مع نشر حوالى ثلاثة ملايين وثيقة من بينها آلاف الأفلام والتسجيلات والمراسلات، ومع تورّط الآلاف من «علية» القوم في أميركا، وفي دول العالم، بما في ذلك عربية وإسلامية في أعمال من التجسّس والرذيلة والسلوكيات الشاذّة، والانتهاكات المقزّزة للقاصرين والأطفال، ومن إدارة على أعلى المستويات لشبكات منظمة للدعارة، وعمليات جماعية من الاغتصاب الإجرامي المقترنة بالابتزازات المخابراتية يكون المجتمع الأميركي قد دخل في طور جديد من الأزمات الخانقة التي ستتداخل مع الأزمات الاقتصادية التي تبدو أنها هي بدورها تدخل في مراحل جديدة من الشدّة والتفاقم، ومع أزمة العنف التي مارستها أجهزة وشرطة الهجرة، وما ولّدته من احتقانات سياسية واجتماعية.
ردود الأفعال على بدء عمليات النشر لهذا الكمّ من الفضائح ما زالت في بداياتها الأولى، والتطوّرات التي ستنشأ حتماً كردود أفعال لاحقة على مخازي بعض النخب الأميركية تثبت حتى الآن، وبما لا يدع مجالاً لأيّ شكّ من أيّ نوعٍ كان أن جيفري إبستين كان عميلاً للمخابرات الأميركية، وعضواً في «الموساد» الإسرائيلي.
كما تثبت الوثائق أن رئيس أميركا دونالد ترامب، وصهره جاريد كوشنر على وجه الخصوص كانا في دائرة هذه الفضائح من زوايا مختلفة.
من المبكّر، ومنذ الآن التكهّن بالكثير من التطوّرات اللاحقة في ظل أن ما تم التدقيق فيه من وثائق كلها «ضبطت» في منزل «المنتحر» أو المقتول والمغدور إبستين، وتمّ نشرها بقرار محكمة بعد أن وافق الكونغرس على ذلك.
وتكشف الوثائق وتفسّر بعض ألغاز العلاقة بين دولة الإمارات وبين دولة الاحتلال، وستكشف على ما يبدو تباعاً عشرات الألغاز التي ما زالت تحيّر المراقبين في الإقليم، وفي العالم، أيضاً.
ما يهمّنا في هذه المرحلة أن درجة تأثير وتحكّم اللوبي الإسرائيلي على محكّ جديد، وربما تكون أمام أزمة غير مسبوقة على هذا الصعيد.
من حيث المبدأ هناك شخصيات متورّطة من الحزبين «الديمقراطي» و»الجمهوري» في هذه الفضائح، وليس من حزب واحد.
وهناك قوى كبيرة مدفوعة باعتبارات سياسية، وباعتبارات قانونية، وأخرى «أخلاقية» ليس بوسعها التغاضي عمّا تمّ الكشف عنه، أو التستّر على تبعاته، وهو ما سيطرح العلاقة الأمروإسرائيلية على جدول أعمال التجاذب السياسي، بحيث سيشار إلى هذه العلاقة باعتبارها علاقة مدنّسة بدلاً، وبعد أن كانت مقدّسة، خصوصاً أن هذه العلاقة كانت قد وضعت تحت الكثير من علامات الاستفهام، وأحياناً إشارات الاستنكار بعد حرب الإبادة الجماعية والتجويعية التي شنّتها دولة الاحتلال وما زالت في وعلى قطاع غزّة.
وهنا يجب أن نتذكّر أن هذه الفضائح المدوّية ستشكّل مادّة سياسية دسمة لقطاعات واسعة من الحزب الديمقراطي من زاويتين على الأقل:
الأولى، إعطاء هذه القطاعات أحقية في انزياحاتها السياسية في معاداة حرب الإبادة وإظهارها كقوى موضوعية وصادقة، وليست «معادية للسامية».
