جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@21:01:10 GMT

جمال حمدان.. قاهر الصهيونية

تاريخ النشر: 1st, February 2026 GMT

جمال حمدان.. قاهر الصهيونية

 

 

 

محمد بن سلطان الساعدي

 

يُعد المُفكِّر والجغرافي المصري الدكتور جمال حمدان (1928- 1993) واحدًا من أبرز العقول العربية التي واجهت المشروع الصهيوني من زاوية علمية ومعرفية، بعيدًا عن الشعارات السياسية أو الخطابات الانفعالية. وقد شكّلت كتاباته- ولا سيما تحليلاته المتعلقة باليهود وإسرائيل- مرجعًا فكريًا مهمًا في تفكيك الأسس التي قامت عليها الصهيونية بوصفها مشروعًا استيطانيًا استعماريًا يتعارض مع قوانين التاريخ والجغرافيا.

ولم يكن اهتمام جمال حمدان بالصهيونية موقفًا أيديولوجيًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لمنهجه البحثي، الذي تعامل مع الجغرافيا باعتبارها علمًا شاملًا يفسر حركة الشعوب وصعود الدول وسقوطها.

منهج علمي في مواجهة السردية الصهيونية

اعتمد جمال حمدان في تناوله لليهود وإسرائيل على منهج تحليلي صارم، جمع بين الجغرافيا السياسية، والتاريخ، والديموغرافيا، والأنثروبولوجيا. وقد مكّنه هذا المنهج من تقديم قراءة مغايرة للسردية الصهيونية التي طالما روجت لفكرة «الشعب اليهودي الواحد» و«الحق التاريخي في الأرض».

وأكد حمدان- في أكثر من دراسة ومقال- أن اليهود، من الناحية العلمية، لا يشكّلون عِرقًا واحدًا متجانسًا، بل ينتمون إلى أصول إثنية وجغرافية متعددة، وهو ما يُسقط الادعاء الصهيوني القائم على وحدة الدم والعرق. وميّز بوضوح بين اليهودية كديانة سماوية، والصهيونية كحركة سياسية حديثة وظّفت الدين لخدمة مشروع استيطاني.

تفكيك أسطورة «الشعب المختار»

ومن أبرز القضايا التي تناولها جمال حمدان تفكيك مفهوم «الشعب المختار»، الذي اعتبره حجر الأساس في الفكر الصهيوني. وأوضح أن هذا المفهوم لا يستند إلى معطيات تاريخية أو علمية؛ بل إلى تأويلات دينية جرى توظيفها سياسيًا لتبرير الاحتلال وفرض الأمر الواقع.

وأشار إلى أن التكوين السكاني في إسرائيل يعكس حالة من التناقض الداخلي بين يهود الشرق ويهود الغرب، سواء على المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وهو ما يُضعف فكرة الانسجام القومي التي تدّعيها الدولة العبرية.

إسرائيل في مواجهة الجغرافيا

وفي تحليله الجغرافي لإسرائيل، قدّم جمال حمدان رؤية اعتبرها كثير من الباحثين من أخطر ما كُتب عن الكيان الصهيوني. فقد وصف إسرائيل بأنها «دولة ضد الجغرافيا»؛ أي أنها كيان سياسي لا ينسجم مع محيطه الطبيعي ولا مع امتداداته البشرية والحضارية.

وبيّن أن قيام إسرائيل اعتمد على الهجرة المنظمة والدعم الخارجي أكثر من اعتماده على التجذر الطبيعي في المكان، وهو ما يجعلها- وفق تحليله- دولة تعاني هشاشة بنيوية، مهما امتلكت من تفوق عسكري أو تكنولوجي. وأكد أن غياب العمق الجغرافي، والتناقض السكاني، والاعتماد المستمر على القوى الكبرى، كلها عوامل تجعل المشروع الصهيوني مشروعًا مؤقتًا بطبيعته.

لكن.. لماذا شكّلت كتابات حمدان إزعاجًا لإسرائيل؟!

لم تَحظَ كتابات جمال حمدان بانتشار واسع في الأوساط الأكاديمية الغربية، على الرغم من قيمتها العلمية، وهو ما يفسّره كثيرون بكون أفكاره قدّمت نقدًا جذريًا للمشروع الصهيوني يصعب دحضه علميًا؛ فهو لم يكتفِ بانتقاد السياسات الإسرائيلية، بل ذهب إلى ما هو أعمق، حين شكك في الأسس الفكرية والأنثروبولوجية التي قامت عليها الدولة نفسها، وهو ما جعل أفكاره تُعدّ مصدر إزعاج حقيقي للخطاب الصهيوني.

