جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-03@05:20:31 GMT

هل الفقر رفيق الدرب؟

تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT

هل الفقر رفيق الدرب؟

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

 

«لو كان الفقر رجلًا لقتلته»، هكذا قال الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه. ومع ذلك، يبقى الفقر في كثير من الأحيان رفيقًا للإنسان، يتبعه في حياته، وفي عمله، وفي علاقاته الاجتماعية. غير أنَّ الفقر لا يقتصر على غياب المال أو صعوبة تأمين قوت اليوم، بل هناك فقر أشدّ قسوة؛ فقر الفرصة، وفقر الاعتراف، وفقر التقدير.

فقد يكون الإنسان قادرًا على العطاء، يعرف ما يفعل، لكنه يظل محرومًا من أن يُرى كما هو حقًا، ويُقاس نجاحه بما يفتقده من فرص واعتراف، لا بما يمتلكه من معرفة أو خبرة أو قدرة على الإسهام.

وهنا يبرز السؤال: هل يصبح الفقر رفيق الدرب، يرافق الإنسان أينما حلّ في المجتمع أو في مُحيط العمل؟

في المجتمع، يُحرم كثيرون من التقدير في المواقف اليومية، وحتى في المناسبات الاجتماعية؛ حيث يُقاس الإنسان- لدى كثيرين- بما يملك من مال، أو ما يحمله من اسم أو منصب، لا بما يمتلكه من كفاءة وجهد أو ما يتحلى به من قيم ومبادئ. هذا الإهمال الصامت يترك أثرًا عميقًا في النفس، فيشعر الفرد بالوحدة وسط النَّاس، وكأنَّ جهوده تبقى غير مقدرة أو غير محسوبة، وكأنَّ الطريق أمامه يضيق مهما اتسعت المحاولة.

أما في بيئة العمل، فتبدو الصورة أكثر قسوة؛ فالفرد قد يمتلك الخبرة والمعرفة والمهارة، لكنه يظل خارج دائرة الفرص التي تتيح له التقدم أو تغيير مساره، لا لقصور فيه؛ بل لأن لا أحد التفت إليه أو منحه المساحة ليُظهر قدراته. فهناك من يقف طويلًا على أعتاب الفرص، حاضرًا في الجهد، غائبًا في القرار، لأنَّ الدعم لم يتوافر، ولأنَّ الأبواب لم تُفتح في الوقت المناسب.

وفي العمل، لا يكون الغياب دائمًا نتيجة نقص؛ بل أحيانًا نتيجة تجاوز. يظل بعضهم حاضرًا في الأداء، منضبطًا في الواجب، لكن حضوره لا يصل إلى حيث تُصنع القرارات. تمضي الفرص من جانبه بهدوء، لا لأن خطأً ارتُكب، وإنما لأن لحظة الاختيار لم تلتفت إليه.

في هذا المعنى، يتحوَّل الفقر من كونه نقصًا في الموارد إلى قيدٍ على الاعتراف والتقدير والفرصة ذاتها. إنه فقر يمنع الإنسان من أن يُرى كما هو، ويجعل التقدم صعبًا، لا بسبب ضعف في الإمكانات، بل بسبب معايير لا تنصف الجميع.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك من تمكَّن من كسر هذا القيد؛ سواء بدعم وُجد في لحظة فارقة، أو بقراءة واعية لفرص صغيرة تحولت مع الزمن إلى مسارات أوسع. هذه التجارب لا تُنكر قسوة الواقع، لكنها تؤكد أن الطريق، وإن كان ضيقًا، ليس مُغلقًا بالكامل.

وقد لا نتمكن من تغيير ثقافة المجتمع في تقدير الأفراد وفق المعايير السائدة، لكن يمكننا مراجعتها والحد من آثارها، دون أن يُعفي ذلك المجتمع من مسؤوليته؛ فثقافة التقدير والاختيار بحاجة إلى مراجعة جادة، وخصوصًا لدى أصحاب القرار. فكم من فرصة ضاعت، وكم من طاقة أُهدرت، لا لأن أصحابها أقل كفاءة، بل لأن الاعتراف لم يأتِ في وقته، أو لأن معايير التقييم انحرفت عن جوهرها. إن إعادة النظر في هذه المعايير قد تفتح أبوابًا جديدة للأمل، وتمنح المجتمع فرصة حقيقية للاستفادة من طاقات كامنة لم تتح لها الفرصة بعد.

