الجزيرة:
2026-06-02@23:39:16 GMT

الأمل في المشروع العربي وسط عالم متصارع

تاريخ النشر: 2nd, February 2026 GMT

الأمل في المشروع العربي وسط عالم متصارع

على امتداد القرن الأخير، لم تكن المنطقة العربية يوما مساحة فراغ في السياسة الدولية، ولا هامشا خاملا في حركة التاريخ. على العكس، كانت واحدة من أكثر مناطق العالم ازدحاما بالمشاريع الكبرى: مشاريع إمبراطورية قديمة وحديثة، تصورات إقليمية عابرة للحدود، رؤى أيديولوجية متنافسة، وأجندات أمنية واقتصادية ودينية متداخلة.

كانت المنطقة دائما في قلب خطوط الملاحة، وممرات الطاقة، وتقاطعات التجارة، ومراكز التأثير الحضاري. ومع ذلك، وسط هذا الزحام الكثيف للمشاريع، يبرز سؤال مقلق يكاد يكون غائبا عن النقاش العام:

أين هو المشروع العربي؟

المشكلة ليست في أن الآخرين يملكون مشاريع. هذا منطق السياسة والتاريخ، ولا يمكن لعالم تنافسي أن يخلو من طموحات ومبادرات ومصالح متعارضة.

المشكلة الحقيقية أن الفضاء العربي، بكل ثقله الجغرافي والبشري والاقتصادي والثقافي، دخل مرحلة التحولات الكبرى من دون مشروع جامع يعرف مصالحه، ويحدد أولوياته، ويرسم خطوطه الحمراء، ويضبط حدود استخدام أرضه ومجتمعاته في صراعات الآخرين.

وبهذا المعنى، تحولت المنطقة تدريجيا من شريك محتمل في صياغة المستقبل الدولي إلى ساحة تنفيذ لمشاريع غيرها، تدار فوق أرضها وبمواردها وبمجتمعاتها.

حين يغيب المشروع، لا يبقى الفراغ فارغا. التاريخ لا يعرف الفراغ السياسي. المساحات غير المؤطرة ذاتيا تملأ تلقائيا برؤى الآخرين.

وهذا ما حدث بالفعل. تحولت دول عربية إلى مسارح صراع لتصفية حسابات دولية وإقليمية، وأصبحت مجتمعات بكاملها خطوط تماس جيوسياسية مفتوحة، واستخدمت الانقسامات الدينية والطائفية والإثنية بوصفها أدوات إدارة صراع لا مكونات تنوع طبيعي، واستنزفت الموارد في حروب لا تعبر بالضرورة عن أولويات الشعوب ولا عن مصالحها طويلة المدى.

في كثير من الأحيان لم نكن طرفا فاعلا في المعادلة، بل موضوعا لها. ليس لأن المنطقة تفتقر إلى الإمكانات، بل لأن الإطار الذي يحول الإمكانات إلى مشروع سياسي-إستراتيجي كان غائبا أو هشا أو منقسما.

إعلان

غالبا ما يساء فهم أي حديث عن "مشروع عربي" باعتباره دعوة إلى محور جديد، أو اصطفاف صدامي، أو أيديولوجيا مغلقة تعيد إنتاج أوهام التعبئة القديمة.

غير أن المشروع المطلوب اليوم لا ينتمي إلى هذا المنطق أصلا. إنه ليس مشروع مواجهة، بل هو مشروع توازن. مشروع لا يعادي المشاريع الأخرى، لكنه لا يذوب فيها ولا يختزل بوصفه وظيفة ضمن إستراتيجيات الغير. مشروع يتفاعل مع التوازنات القائمة بواقعية، لكنه يصر على أن يكون شريكا مستقلا لا تابعا، وصاحب قرار لا ساحة نفوذ.

جوهر هذا المشروع يبدأ من الاعتراف بالواقع العربي كما هو، لا كما نرغب أن يكون. العالم العربي ليس كتلة متجانسة، بل فضاء شديد التنوع دينيا ومذهبيا وإثنيا وثقافيا واقتصاديا.

كل محاولة لبناء مشروع يتجاهل هذا التعدد أو يسعى إلى صهره قسرا تحت هوية واحدة أو خطاب واحد محكومة بالفشل، وقد أثبتت التجارب القريبة ذلك بوضوح.