راهنيّة فكر جمال حمدان

ومع تصاعد الأزمات الداخلية في إسرائيل، وتزايد الانقسامات المجتمعية والسياسية، تعود كتابات جمال حمدان إلى الواجهة بوصفها قراءة استشرافية سبقت زمنها. فالكثير مما حذّر منه، بات اليوم موضوع نقاش داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته. ويرى باحثون أن إعادة قراءة أعمال جمال حمدان تمثل ضرورة ثقافية وفكرية في ظل محاولات إعادة صياغة الرواية التاريخية في المنطقة، وطمس الحقائق المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

وأخيرًا.. لم يكن جمال حمدان مفكرَ مواجهةً بالمعنى التقليدي، لكنه كان صاحب مشروع معرفي هادئ، واجه الصهيونية بأدوات العلم والعقل، لا بلغة الشعارات. ومن هنا، استحق أن يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز من كشفوا زيف المشروع الصهيوني من الداخل.

ويبقى جمال حمدان حاضرًا في الذاكرة الفكرية العربية، ليس فقط كجغرافي بارز؛ بل كمفكر أسهم بعمق في معركة الوعي، وترك إرثًا معرفيًا لا يزال قادرًا على إضاءة الحاضر واستشراف المستقبل.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

تصدع المشروع الصهيوني العالمي

المشروع الصهيوني العالمي الذي يهدف إلى هيمنة الكيان الصهيوني على مقدرات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بدأت ملامحه في التصدع، خاصة أن الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران كان يهدف منها إلى تغيير النظام الإيراني والقضاء على العقبة الكبرى لتنفيذ ملامح ذلك المشروع الصهيوني.

الخطة الأمريكية الإسرائيلية كانت تهدف إلى القضاء على النظام الإيراني وحركات المقاومة لتبدو المنطقة جاهزة لانطلاق المشروع الذي تحدث عنه المتطرف نتنياهو وعرض من خلاله إسرائيل الكبرى على الخريطة، حيث يتم تمدد الكيان الصهيوني إلى مناطق واسعة من الجغرافيا العربية والإسلامية وفرض هيمنة الكيان الإسرائيلي على الشرق الأوسط الجديد وتنفيذ المخطط الأساسي لإنهاء القضية الفلسطينية والسيطرة على مقدرات المنطقة. إن الصدمة الأمريكية الإسرائيلية كانت كبيرة عندما فشلت الضربة العسكرية الأولى في تغيير النظام من خلال خلق فوضى عارمة وخروج ملايين من الشعب الإيراني والقضاء على القيادات العسكرية والمدنية.

ومع تماسك النظام الإيراني وامتصاص الضربة الأولى والرد العسكري الكبير من قبل إيران على القواعد العسكرية الأمريكية واشتعال الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب آخر تحولت تلك الحرب إلى حرب استنزاف، خاصة بعد غلق مضيق هرمز وتأثر الملاحة، وبالتالي التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وارتفاع سعر الطاقة وخلق حالة من عدم الاستقرار والسلام في المنطقة.

وشعرت الإدارة الأمريكية بأن الحرب تحولت إلى صراع إرادات وأن هناك خسائر أمريكية بشرية، وإسقاط أكثر من ٤٠ طائرة، علاوة على فشل عملية أصفهان للحصول على اليورانيوم المخصب.

إن معاناة المنطقة على صعيد إشعال الحروب يعود إلى غطرسة القيادات العسكرية الإسرائيلية؛ حيث إن نتنياهو خلال عقدين دخل في حروب عديدة مع حزب الله عام ٢٠٠٠ وعام ٢٠٠٦ وعام ٢٠٢٣ والحرب الحالية، كما دخل نتنياهو حربا معقدة ضد حركة حماس بعد أكبر كارثة عسكرية تعرض لها الكيان الصهيوني في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣.

إذن مشكلات المنطقة سببها الكيان الصهيوني الذي يشعل الحروب ويرفض كل مبادرات السلام التي تقدم بها الجانب العربي، خاصة المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت العربية عام ٢٠٠٢، علاوة على استعداد الجانب العربي لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي من خلال إيجاد الحل الشامل والعادل بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية وإرساء قواعد السلام.

الكيان الصهيوني منذ قيامه عام ١٩٤٨وهو ينكل بالشعب الفلسطيني وينتهك حقوق الإنسان في فلسطين المحتلة، فقد ارتكب الاحتلال الإسرائيلي إبادة جماعية وانتهاكات خطيرة خلال الحرب على قطاع غزة؛ حيث استشهد أكثر من ٧٥ ألف إنسان من المدنيين من الأطفال والنساء، إلى جانب تدمير البنية الأساسية لقطاع غزة في جريمة كبرى ارتكبها الجيش الإسرائيلي وأركان الكيان الصهيوني.

ولعل إصدار مذكرة اعتقال من قبل محكمة الجنايات الدولية لنتنياهو وجالانت وزير الدفاع السابق هو دليل على جرائم الحرب البشعة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي والعسكريون في الكيان المحتل.

إن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا يمكن أن تستقر دون إجبار الكيان الإسرائيلي من الانسحاب من الأراضي الفلسطينية ومن جنوب لبنان والجولان السوري المحتل وبدون هذا الانسحاب سوف تظل المنطقة عرضة لمزيد من اشتعال الحروب والصراعات الإقليمية.

