الكاذب ليس في عدم تصديقه، بل في عجزه عن تصديق أي أحد".