المشروع العربي الجديد لا يمكن أن يقوم إلا على فلسفة إدارة التعدد لا إنكاره، وتنظيم التنوع لا قمعه. فالتعدد، إذا أحسن تنظيمه ضمن عقد اجتماعي ومؤسسي مرن، يتحول من عبء إلى مصدر استقرار وقوة وقدرة على امتصاص الصدمات.

في الوقت ذاته، لا بد من إعادة ترتيب سلم الأولويات. لعقود طويلة، طغت شعارات النفوذ والصراع والاصطفاف الأيديولوجي على حساب سؤال أبسط وأكثر إلحاحا: الاستقرار.

التجربة التاريخية أثبتت أن المجتمعات غير المستقرة لا تبني اقتصادا منتجا، ولا معرفة متراكمة، ولا مؤسسات فاعلة، ولا سيادة حقيقية.

الفوضى لا تنتج استقلالا، بل مزيدا من الارتهان للخارج، سواء عبر الحماية الأمنية أو المساعدات أو إعادة الإعمار المشروط. لذلك فإن حجر الأساس لأي مشروع عربي جاد يجب أن يكون إعادة تعريف الاستقرار بوصفه مصلحة عليا لا تنازلا سياسيا، وشرطا للسيادة لا عائقا أمامها.

المرحلة الراهنة تجعل هذه الحاجة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. خرائط النفوذ يعاد رسمها، أولويات القوى الكبرى تتغير، أنماط الصراع تتحول من الحروب العسكرية المباشرة إلى ميادين مركبة: الاقتصاد، التكنولوجيا، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، سلاسل التوريد، والأمن السيبراني.

في هذا العالم، لم تعد القوة تقاس فقط بالجيوش، بل بالقدرة على إدارة المعرفة، وتأمين الموارد، وحماية الاستقرار الداخلي، وبناء شبكات مصالح متبادلة. استمرار العالم العربي بلا مشروع متكامل يعني ببساطة أننا سندمج في مشاريع الآخرين بوصفنا وظائف هامشية: سوقا، ممرا، ساحة ضغط، أو مخزون أزمات.

المشروع العربي المطلوب ليس بيانا سياسيا عابرا ولا شعارا تعبويا، بل رؤية إستراتيجية طويلة المدى. رؤية تجعل إنهاء الحروب المفتوحة أولوية أخلاقية وسياسية، وتمنع تحويل الدول إلى ساحات صراع بالوكالة.

رؤية تعمل على تحييد الجغرافيا العربية قدر الإمكان عن حروب الآخرين عبر سياسات خارجية متوازنة وإدارة العلاقات الدولية بمنطق المصالح المتدرجة لا الاصطفافات الصفرية.

رؤية تربط الأمن بالتنمية، وتتعامل مع الطاقة والممرات البحرية واللوجيستية والأسواق والموارد البشرية بوصفها منظومة تكامل إقليمي لا ملفات منفصلة. وفوق ذلك، رؤية تنتج سردية فكرية جديدة تتجاوز انقسامات القرن العشرين، وتعيد تعريف المصلحة العربية بلغة القرن الحادي والعشرين.

إعلان

لكن مثل هذا المشروع لا يولد بقرار فوقي ولا بمؤتمر قمة ولا بتحالف ظرفي. الخطوة الأولى هي تحول في الوعي السياسي والثقافي. قناعة واسعة لدى النخب وصناع القرار والرأي العام بأن استمرار إدارة المنطقة بمنطق رد الفعل يعني استمرار التبعية البنيوية، وأن امتلاك مشروع عربي ليس ترفا فكريا أو حلما رومانسيا، بل شرطا للبقاء الحضاري في عالم تنافسي شرس. من دون هذا الإدراك، ستبقى المبادرات جزئية، موسمية، ومحبوسة داخل أطر ضيقة.

المنطقة العربية تملك الموقع الجغرافي الفريد، والموارد الطبيعية الضخمة، والكتلة البشرية الشابة، والتاريخ الحضاري العميق. ما ينقصها ليس الإمكان، بل الإطار الذي يحول الإمكان إلى اتجاه، والاتجاه إلى سياسات، والسياسات إلى استقرار طويل الأمد.