نتنياهو ورط الرئيس الأمريكي ترامب في الدخول في حرب ضد إيران رغم أن واشنطن ليست مهددة من إيران، ومن هنا؛ فإن الرئيس الأمريكي ترامب في موقف صعب ومعقد؛ فقد فشل في تحقيق نصر شامل ضد إيران، كما أن الاقتصاد الأمريكي يعاني الأمرين، وارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن الاقتصاد العالمي يعاني من أضرار كبيرة، وسلاسل الإمداد متأثرة، ورغم المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلا أن طهران متمسكة بثوابتها من خلال خطة تفاوض واضحة تنهي الحرب أولا في كل ساحات القتال، خاصة في لبنان علاوة على إيران.

قضية التطبيع فشلت على الصعيد العربي؛ حيث إن التطبيع المجاني دون حل الدولتين هو أمر مرفوض، كما أن الغطرسة الإسرائيلية تعد عقبة كبيرة أمام تحقيق الشعب الفلسطيني أحلامه المشروعة في إيجاد دولته المستقلة ذات السيادة.

إذن من أهم نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هو تصدع المشروع الصهيوني العالمي، وسوف تخرج إيران وحزب الله أكثر قوة، ومن هنا؛ فإن مجمل التحليل حول الصراع والحرب في الشرق الأوسط لا يمكن أن ينتهي دون الحل الشامل والعادل والمنصف.

الحرب الأمريكية الإيرانية أصبحت في حكم المنتهي؛ لأن واشنطن فشلت في تحقيق أهداف المشروع الصهيوني العالمي الذي تعد إسرائيل فيه هي رأس الحربة من خلال إزالة العقبة الكبرى الأخيرة وهي إيران، ثم إطلاق مشروع التطبيع وتصفية القضية الفلسطينية، وتحويل قطاع غزة إلى منطقة استثمارات وبالتالي تتحكم وتتمدد إسرائيل إلى الجغرافيا العربية والإسلامية على ضوء الخريطة التي يحلم بها نتنياهو وحكومته المتطرفة.

كما أن هيبة الدولة الأمريكية أصبحت في مهب الريح بعد أن ورط نتنياهو الرئيس الأمريكي ترامب في دخول حرب عبثية سوف تعاني منها واشنطن وقد تكون العامل الأهم في سقوط الحزب الجمهوري خلال الانتخابات النصفية للكونجرس في شهر نوفمبر القادم.

وإذا ما حدث ذلك فإن الرئيس الأمريكي ترامب سوف يكون عاجزا عن تنفيذ أجندته السياسية التي أوصلته إلى البيت الأبيض من خلال دعم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن الحزب الجمهوري قد يفشل في المحافظة على البيت الأبيض خلال الانتخابات القادمة بعد سنتين ونصف وانتهاء فترة ترامب المثير للجدل.

من هنا، فإن صحّت تلك التوقعات فإن الرئيس الأمريكي ترامب يكون قد دفع ثمنا سياسيا كبيرا على صعيد طموحه السياسي أولا، وأيضا على صعيد حزبه الجمهوري، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني على صعيد التضخم وارتفاع أسعار البنزين والدين العام، وكل ذلك الضرر تسببت به سياسات ترامب.

ومع ظهور ملامح تصدع المشروع الصهيوني بعد رفض الدول العربية التطبيع دون حل الدولتين فإن الرئيس الأمريكي ترامب يواجه ضغوطا داخلية معقدة اقتصاديا، وعلى صعيد الموقف العسكري مع إيران، وفي ظل فشل الحماية الأمريكية خلال الحرب، فإن ذلك يحتم على الدول العربية تقييم العلاقات مع إدارة ترامب.

كما أن الكيان الإسرائيلي قد تلقى ضربة موجعة قد تؤدي إلى انتهاء طموحات المتطرف نتنياهو بعد مرور عقدين من إشعال الحروب والصراعات الإقليمية في المنطقة؛ ومن هنا فإن تصدع المشروع الصهيوني يفرض على الدول العربية إيجاد استراتيجية موحدة لحماية الأمن القومي العربي وحماية الهوية الوطنية، والحفاظ على المقدرات، بعيدا عن المشروع الصهيوني العالمي الخبيث الذي يستهدف الأمة العربية والإسلامية وأجيالها وثرواتها.

مقالات مشابهة

  • تصدع المشروع الصهيوني العالمي
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • نادي الأسير الفلسطيني: ارتفاع عدد الأسيرات إلى 89 داخل السجون الصهيونية
  • عرض خاص لفيلم “بومة” في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام
  • حمدان بن محمد يطّلع على خطط دائرة الاقتصاد والسياحة لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي
  • حمدان بن محمد يصدر قراراً بشأن تنظيم استخدام الكاميرات في توثيق مهام ضبط المخالفات وإجراءات تنفيذ الأحكام
  • حمدان بن محمد: مستمرون في دعم اقتصادنا وقطاعنا السياحي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش