في عهد ترمب.. مطاردة المهاجرين في أمريكا بسلاح الذكاء الاصطناعي
تاريخ النشر: 1st, February 2026 GMT
بينما تنشغل شاشات التلفزة العالمية بنقل صور المواجهات الدامية في شوارع مينيابوليس، والذعر الذي خلفته عمليات "شرطة الهجرة" التابعة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، توجد حقيقة أكثر رعبا تجري خلف الشاشات المظلمة في مراكز البيانات، فهناك، لا تقاد عمليات الترحيل ببنادق الشرطة أولا، بل بخوارزميات صامتة تحول المهاجرين إلى طرود بشرية في نظام لوجستي فائق السرعة.
في قلب هذا النظام تقبع شركة "بالانتير" (Palantir)، وعلى الرغم أن قيمتها السوقية تجاوزت 400 مليار دولار، إلا أنها تظل الشبح الذي لم ينضم رسميا لنادي "غافام" (GAFAM) الشهير الذي يضم شركات غوغل وأبل وفيسبوك وأمازون ومايكروسوفت.
وتخصُّص بالانتير ليس بيع الإعلانات أو الهواتف، بل معالجة "البيانات الضخمة" (Big Data) لصالح أجهزة المخابرات والجيوش، وهي تعد اليوم العمود الفقري لآلة الترحيل الجماعي الأمريكية، فلولا قدرتها على معالجة أطنان البيانات، لما تمكنت الإدارة الأمريكية من تنفيذ عملياتها بهذا الإيقاع المتسارع، وفقا لتقرير صحيفة لاكروا الفرنسية.
تعتمد وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك "آي سي إي" (ICE) على منصة "إميغريشن أو إس" (ImmigrationOS) المملوكة لبالانتير، حيث تعمل هذه المنصة كعقل مدبر يقوم بـ:
تقاطع البيانات: دمج معلومات التأشيرات منتهية الصلاحية مع السجلات المدنية والمكانية. التتبع اللحظي: مراقبة الأشخاص الذين يغادرون البلاد "طوعا" لضمان خروجهم الفعلي. رسم خرائط الأهداف: كشفت تسريبات "404 ميديا" (404 Media) عن تطوير أداة تمنح كل عنوان "درجة ثقة" (Confidence Score). إذا ارتفعت هذه الدرجة، تتحرك قوات الـ"آي سي إي" فورا للمداهمة، مما يقلل من احتمالات الخطأ اللوجستي ويزيد من وتيرة الاعتقالات. إعلانوإضافة لذلك، لم يعد الترحيل مجرد إجراء قانوني، بل تحول إلى عملية لوجستية يسعى مدير وكالة "آي سي إي" تود ليونز لجعلها تشبه خدمة "أمازون برايم" ولكن مع البشر.
وهذا التوجه فتح الباب أمام شركات مثل "جيو غروب" (Geo Group) و"كور سيفيك" (CoreCivic) والشركة الفرنسية "كابجيميني" (Capgemini) للمشاركة في كعكة الأرباح، عبر تقديم خدمات تحديد المواقع الجغرافية وتخطيط الاحتجاز.
هذه "الخصخصة" خلقت ضغوطا هائلة، حيث هدد البيت الأبيض بفصل المسؤولين الذين لا يحققون حصة اعتقالات تصل إلى 3 آلاف أشخاص يوميا. والنتيجة؟ اعتقالات عشوائية بالجملة.
فوفقا لشبكة "إن بي سي" (NBC)، فإن ثلث المعتقلين، أي نحو 75 ألف شخص في 10 أشهر، ليس لديهم أي سجل جنائي، مما يثبت أن الهدف ليس "المجرمين الخطرين" كما يروج، بل تعبئة الأرقام والبيانات، بحسب تقرير الشبكة.
ويؤكد الصحفي أوليفييه تيسكيه أن هذا الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ليس خللا تقنيا، بل هو ميزة مقصودة، والخوارزمية تمنح عمليات القمع صبغة من الموضوعية الزائفة. فهي تستهدف الفئات الأضعف والأسهل تتبعا رقميا لخلق حالة من "الخوف الشامل" أو ما يعرف بدولة "العلم الكلي" (Omniscient State)، مما يدفع المهاجرين للمغادرة بمحض إرادتهم هربا من ملاحقة لا تنام.
لا يقتصر خطر "بالانتير" على المهاجرين في أمريكا، ففي فرنسا، تم تجديد التعاون بين الشركة والمديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI) لمدة 3 سنوات إضافية. وهذا التغلغل يثير مخاوف حقوقية كبرى من أن تتحول هذه الخبرة "الخوارزمية" يوما ما لتستهدف المواطنين الفرنسيين، لاسيما أولئك من أصول مهاجرة، تحت ذريعة الأمن القومي.