المشروع الضائع ليس ترفا نظريا، بل ضرورة إستراتيجية. من دونه سنبقى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين، ومعه يمكن أن نصبح فاعلا في صناعة المستقبل. فالأمم لا تقاس بما تمتلكه من ثروات فقط، بل بقدرتها على تحويل الجغرافيا إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى استقرار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المشروع العربی

إقرأ أيضاً:

خرائط عالمنا الجديد

طالما تحدثت عن الحاجة إلى نظام عالمي جديد، وهو نظام بدأ يلوح في الأفق مع التنامي المتصاعد لقوتين عظميين في عصرنا الراهن: روسيا والصين. وبوسعنا القول إن لقاء القمة الأخير الذي انعقد في بكين بين بوتين وتشي بينج، كان بمثابة تدشين لنشأة هذا النظام العالمي الجديد، كما يتبين ذلك من البيان الصادر عن القمة نفسها، الذي أعلن أن العالم الآن هو نظام متعدد الأقطاب، ينبغي أن تحكمه توازنات القوى والمصالح، والالتزام بقرارات الأمم المتحدة.

تشكيل عالمنا الجديد ليس بدعة تميز عصرنا؛ لأن العالم يتغير بعد كل حقبة من الزمن قد تطول أو تقصر، ولكنها لا بد من أن تنتهي لينشأ عالم جديد، وذلك بفعل متغيرات جوهرية عديدة تتعلق بموازين القوة على سائر الأصعدة. ذلك أن تاريخ العالم هو - في واقع الأمر- تاريخ من صراعات الشعوب في مقاومة هيمنة قوة استعمارية عظمى في عصر ما، ومن ذلك على سبيل المثال: هيمنة الإمبراطورية الرومانية على العالم، وغيرها من الإمبراطوريات التي هيمنت من بعدها.

ولعل الإمبراطورية البريطانية تعد أشهر الإمبراطوريات التي هيمنت على العالم في العصر الحديث. توارى نفوذ هذه الإمبراطورية تدريجيا، وسعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن ترث نفوذها فيما بعد مرحلة الحرب العالمية الثانية، إلى أن أصبحت بالفعل القوة المهيمنة على العالم.

ولكن السياسة الأمريكية عملت على تكريس السياسات الاستعمارية القديمة في قالب جديد، ولكنه يُبقي على مبدأ هيمنة القطب الواحد على العالم. ولذلك فإن سياستها البديلة إزاء الشرق الأوسط، ليست سوى سياسة استعمارية جديدة، وهي ما أسميته في مقال سابق بهذه الجريدة الرصينة «سايكس بيكو 2»، فليرجع إلى ذلك من يشاء. الشاهد هنا أن السياسة الأمريكية لم تدرك أن مشروع سايكس بيكو الجديد لم يعد قابلا للتطبيق في عصرنا الراهن؛ ببساطة لأن الحقبة الاستعمارية قد انتهت من عالمنا باعتباره عالم ما بعد الاستعمار، حتى إن اتخذ هذا الاستعمار مظاهر جديدة.

وعلى هذا، يمكننا القول إن ما يميز تشكيل عالمنا الراهن حقا هو أن هذا التشكيل للعالم يقوم أساسا لا باعتباره عالم ما بعد الاستعمار فحسب، بل أيضا باعتباره عالم ما بعد الهيمنة، أعني: هيمنة قوة بعينها على العالم.

في ضوء هذا يمكننا أن نفهم دلالة اللقاء الأخير بين بوتين وتشي بينج، وأن نقرأ ما هو ضمني وغير معلن في مجمل الحدث وسياقه العام، باعتباره تدشينا لميلاد عالم جديد متعدد الأقطاب بعد مخاض طويل. لنحاول أولا قراءة بعض المظاهر المصاحبة للحدث: المظاهر الاحتفالية في الاستقبال تشبه كثيرا نظائرها في الاستقبال الرسمي لترامب، ولكننا مع ذلك نجد حالة من الود والحميمية في استقبال تشي بينج وشعبه لبوتين، ليس في لغة الخطاب وحسب، بل أيضا في لغة السلوك والتعبير الجسدي.

