اتفاقية "الهند- الاتحاد الأوروبي".. فرصة لتعميق الشراكة الهندية الخليجية
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
عبدالنبي الشعلة **
على مدى ما يقارب نصف قرن، ظللتُ أؤكد في كتاباتي ولقاءاتي على أن الهند ليست مجرد دولة آسيوية كبرى، بل هي قوة صاعدة تحمل في داخلها إمكانات اقتصادية واستراتيجية هائلة، وأن تجاهل هذه الحقيقة أو التقليل من شأنها يفوّت على دول الخليج العربية فرصًا تاريخية للتنوع والشراكة وبناء مستقبل اقتصادي أكثر توازنًا.
ومن هذا المنطلق جاء حرصي المبكر على الدعوة إلى تطوير العلاقات الخليجية الهندية، كما جاءت مبادرتي المتواضعة للمشاركة في تأسيس "الجمعية البحرينية الهندية"، التي لا تزال قائمة حتى اليوم، إيمانًا مني بأن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط عبر القنوات الرسمية، بل أيضًا من خلال الجسور الثقافية والاقتصادية والمجتمعية.
اليوم، ومع توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الهند ودول الاتحاد الأوروبي، نجد أنفسنا أمام تطورٍ بالغ الأهمية لا يخص طرفي الاتفاق وحدهما، بل تمتد آثاره إلى دوائر أوسع، وفي مقدمتها منطقة الخليج العربي. فهذه الاتفاقية، التي وُصفت بأنها واحدة من أكبر الاتفاقيات التجارية في العالم من حيث الحجم والنطاق، تعكس تحوّل الهند إلى عقدة مركزية في الشبكة الاقتصادية الدولية، وتؤكد أن العالم بات ينظر إليها باعتبارها شريكًا لا يمكن تجاوزه في معادلات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا.
وقد توصل الفريقان إلى هذه الاتفاقية بعد نحو عقدين من المفاوضات المتقطعة، وتهدف إلى تقليص الحواجز التجارية بين أكبر ديمقراطيتين في العالم وواحدة من أقوى الكتل الاقتصادية على النطاق الدولي. وتغطي الاتفاقية منطقة تجارة حرة تضم حوالي ملياري شخص وتُمثل نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وثلث التجارة العالمية.
وليس من الصواب أن يُنظر إلى هذا الاتفاق على أنه منافس للعلاقات الهندية الخليجية أو بديل عنها. على العكس تمامًا، هو اتفاق يعزز من قيمة الهند كشريك اقتصادي، وكلما تعاظمت مكانة الهند عالميًا، زادت أهمية من يرتبط بها، وفي مقدمتهم دول مجلس التعاون الخليجي؛ فالهند بالنسبة للخليج ليست مجرد سوق تصدير أو استيراد، بل شريك استراتيجي متكامل الأبعاد؛ فهو مصدر رئيسي للأيدي العاملة بمختلف تخصصاتها، وشريك أساسي في الأمن الغذائي، ووجهة استثمارية واعدة، وسوق ضخم للبتروكيماويات والطاقة والمنتجات الخليجية.
أما الاتحاد الأوروبي، فهو شريك صناعي وتكنولوجي متقدم، وبذلك تتشكل أمامنا ملامح "مثلث اقتصادي استراتيجي": أوروبا بالتكنولوجيا والمعايير الصناعية، الهند بالتصنيع والسوق والعمالة، والخليج بالطاقة والتمويل والموقع الجغرافي.
هذا المثلث يمكن أن يتحول إلى واحدة من أقوى شبكات التعاون الاقتصادي في العالم خلال العقد المقبل.
إن الاتفاقية الأوروبية الهندية ستعزز، دون أدنى شك، مكانة الهند كمركز صناعي وتجاري عالمي، وستجذب إليها مزيدًا من الاستثمارات في قطاعات التصنيع المتقدم، والتكنولوجيا، والطاقة النظيفة، والدواء، والاقتصاد الرقمي. وهذا التطور يفتح أمام دول الخليج العربية فرصة مضاعفة؛ ليس فقط للتجارة مع الهند، بل للشراكة معها في الصناعات الموجهة إلى السوق الأوروبية.