الثانية، أن هذه الفضائح ستساعد الجناح الشاب والصّاعد في الحزب على محاصرة التيارات المؤيّدة لدولة الاحتلال، والحدّ من نفوذها.
أما على مستوى الحزب الجمهوري فالمسألة أعمق وأخطر من ذلك.
هناك قاعدة شعبية لا يُستهان بها داخل الحزب، وفي أوساطه هي أقرب إلى الثقافة المحافظة، وكذلك تحديداً في صفوف «ماغا»، وحتى داخل أوساط المسيحية الصهيونية والكنيسة الإنجيلية ممّن لا يتقبّلون مضمون هذه الفضائح، وممّن يعتبرون هذه الدرجة من الشذوذ، ومن الاستهتار، وهذا المستوى من الانتهاكات والإجرام ما هو مرفوض، وما هو معيب لما يحتوي على خروج فاضح على القيم الأخلاقية للمسيحية وللقيم الإنسانية.
كل هذه الأوساط ستتأثّر بهذه الفضائح، وقد يصل عدم تقبّلها، ورفضها إلى بعض أشكال «التمرّد» على الاصطفافات المعهودة في تأييد ترامب، وعلى أشكال أخرى من الامتعاض الجماعي من القدرة على التلاعب بالنخب الأميركية.
وليس من المستغرب أبداً أن يطرح سؤال الحرب على إيران من زوايا جديدة، خصوصاً أنه طرح فعلاً على عدّة مستويات:
الأوّل، وهو إذا كان لدولة الاحتلال مصلحة جوهرية في ضرب إيران ــ وهي كذلك ــ فلماذا ذهبت إلى البحث عن وسطاء، حيث لم يعد سرّاً أنها وسّطت روسيا بهذا الشأن؟ وتم رفض هذا العرض من قبل إيران جملة وتفصيلاً، أقصد الوساطة للتحييد المتبادل.
ألا يُعتبر هذا السلوك الإسرائيلي توريطاً لأميركا، وتحويل المصالح الأميركية، وتعريضها للتهديد المباشر؟
وحتى لو أن قرار النشر للوثائق هو قرار محكمة أميركية، والقرار أساساً تمّت الموافقة عليه من الكونغرس نفسه ــ وهذا هو المستوى الثاني من سؤال الحرب ــ أفلا تكشف الوثائق أن قرار الحرب على إيران كان سيستخدم فيه الابتزاز لترامب لولا أن الفضيحة أصبحت عامّة وطامّة بعد قرار المحكمة.
ولماذا تمّ الاحتفاظ بالصور والأفلام والمكالمات والمراسلات طالما أن «المنتحر» أو المغدور إبستين كان يعمل في صفوف «الموساد»، وكان يتعاون مع المخابرات الأميركية.
أليس لأن كل هذه الوثائق كانت «كنزاً» للاستخدام اللاحق؟
تفيد آخر المعطيات حول قرار الحرب أن وزير خارجية أميركا ماركو روبيو، وهو الشخصية الأكثر تأثيراً في الإدارة الحالية، ويصنّف الطاقم الذي يحيط بترامب بأنه الجهاز التنفيذي للنواة العقارية في البيت الأبيض، بمن فيهم كوشنر نفسه، وأنهم أقلّ شأناً من وزير الخارجية بدرجات تفيد المعطيات أن روبيو قد ذكر أمام الكونغرس بأن الحرب تعتبر مغامرة كبيرة، وغير مضمونة النتائج، لا من حيث «إسقاط» النظام، ولا من حيث «خارطة الطريق» في إيران حتى ولو سقط، وأن حالة الفوضى هي خطر كبير على كامل الإقليم، والخسائر الأميركية لن تكون بسيطة أو طفيفة، أو حتى جانبية ــ وبالمناسبة فقد ذكرنا كل ذلك بالتفصيل في مقالاتنا السابقة ــ وكان واضحاً للكثير من المراقبين والمتابعين أن هذه المغامرة كانت ستتحوّل إلى مقامرة كبرى لو تم اللجوء إلى الحرب بتسرّع أو من دون حسابات دقيقة.