وعليه، يرى المراقبون أن ما يراه العالم في مينيابوليس هو مجرد قمة جبل الجليد، وإن "البعد الخوارزمي" لعمليات الترحيل يعني أن المعركة لم تعد تدور حول القانون أو الجريمة، بل حول من يمتلك البيانات ومن يملك القدرة على تحويلها إلى سلاح، بالتالي أصبح العالم في حقبة الترحيل بضغطة زر، حيث تختفي الإنسانية خلف الأرقام والخرائط الرقمية.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
هل يهدد الذكاء الاصطناعي أرباح صناع المحتوى على يوتيوب؟
بين كتابة النصوص، والتعليق الصوتي، والمونتاج، وتصميم الصور المصغرة، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً في معظم مراحل إنتاج الفيديوهات على يوتيوب، الأمر الذي أثار مخاوف صناع المحتوى بشأن مصير إيراداتهم من الإعلانات.
أصدرت يوتيوب توضيحات جديدة لسياسات تحقيق الدخل التي بدأ تطبيقها منتصف يوليو (تمًّوز)، وأكدت خلالها أن الذكاء الاصطناعي ليس سبباً مباشراً لفقدان الأرباح، ويرتبط الأمر بطريقة استخدامه.
القنوات التي تقدم رؤية خاصة وتحليلاً وتجارب يصعب تكرارها ستظل الأقدر على الحفاظ على عائداتها، ويرتفع خطر فقدان الإعلانات عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة مساعدة إلى بديل كامل عن الإبداع البشري.
ولحسم هذا الجدل، أصدرت المنصة توضيحات جديدة لسياسات تحقيق الدخل التي بدأ تطبيقها منذ منتصف يوليو (تموز) الجاري، أكدت خلالها أن الذكاء الاصطناعي ليس سبباً مباشراً لفقدان الأرباح، وإنما يرتبط الأمر بطريقة استخدامه؛ فالفيديوهات التي تعتمد على قوالب متكررة وإنتاج واسع النطاق من دون قيمة مضافة أو معالجة أصلية من صانع المحتوى نفسه قد تصبح غير مؤهلة لتحقيق الدخل.
لهذا، أعادت المنصة تسمية سياسة "المحتوى المتكرر" إلى "المحتوى غير الأصيل"، في خطوة تستهدف توضيح المعايير المطبقة بالفعل، وليس استحداث قواعد جديدة.
كما أشارت إلى أن التقييم لا يكون لفيديو بعينه، إنما تنظر إلى القناة بوصفها وحدة متكاملة، فتراجع موضوعها الرئيسي، وأكثر المقاطع مشاهدة، وأحدث الفيديوهات المنشورة، إضافة إلى العناوين والوصف والبيانات التعريفية، لرصد ما إذا كان المحتوى يعكس مساهمة حقيقية من صاحبه، أم يعتمد على إنتاج آلي متكرر.
3 أنواع من المحتوى تحت المجهروحددت يوتيوب ثلاثة أنماط رئيسية من المحتوى تعرّض القنوات لفقدان الإعلانات، يأتي في مقدمتها المحتوى النمطي أو المتكرر، مثل الفيديوهات التي تعتمد على قالب واحد مع تعديلات طفيفة، أو عروض الشرائح المصحوبة بتعليق محدود، أو النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي من دون إضافة رأي أو تحليل أو تجربة يقدمها صاحب القناة.
وتضم الفئة الثانية المحتوى الذي يعتمد على الإثارة أو الصدمة لجذب المشاهدات، بما في ذلك القصص المتشابهة، والصور المضللة، والمقاطع التي تفتقر إلى تسلسل منطقي أو سرد متماسك. والفئة الثالثة، تتعلق باستخدام شخصيات أو مقدمي برامج مولدين بالذكاء الاصطناعي في موضوعات حساسة مثل الصحة، القانون، المال والسياسة، إذا جرى تقديمهم على أنهم خبراء حقيقيون، بما يضلل المشاهدين ويؤثر بالسلب على حياتهم الشخصية.
لذلك توصي المنصة بعدم استخدام الألقاب أو الملابس أو التصاميم التي تمنح المشاهد انطباعاً خاطئاً بشأن حقيقة هذه الشخصيات، مع ضرورة توضيح أنها شخصيات خيالية إذا كانت تستخدم لأغراض تعليمية أو ترفيهية.