بمعنى أدق، يمكن لرؤوس الأموال الخليجية أن تجد في الهند منصة تصنيع وتصدير نحو أوروبا، مستفيدة من الإعفاءات الجمركية والبيئة التنظيمية الجديدة التي أوجدتها الاتفاقية. وهنا ينتقل الخليج من موقع "المتعامل التجاري" إلى موقع "الشريك في سلسلة القيمة العالمية".
كما إن توسُّع التجارة بين الهند وأوروبا سيزيد من الحاجة إلى خدمات لوجستية متطورة، وموانئ ومناطق تخزين وإعادة تصدير، وتمويل تجاري وقطاع مصرفي نشط، وهي مجالات تمتلك فيها دول الخليج، وبالأخص البحرين والإمارات والسعودية، خبرات وبنية تحتية متقدمة تؤهلها للعب دور محوري.
ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى هذه الاتفاقية بوصفها حافزًا مباشرًا لدول مجلس التعاون الخليجي لتسريع خطواتها نحو توقيع اتفاقية تجارة حرة مع الهند، وهي مفاوضات طال الحديث عنها وتأخر إنجازها.
الهند اليوم تعيد ترتيب شبكتها من الشراكات الاقتصادية الكبرى، ومن الطبيعي أن تتطلع إلى أن تكون علاقتها بالخليج على مستوى موازٍ لعلاقتها بأوروبا.
إن أي تأخر خليجي في هذا المسار قد يفوّت فرصًا ثمينة في مجالات الاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدوائية والغذائية، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية.
الاتفاقية الهندية الأوروبية لا تقلل من أهمية الخليج للهند، بل تعززها؛ فالهند، مهما تنوعت شراكاتها، ستظل بحاجة إلى الخليج كمصدر موثوق للطاقة، وكمركز مالي واستثماري، وكممر جغرافي استراتيجي بين الشرق والغرب. والعلاقات هنا ليست علاقات إحلال أو استبدال، بل علاقات تراكم وتكامل.
بالنسبة لدولة مثل البحرين، فإن هذا التطور يحمل فرصًا خاصة؛ فالبحرين تمتلك قطاعًا ماليًا مرنًا ومتطورًا، وموقعًا جغرافيًا متميزًا في قلب الخليج، وخبرة في الخدمات الإقليمية، وعلى هذا الأساس يمكنها أن تتحول إلى منصة وسيطة بين الاستثمارات الخليجية المتجهة إلى الهند، والمشاريع الهندية الموجهة إلى أوروبا، سواء في التمويل التجاري أو الخدمات المصرفية أو إدارة الاستثمارات العابرة للحدود.
لقد كانت دعوتي المبكرة إلى توثيق العلاقة مع الهند نابعة من قراءة هادئة لمسار التاريخ والاقتصاد، وليس من حماسة عاطفية أو ظرف سياسي مؤقت. واليوم، تأتي هذه الاتفاقية لتؤكد أن الهند تسير بثبات نحو موقعها الطبيعي كإحدى أعمدة الاقتصاد العالمي. وكل من يحسن التموقُع مبكرًا إلى جوار هذه القوة الصاعدة، سيجني ثمارًا استراتيجية طويلة الأجل.
الخلاصة التي يمكن التوصل إليها ببساطة ووضوح هي أن اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي ليست حدثًا أوروبيًا- هنديًا فحسب؛ بل هي رسالة إلى العالم، وإلى الخليج تحديدًا، بأن الهند أصبحت مركز ثقل اقتصادي عالمي. ومن الحكمة أن نتعامل مع هذا التحول لا بوصفه تطورًا خارجيًا، بل فرصة مباشرة لتعميق شراكتنا معها، وتحديث أدواتنا الاقتصادية، والانتقال بعلاقاتنا من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المتكاملة؛ وهذا، في جوهره، ما دعوت إليه منذ عقود، وما أراه اليوم يقترب أكثر من أي وقت مضى من أن يتحول إلى واقع ملموس.