والآن دعونا نتصوّر لو أن الحكمة الأميركية لم تحكم بنشر الوثائق، وأن قرار الحرب قد وصل إلى ما وصل إليه من حساسية وتردّد، فهل كان اللوبي الإسرائيلي الذي يملك بالتأكيد نسخاً من كلّ «وريقة» من الوثائق، ونسخاً من كل صورة وفيلم ومكالمة، ومراسلة سيستخدمها أم لا؟
بهذا المعنى المحدد لم يعد ترامب مهدّداً بالابتزاز عند هذا المستوى من المسألة ــ ولا يعرف أحد إذا كانت هناك قضايا أخرى ــ وتحوّل قرار الحرب إلى قرار بحسابات الأخطار والتهديدات والخسائر، وليس إلى حسابات ابتزازات محتملة.
طبعاً هذا كلّه لا يلغي المصلحة الأميركية الخاصة، والمصالح الأميركية النفطية الخاصة، والمصالح التي تتعلّق بالموقع الجيوسياسي بالنسبة للإقليم، وبالنسبة إلى العلاقة مع روسيا في زعزعة الدولة الإيرانية ونظامها السياسي، بل إنه يؤكّد أن «تراجع» أميركا المعلن عن الحرب يمكن أن يكون خديعة جديدة، ويمكن أن يكون لحسابات قد تتغيّر معطياتها، وبالتالي العودة إلى الحرب بمجرّد تغيير هذه المعطيات، كما يؤكّد أن كل التحشيد للحرب، والتهديد بها ربما كان بهدف إجبار إيران على التنازلات التي تحقق أهداف ترامب دون خوضها، أو ربما أن حالة التحشيد تهدف إلى جمع المعلومات أثناء صخب الاستعداد كما أشارت ونوّهت بعض التقارير، والتي اعتبرت أن أميركا جمعت من المعلومات والمعطيات في هذه الفترة ما كانت تحتاجه منها، وكان يستحيل الدخول في أيّ حرب من دونها.
وسواء كان الأمر يتعلّق بالحسابات أو بجمع المعلومات، أو بسبب المخاوف الكثيرة التي ستترتّب على شنّ هذه الحرب فإن الشيء الثابت والمؤكّد هو أن إيران قد أبدت صموداً، وصلابة تضعها في مصاف الدول الكبرى، وفي مصاف الريادة السياسية بالمقارنة مع كامل منظومة الدول النامية، وأنها إذا ما انتهت هذه الأزمة دون حرب مدمّرة عليها ستتحوّل حتماً إلى دولة إقليمية عظمى، لها مهابتها، ولديها البأس والقوة، والقدرة على فرض إرادتها.
إذا تجاوزت إيران هذه الأزمة فسيترتّب على هذا التجاوز أكثر من طبيعة، ومن حقائق ووقائع الإقليم، وسيكون «الشرق الأوسط الجديد»، والعصر الإسرائيلي المزعوم ضرباً من الأوهام والتمنّيات، وسيكون من أيتام الأمتين، العربية والإسلامية ما يكفي ويزيد ويفيض، لأن هؤلاء الذين راهنوا على ترامب، وراهنوا على دولة الاحتلال، وتحمّسوا، وفقدوا السيطرة على مشاعرهم تأييداً للحرب، والتعلّق بأذيالها، والمراهنة عليها سيكتشفون أن ترامب ليس مجرّد مهرّج فقط، وليس شخصاً عُنجهياً، وشخصية بهلوانية تلعب «بالبيضة والحجر»، وإنما ــ وهذا هو الأمرّ والأدهى ــ شخص مجرد من أي قيم، ومن أي حد من حدود الأخلاق الإنسانية.
كان الله في عون هؤلاء الأيتام لأن فضيحتهم مضاعفة.