وفي الختام.. يبقى السؤال مفتوحًا: هل الفقر رفيق الدرب؟ قد يكون كذلك أحيانًا، لا لضعف في الإنسان، بل لقسوة في الظروف والمعايير. وربما يكون التحدي الحقيقي ليس في قدرة الفرد على العطاء فقط، بل في قدرة المجتمع على أن يرى هذا العطاء، ويعترف به، ويمنحه المساحة التي يستحقها. ومع ذلك، يملك الإنسان خيارًا واحدًا لا يُنتزع منه: ألا يتوقف عن العطاء، وأن يُحافظ على معناه الإنساني، مهما ضاقت الظروف.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

التوبة.. عرض مسرحي يجسد صراع الإنسان مع أخطائه

قدمت مبادرة مسرح عُمان للمواهب مساء اليوم بقاعة المهلب بن أبي صفرة بولاية عبري العرض المسرحي "التوبة"، بحضور الشيخ سيف بن علي الزيدي عضو المجلس البلدي بمحافظة الظاهرة، وجمع من الأهالي والشباب ومحبي المسرح.

وحمل العرض المسرحي رسالة إنسانية تناولت رحلة الإنسان مع الخطأ والندم والبحث عن الخلاص، مؤكداً أن باب التوبة يظل الملاذ الأخير حين تضيق السبل وتتشابك الخيارات، وجاء العمل في قالب درامي، سلط الضوء على القيم الأخلاقية والاجتماعية، مستعرضاً التحولات التي يمكن أن تطرأ على حياة الإنسان عندما يراجع نفسه ويعيد النظر في مساراته.

والعمل من تأليف عامر النجار وإخراج مؤيد الشكيلي، وشارك في بطولته عدد من الممثلين الشباب هم: محمد الشكيلي، ومؤيد الشكيلي، وكوثر الكلباني، ومحمد الحبسي، وميثم القاسمي، وعبدالملك الحاتمي، وسالم المعمري، وعبدالعزيز الغافري.

وعلى هامش الفعالية ألقى عوض بن مرهون الغافري رئيس مجلس إدارة مبادرة مسرح عُمان للمواهب كلمة أكد فيها أن الهدف الذي انطلقت منه المبادرة يتمثل في الأخذ بأيدي الطاقات الشابة وإيجاد منصات حقيقية تبرز مواهبهم للمجتمع، مشيراً إلى أن هذا التوجه تجسد من خلال تنظيم عدد من الفعاليات، من بينها الأمسية الموسيقية التي احتضنتها ساحة عبري يارد، إلى جانب عرض مسرحية "التوبة".

وأوضح أن الشباب يمثلون الثروة الحقيقية للوطن، وأن مواهبهم تحتاج إلى رعاية مستمرة ودعم متواصل حتى تتمكن من النمو والازدهار، داعياً المؤسسات والأفراد إلى مساندة الشباب وتمكينهم من تطوير قدراتهم وصقل مهاراتهم بما يسهم في تمثيل سلطنة عُمان بصورة مشرفة في مختلف المحافل.

مقالات مشابهة

  • ندوة تستعرض دور الترجمة في بناء الجسور الحضارية
  • الولاية.. {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الحلقة الأولى
  • الكلاب الضالة قنابل بيولوجية تهدد الإنسان والثروة الحيوانية
  • حرية النباح!
  • متى سنرى هذا؟ «الأخيرة»
  • وزير الشباب: الأردن وضع الشباب في قلب مسارات الإصلاح
  • الفقر في ألمانيا يسجل مستوى قياسياً جديداً ويطال أكثر من 13 مليون شخص
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • التوبة.. عرض مسرحي يجسد صراع الإنسان مع أخطائه
  • الحج وثورة التوحيد.. من امتحان الذبيح إلى ميلاد الإنسان الحر