الإبداع للإنسان.. والأداة للتنفيذ
ولم تغفل يوتيوب التأكيد على أن استخدام قالب ثابت أو هوية بصرية موحدة للقناة لا يمثل مخالفة في حد ذاته، فالكثير من القنوات الناجحة تعتمد أسلوباً ثابتاً في التقديم والإخراج، لكن الفارق يكمن في مضمون كل فيديو. لهذا تنصح المنصة صناع المحتوى بمراجعة مقاطعهم المصورة بصورة دورية، ومقارنة الحلقات الحديثة ببعضها، للتأكد من أن كل فيديو يبدأ بسؤال مختلف، أو يناقش فكرة جديدة، أو يقدم تجربة أو معلومة لا يمكن استبدالها بسهولة بفيديو آخر.
أيضاً لا ترى يوتيوب مشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة في إعداد الأفكار، أو كتابة المسودات الأولية، أو تصميم الصور، أو إعداد الترجمة والرسوم التوضيحية، طالما بقيت مسؤولية البحث والتحقق والتحرير النهائي في يد صانع المحتوى.
وتشدد المنصة على أن العنصر البشري يظل العامل الحاسم في تقييم أهلية الفيديو لتحقيق الدخل، سواء من خلال التحليل، أو الشرح، أو التصوير الأصلي، أو التجارب، أو المقابلات، أو أي إضافة تجعل المحتوى مختلفاً عن المواد التي يمكن إنتاجها بصورة آلية.
مستر بيست يدخل التاريخ.. أول صانع محتوى يتجاوز 500 مليون مشترك على يوتيوب - موقع 24سجّل صانع المحتوى الأمريكي الشهير مستر بيست (جيمي دونالدسون) إنجازاً تاريخياً جديداً على منصة يوتيوب، بعدما أصبح أول صانع محتوى يتجاوز حاجز 500 مليون مشترك، في رقم قياسي غير مسبوق يعكس حجم شعبيته العالمية وتأثيره المتنامي في صناعة المحتوى الرقمي.
في الوقت ذاته، توضح يوتيوب أن الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يحسم مصير الإعلانات على الفيديو؛ فلا يؤدي وحده إلى حرمانه من تحقيق الدخل، كما لا يضمن له الاحتفاظ به، إذ يخضع المحتوى في النهاية لمعايير التقييم المعتمدة لدى المنصة.
في المقابل، يؤدي عدم الإفصاح عن المحتوى الاصطناعي إلى اتخاذ إجراءات ضد القناة، خاصة إذا تعلق الأمر بموضوعات مثل الانتخابات أو الكوارث أو النزاعات أو القضايا الصحية والمالية، لما قد يترتب عليها من تضليل للمشاهدين.
كيف تتجنب فقدان الإعلانات؟ولتجنب فقدان أهلية تحقيق الدخل، تنصح يوتيوب صناع المحتوى بمراجعة القناة بشكل منتظم، وعدم التركيز فقط على الفيديوهات الجديدة، إذ يعتمد تقييم المنصة على الصورة العامة للمحتوى وطبيعة النمط الذي تتبعه القناة بالكامل.
كما تشجع على الاعتماد على مصادر موثوقة وتوثيق المعلومات المستخدمة، مع إضافة قيمة واضحة في كل فيديو من خلال التحليل أو التعليق أو التجارب الأصلية، إلى جانب التأكد من أن العناوين والصور المصغرة تعكس مضمون المحتوى بدقة، بعيداً عن المبالغة أو تقديم وعود لا يقدمها الفيديو فعلياً.
لأول مرة.. يوتيوب يزيح نتفليكس من صدارة وقت المشاهدة اليومية عالمياً - موقع 24سجّل موقع يوتيوب إنجازاً جديداً في سوق الفيديو الرقمي بعدما تفوّق للمرة الأولى على منصة نتفليكس من حيث متوسط وقت المشاهدة اليومي عالمياً، ليصبح المنصة الأكثر استحواذاً على انتباه المستخدمين حول العالم خلال عام 2025.
وتولي المنصة اهتماماً خاصاً بالمقاطع الأكثر مشاهدة، باعتبارها جزءاً أساسياً من الصورة التي تُقيّم على أساسها القناة، لذلك توصي بمراجعة هذه الفيديوهات وإعادة تطوير أو حذف المحتوى الذي يعتمد على التكرار أو يفتقر إلى إضافة تحريرية واضحة.
وفي النهاية، تؤكد يوتيوب أن الذكاء الاصطناعي سيظل أداة مهمة في مستقبل صناعة المحتوى، لكنه لا يمكن أن يحل محل دور صانع المحتوى؛ فالقنوات التي تقدم رؤية خاصة وتحليلاً وتجارب يصعب تكرارها ستظل الأكثر قدرة على الحفاظ على عائداتها، بينما يرتفع خطر فقدان الإعلانات عندما يتحول الذكاء الاصطناعي من وسيلة مساعدة إلى بديل كامل عن الإبداع البشري.