الأيام الفلسطينية
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الاحتلال إيران الشرق الأوسط إيران الشرق الأوسط الولايات المتحدة الاحتلال حرب وشيكة مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة دولة الاحتلال هذه الفضائح قرار الحرب أن هذه
إقرأ أيضاً:
بعد 5 أشهر من القصف.. لماذا لا تزال صواريخ إيران تشكل تهديدا؟
بينما تتصاعد ألسنة اللهب فوق مياه الخليج العربي وتتعالى أصوات الانفجارات في القواعد العسكرية المنتشرة بالمنطقة، يبدو أن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران قد دخلت مرحلة أكثر تعقيدا من مجرد تبادل للضربات.
فبعد 5 أشهر من العمليات الجوية الأمريكية المكثفة، لم تتمكن واشنطن من فرض معادلة ردع حاسمة، في حين تؤكد طهران ميدانيا وسياسيا، أنها لا تزال قادرة على مواصلة القتال وإلحاق خسائر بخصومها.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2العلم اللبناني في زوطر.. انسحاب تحت الاختبارlist 2 of 2ماذا تريد إسرائيل من بوركينا فاسو؟end of listوفي الوقت نفسه، تفرض تداعيات الصراع نفسها على أسواق الطاقة العالمية، لتتحول المواجهة العسكرية إلى أزمة إستراتيجية تتجاوز حدود الميدان.
وتشير تقارير وتحليلات نشرتها صحف -مثل بوليتيكو وديلي تلغراف ونيويورك تايمز ومجلة فورين بوليسي – إلى أن الحرب دخلت مرحلة استنزاف مفتوحة، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية، وسط غياب أي أفق واضح لإنهائها.
واشنطن تواجه معضلة واضحة؛ فإما توسيع الحرب بصورة كبيرة عبر استهداف نطاق أوسع من الأهداف أو حتى التفكير في تدخل بري، وإما استمرار دوامة الضربات المتبادلة دون مخرج واضح
بواسطة صحيفة بوليتيكو
نجاح تكتيكي وإخفاق إستراتيجيترى صحيفة بوليتيكو الرقمية أن التهديدات الجديدة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بقصف مزيد من البنية التحتية الإيرانية، بما فيها الجسور ومحطات الكهرباء -ردا على كل سفينة تستهدف في الخليج العربي- تعكس حجم الإحباط داخل إدارة ترمب بسبب رفض طهران الاستسلام أكثر مما تخفي حدود الحملة الجوية الأمريكية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين وخبراء عسكريين أن واشنطن تواجه معضلة واضحة؛ فإما توسيع الحرب بصورة كبيرة عبر استهداف نطاق أوسع من الأهداف أو حتى التفكير في تدخل بري، وإما استمرار دوامة الضربات المتبادلة دون مخرج سياسي أو عسكري واضح.
ونقلت المجلة عن مسؤول سابق في الجيش الأمريكي -طلب عدم الكشف عن هويته- قوله "عندما تستخدم الولايات المتحدة القوة بتردد أو بشكل تدريجي فإنها بذلك تطيل أمد الصراع وتزيد مخاطره".
إعلانوفي جلسة استماع بمجلس الشيوخ الثلاثاء الماضي، أقر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين بأن "القوة الجوية لها حدود، ويجب دائما إدراك تلك الحدود عند السعي لتحقيق نصر عسكري"، وهو اعتراف يعكس -بحسب التقرير- إدراكا متزايدا داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن الضربات الجوية وحدها لا تكفي لحسم الحرب.
كما أكد السيناتور الديمقراطي برايان شاتز خلال الجلسة نفسها -التي أدلى خلالها وزير الحرب بيت هيغسيث بشهادته أيضا- أن القوة الجوية باتت تنطوي على حدود واضحة وأوصلت الطرفين إلى حالة من "المأزق التكتيكي"، وهو ما أيده الجنرال كين معترفا بوجود حدود لما يمكن للغارات تحقيقه.