** كاتب بحريني
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
31 ميدالية للإمارات في المحافل الخليجية والعربية والآسيوية خلال شهرين
أعلن اتحاد الإمارات لألعاب القوى، أن المنتخبات الوطنية حققت حصاداً مميزاً بلغ 31 ميدالية في البطولات الخليجية والعربية والآسيوية خلال شهري أبريل ومايو 2026، في تأكيد جديد على التطور المتواصل للعبة، والنجاح المتنامي لبرامج إعداد وصقل المواهب الوطنية.
وأوضح الاتحاد، في تقرير أصدره أمس، أن المنتخب الوطني حصد 15 ميدالية في دورة الألعاب الخليجية “الدوحة 2026” التي أقيمت خلال الفترة من 11 إلى 22 مايو الماضي، بواقع ذهبيتين و4 فضيات و9 برونزيات.
كما أحرز المنتخب 10 ميداليات في البطولة العربية الحادية والعشرين للشباب والشابات تحت 20 عاماً التي استضافتها تونس في الأسبوع الأخير من أبريل الماضي، بواقع خمس ذهبيات وفضية واحدة وأربع برونزيات.
وأضاف أن المنتخب واصل تألقه في بطولة آسيا الثانية والعشرين تحت 20 عاماً في هونغ كونغ خلال الفترة من 28 إلى 31 مايو الماضي، بعدما حصد 6 ميداليات بواقع 5 ذهبيات وبرونزية، إلى جانب تحقيق المركز الرابع في الترتيب العام بين 30 دولة مشاركة.
وأكد اللواء الدكتور محمد عبدالله المر، رئيس اتحاد الإمارات لألعاب القوى، أن النجاحات التي تحققت على المستويات الخليجية والعربية والآسيوية تعكس المسار التنافسي الصحيح للمنتخبات الوطنية، والتطور المتواصل في مختلف مسابقات السرعة والتتابع والميدان، مشيراً إلى أن الإنجازات تضمنت تسجيل أرقام قياسية جديدة للدولة وأخرى قارية وعالمية، بما يؤكد امتلاك الإمارات قاعدة قوية من المواهب القادرة على المنافسة أمام أبرز المنتخبات.
وقال إن لاعبي ولاعبات المنتخبات الوطنية أظهروا قدرة كبيرة على التعامل مع ضغوط المنافسات المختلفة، ما يعكس جودة العمل الفني خلال السنوات الماضية ونجاح الخطط التطويرية وسياسات اكتشاف المواهب وصقلها وإعدادها وفق أفضل المعايير، بدعم اللجنة الأولمبية الوطنية ووزارة الرياضة.
وأشار إلى أن التحدي المقبل يتمثل في المحافظة على وتيرة التطور ومواصلة التقدم نحو المنافسات العالمية، بما يعزز مكانة دولة الإمارات في ألعاب القوى، ويؤكد قدرتها على تحقيق نتائج وإنجازات تتجاوز التوقعات بالتعاون مع الأندية والمجالس الرياضية.
ونوّه المر بالنتائج المميزة التي تحققت في البطولة الآسيوية بهونغ كونغ، وفي مقدمتها إنجازات سليمان عبدالرحمن في سباق 400 متر رجال بزمن 44.85 ثانية، وأمينات قمر الدين في 400 متر سيدات بزمن 52.72 ثانية، ومريم كريم في 400 متر حواجز سيدات بزمن 56.93 ثانية، وعبدالقدوس أحمد علي في 200 متر رجال بزمن 20.85 ثانية.
كما أشاد بإنجاز فريق التتابع المختلط 4×400 متر المكون من سعيد عمر، وأمينات قمر الدين، وسليمان عبدالرحمن، ومريم كريم، والذي سجل رقماً قياسياً للبطولة بلغ 3:18.81 دقيقة، إضافة إلى تألق سلمى هيثم المري، في رمي المطرقة للسيدات بمسافة 55.42 متر، وأروى علي، في سباق 100 متر سيدات بزمن 11.92 ثانية، وليلى أحمد، بزمن 11.99 ثانية، وعائشة طارق محمد، في 400 متر سيدات بزمن 54.27 ثانية، فضلاً عن فريق التتابع 4×100 متر سيدات المكون من ليلى سيف، وأروى علي، وعزة ناصر، وعائشة طارق، والذي سجل زمناً قدره 45.86 ثانية. وام