ولكن الأهم من ذلك أن نتأمل دلالة توقيت الحدث: يأتي لقاء هذه القمة مباشرة بعد لقاء القمة بين الرئيس الصيني مع ترامب في بكين. والواقع أننا لا يمكننا تجاهل دلالة هذا التوقيت؛ إذ إنه بمثابة رسالة سياسية قوية للإدارة الأمريكية بأن العالم قد تغير الآن بالفعل، وأن الصين وروسيا وحلفاءهما سوف يسهمون بقوة في تشكيل الخرائط السياسية لهذا العالم.

تأتي هذه الرسالة بعد أن غادر ترامب الصين خالي الوفاض، اللهم إلا من بضع اتفاقات تجارية مع الصين؛ فلم يستطع أن يحصل على أي دعم من الصين لسياسته العدوانية في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الحرب على إيران؛ بل إنه قد تلقى تحذيرا من تدخله في قضية تايوان التي تراها الصين مسألة تتعلق بشؤونها الداخلية، وهو ما جعل ترامب يصرح فور عودته من الصين إلى القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست في حاجة إلى الانخراط في صراع يقع على بعد آلاف الأميال منها! وهو تصريح يبدو كما لو كان حفظا لماء الوجه، ولكنه في الوقت ذاته يبدو اعترافا ضمنيا اضطراريا بأن هناك قوى عظمى أخرى (مثل الصين وروسيا) لا يمكن مناوأتها في سعيها لضم أراضي تعتبرها جزءا من حدودها الجغرافية. غير أنه من الضروري التأكيد هنا على أنني لا أعني بمفهوم «الخرائط السياسية» في هذا المقال مجرد «الحدود الجغرافية» التي يمكن ضمها أو إزاحتها أو تعديلها؛ لأن هذه الحدود نفسها تكون نتاجا لموازين القوى المتعددة الجديدة. وعلى هذا، فأنا أعني «بالخرائط السياسية» تلك الخرائط التي تحدد موازين القوى السياسية في عالمنا الجديد، وإن شئنا أن نتخيل تشكيلا لهذه الخرائط، فإنها يمكن أن تشتمل على ثلاث كتل رئيسة: كتلة الدب الروسي والمارد الصيني (مع حلفائهما في كوريا الشمالية وباكستان وإيران، وغيرها)؛ وكتلة الغرب الأوروبي، وكتلة الغرب الأمريكي ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكية.

ذلك أن الغرب لم يعد الآن يمثل كتلة واحدة، بل كتلتين رئيستين، وإن كانت أواصر الصلة بينهما غير قابلة للانفصام، رغم مسلك إدارة ترامب الذي يبدو متنصلا من الانخراط في سياسات الكتلة الأوروبية؛ لأن إرث الحضارة الأوروبية في القارة العجوز سيظل ممتدا داخل منجزات الغرب الأمريكي.

ولا شك في أن تحقق عالم متعدد الأقطاب في عصرنا هذا، سوف يصب في النهاية في مصلحة الدول الضعيفة والمهمشة التي لم تعد تملك قرارها في ظل عالم القطب الواحد المهيمن، وهي على الأقل تصبح قادرة على مواجهة محاولات التوسع الاستعماري لقوة ما تهدد وجوده؛ لأنها تدرك أن هناك قوى أخرى يمكن أن تدعمها.

مقالات مشابهة

  • خرائط عالمنا الجديد
  • صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية يطلق الدورة 15 من مشروع تطوير الخدمة المدنية
  • 30 ألف شتلة.. جمعية بيئة بلا حدود تقود مشروعًا لاستعادة غابات المانجروف بالبحر الأحمر
  • "الطيبات" في عالم الشرور!
  • أمانة عمّان تطرح مشروع المواقف الذكية للاستثمار
  • بعد نفي الحكومة تطبيقها على المنازل.. مشروع قانون يفرض 20 جنيها ضريبة لكل 20 ألف قدم غاز طبيعي على الشركات
  • صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول في "ورد على فل وياسمين"
  • «ورد على فل وياسمين» الحلقة الرابعة.. صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول
  • صبا مبارك بين دعم الآخرين ومواجهة مصير مجهول في ورد على فل وياسمين
  • مشروع جديد لـ«طلعت مصطفى» في العراق يرفع محفظة أراضي المجموعة إلى 128 مليون متر مربع