ورغم إعلان هيغسيث أن الضربات ألحقت بإيران "أكبر ضرر تعرضت له في تاريخها"، فإنه اعترف في الوقت ذاته بأن القدرات الإيرانية "لا تزال قائمة"، مؤكدا أن الحرب كلفت حتى الآن نحو 37.5 مليار دولار، مع طلب الإدارة تخصيص 67 مليار دولار إضافية لتغطية نفقات العمليات العسكرية.
وفي سياق متصل، كشفت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية عن نقلة نوعية في قدرة إيران على الرد وتطوير منظومتها الصاروخية تحت القصف الأمريكي.
فبحسب مسؤولين إيرانيين تحدثوا للصحيفة، انخفض الزمن اللازم لإطلاع وإعادة تشغيل منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية بعد استهدافها من نحو 15 ساعة في بداية الحرب إلى أقل من 30 دقيقة حاليا، نتيجة استخلاص الدروس من الضربات الأمريكية وتحسين إجراءات الانتشار وإعادة التشغيل.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول إيراني في طهران قوله إن "الأمريكيين أنفسهم هم السبب الأساسي وراء تطوير صواريخنا في الأيام الأخيرة. الأمر يتعلق باستخلاص الدروس من كل عملية إطلاق، ثم نطبق ما تعلمناه في العملية التالية".
كما أكد المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية العميد أبو الفضل شكارجي أن عمليات تصنيع الطائرات المسيرة والصواريخ استمرت "في قلب الحرب" وانتقلت المخرجات مباشرة من خطوط الإنتاج إلى الاستخدام الميداني.
وأوضحت تلغراف -في تقريرها- أن إيران اعتمدت على "مدن الصواريخ" المحفورة في أعماق الجبال للتصدي للقصف الأمريكي والإسرائيلي الذي استهدفها في مارس/آذار وأبريل/نيسان، معتمدة على وقود صلب يقلل من زمن الإعداد للإطلاق، فضلا عن تقنيات التوجيه الدقيق ومناورات مرحلة الهبوط لتجاوز الدفاعات الجوية.
ويرى خبراء نقلت عنهم الصحيفة أن هذه التطورات ربما جاءت بدعم تقني واستخباراتي من الصين وروسيا، سواء عبر صور أقمار صناعية حديثة أو عبر خبرات صاروخية متقدمة، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها تأكيد رسمي من موسكو ولا بكين.
ومن أبرز ما يفسر استمرار القدرات الإيرانية -بحسب تلغراف- شبكة "مدن الصواريخ" المقامة داخل الجبال الإيرانية، فهذه المنشآت المحصنة تضم مخازن للصواريخ والوقود ومنصات الإطلاق، وقد صممت لتحمل القصف الجوي المكثف.
ورغم نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في استهداف بعض مداخلها خلال الأشهر الماضية، تشير تقديرات محللين إلى أن إيران أعادت فتح أجزاء كبيرة منها واستأنفت استخدامها.
إعلانويقول أحد المسؤولين الإيرانيين إن هذه المواقع "عميقة إلى درجة أن بعض القادة العسكريين أنفسهم لا يعرفون أماكنها"، مضيفا أنها تشكل احتياطيا إستراتيجيا يتم تعزيزه بصورة مستمرة.
كما تعتمد القوات الإيرانية على منصات إطلاق متنقلة تستطيع الانتقال بين مواقع مختلفة بسرعة، وهو ما يجعل تدميرها بالكامل مهمة شديدة الصعوبة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الإدارة الأمريكية أن الضربات الجوية أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية بصورة كبيرة، تكشف تحقيقات بصرية أجرتها صحيفة نيويورك تايمز صورة أكثر تعقيدا لما يحدث في الميدان.
فمن خلال تحليل مقاطع فيديو وصور أقمار صناعية ومواد مصورة من داخل المواقع المستهدفة، خلص فريق التحقيقات البصرية في الصحيفة إلى أن إيران لا تزال تمتلك القدرة على تنفيذ هجمات دقيقة ضد مواقع عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، رغم أشهر من القصف المكثف.
وأظهرت الأدلة البصرية تعرض 9 مواقع عسكرية أمريكية في المنطقة لهجمات إيرانية خلال الأسبوعين اللذين أعقبا انهيار وقف إطلاق النار، وأسفرت تلك الهجمات عن أضرار شملت مساكن الجنود وحظائر الطائرات المسيّرة ومنظومات الرادار ومرافق تشغيلية متعددة.
وتصدرت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن واجهة الأحداث، بعدما أدى أحد الصواريخ الإيرانية إلى مقتل 3 جنود أمريكيين وإصابة آخرين، في واحدة من أكثر الضربات دموية منذ اندلاع المواجهة الحالية.
وتشير الصحيفة إلى أن صور الأقمار الصناعية أظهرت تدمير حظيرة للطائرات قبل الهجوم الأخير، بينما وثقت مقاطع فيديو متداولة انفجارا قرب مجمعات سكنية داخل القاعدة، حيث اضطر أحد الموجودين إلى الاحتماء داخل ملجأ مع تساقط الشظايا من حوله.
كما نشرت وسائل إعلام إيرانية صورا فضائية أظهرت تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 20 مبنى داخل القاعدة، بينها حظائر للطائرات وملاجئ للطائرات المسيّرة.
ولم تقتصر الهجمات على الأردن، إذ وثقت التحقيقات أضرارا في قاعدة "البرج 22" على الحدود الأردنية السورية، حيث أظهر فيديو تدمير الجناح الجنوبي لمبنى المفرزة وتسوِيته بالأرض.
كما لحقت أضرار بمطار الملك حسين الدولي في الأردن، ومطار أربيل في العراق، ومرفق بحري في البحرين، وقاعدتي علي السالم وأحمد الجابر في الكويت، حيث دمر نظام رادار في الأخيرة بعد 6 أشهر فقط من تمام بنائه، بالإضافة إلى تدمير مستودعات ومنظومات رادار وخيام عسكرية ومنشآت تشغيلية.
وتلفت الصحيفة إلى أن تقييم حجم الأضرار واجه صعوبات بسبب امتناع شركات الأقمار الصناعية الأمريكية عن نشر صور عالية الدقة للمواقع العسكرية، استجابة لاعتبارات أمنية تتعلق بحماية القوات الأمريكية، مما دفع المحققين إلى الاعتماد على صور إيرانية جرى التحقق منها عبر مقاطع فيديو وصور التقطتها وكالات فضاء أوروبية وأمريكية.
وفي تعليق مقتضب، اكتفت وزارة الحرب الأمريكية بالقول إنها تمتنع عن التعليق على صور الأقمار الصناعية "لدواعٍ تتعلق بالأمن العملياتي"، مشيرة إلى أن التحقيق في الهجوم الذي استهدف قاعدة موفق السلطي لا يزال مستمرا.
النفط.. الجبهة التي قد تحسم الصراع
وفي موازاة المواجهة العسكرية، يؤكد الكاتب كيث جونسون -في تقرير تحليلي نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية- أن التحدي الأكبر الذي يواجه إدارة ترمب لم يعد عسكريا بقدر ما أصبح اقتصاديا.
فالمشكلة الأساسية -حسب التقرير- تتمثل في استمرار الاضطراب داخل مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، إذ تراجعت حركة الملاحة إلى مستويات متدنية للغاية، بينما واصلت إيران استهداف السفن التجارية والمصالح البحرية في المنطقة.
إعلانونقل التقرير عن المسؤول الأمريكي السابق آلان آير المتخصص في الشأن الإيراني، أن إستراتيجية واشنطن الحالية تقوم على زيادة الضغوط العسكرية والاقتصادية لدفع إيران إلى تغيير حساباتها، لكنه يشكك في قدرة هذه المقاربة على تحقيق أهدافها.
وبنبرة تنم عن امتعاض قال آير "ما الذي نحاول تحقيقه؟ نحاول زيادة الضغط على إيران لدفعها إلى تغيير خطوطها الحمراء. ومن الناحية التكتيكية، نسعى إلى تقويض قدرتها على تعطيل الملاحة في الخليج، وعزل مضيق باب المندب، مع إرسال إشارات إلى استعدادنا لمزيد من التصعيد، كما حدث في الهجمات التي استهدفت مجمعا للصواريخ الإيرانية في تبريز".
وأضاف "الكثير مما يجري ليس سوى استجابة غريزية من دونالد ترمب. إنه أشبه بعازف بيانو لا يجيد سوى العزف على مفتاح واحد، وهذا المفتاح هو القوة العسكرية".
ويرى آير -الذي يعمل حاليا في معهد الشرق الأوسط بواشنطن- أن الحملة العسكرية الأمريكية المتجددة لم تحقق أهدافها. فحركة الملاحة عبر مضيق هرمز تراجعت مجددا إلى أدنى مستوياتها، وأصبح عبور عدد محدود جدا من السفن ومعظمها ليس ناقلات نفط، هو الوضع المعتاد.
ومضى إلى القول إن إيران استهدفت خلال اليومين الماضيين 3 سفن مختلفة حاولت عبور المضيق، فيما يتوقع محللو أسواق الطاقة أن يظل هرمز شبه مشلول حتى نهاية العام على الأقل، وربما لفترة أطول.
ووصف آير المشهد بأن "أشبه ما يكون بسباق بين ساعتين، هل ستستسلم إيران تحت الضغط الاقتصادي قبل أن تنفد قدرة الولايات المتحدة على تحمل الكلفة؟"
وفي تقديره أن عامل الوقت يميل لمصلحة طهران، خصوصا بعدما استفادت من فترة وقف إطلاق النار في تصدير جزء من نفطها وإإعادة ترتيب أوضاعها الاقتصادية والعسكرية.
تبدو الولايات المتحدة مترددة في الانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعا من الحرب، لما قد يترتب على ذلك من كلفة بشرية وسياسية واقتصادية، بينما تواصل إيران الاعتماد على إستراتيجية الصمود واستنزاف الخصم
ووفقا للمجلة الأمريكية، فإن هذه التطورات انعكست مباشرة على الأسواق العالمية، إذ ارتفعت أسعار خام برنت مجددا إلى ما يقارب 95 دولارا للبرميل، بينما تجاوز متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون، وسط مخاوف من انعكاسات اقتصادية قد تؤثر في الداخل الأمريكي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
ويحذر التقرير أيضا من تراجع مخزونات الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأمريكي إلى مستويات توصف بأنها مقلقة، الأمر الذي يقلص قدرة واشنطن على امتصاص أي صدمة إضافية في أسواق الطاقة إذا استمر التصعيد.
وفي الوقت نفسه، يثير احتمال إقدام جماعة الحوثي في اليمن على توسيع نطاق هجماتها في البحر الأحمر مخاوف من إغلاق ممر بحري آخر يمثل متنفسا لصادرات النفط الخليجية، بما قد يضاعف الضغوط على الاقتصاد العالمي.
في المحصلة، تكشف الصورة التي ترسمها التقارير الأربعة عن مفارقة لافتة، فبينما تؤكد واشنطن أنها ألحقت أضرارا جسيمة بالقدرات العسكرية الإيرانية، تشير الوقائع الميدانية إلى استمرار قدرة طهران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف القواعد الأمريكية والملاحة الدولية.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة مترددة في الانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعا من الحرب، لما قد يترتب على ذلك من كلفة بشرية وسياسية واقتصادية، بينما تواصل إيران الاعتماد على إستراتيجية الصمود واستنزاف الخصم، مع تطوير قدراتها العسكرية تدريجيا تحت ضغط المعارك.