البرقية الإسرائيلية المسمومة في الصراع السعودي الإماراتي
تاريخ النشر: 2nd, February 2026 GMT
"- اليمن صارت يمنين ولبنان أربعة والخير لقدام..
- وليش هيك؟
- قال لحتى تصير أصواتنا كثيرة بهيئة الأمم المتحدة.. وإسرائيل صارت قُطر شقيق يا أبي"..
هذا الحوار الساخر الذي صاغه المبدع السوري محمد الماغوط في مسرحيته اللاذعة "كاسك يا وطن" وجسّده الفنان دريد لحام، ما زال صالحا للاستخدام رغم مرور عقود على إنتاج العمل، بل ويعكس النظرة الاستباقية التي ظل هذا الكاتب الساخر يتميز بها وعرّضته للعديد من الصعوبات والأزمات.
طبعا لسنا بصدد تقييم مسرحيات ابن مدينة السلمية البار، لكننا سنتوقف عند عبارة "إسرائيل صارت قُطر شقيق" التي نظر البعض إليها حينها ببعض الريبة، وقد وصفها آخرون بالمبالغة استنادا للمثل الشامي الشعبي الشهير "الدم ما بصير مي"، إلا أن الواقع الحالي أثبت بما لا يدع مجالا للشك صحتها، واليوم يكفي النظر للسجال والصراع الإماراتي-السعودي و"الثقل" الذي نزل به الكيان الصهيوني "لنصرة" الطرف الأول، للتأكد من حجم التسلل والنفوذ الذي يتمتع به، لكن بعيدا عن الاصطفاف في أي خندق دعونا نتساءل: ما الذي يرمي إليه الكيان بالمجاهرة بموقفه بهذه الصورة الفجة إعلاميا وسياسيا؟ هل هي مجرد مناورات عادية لدعم "الصديق في وقت الضيق" أم أن الأمر أكبر وأعمق؟
النعيم الصهيوني:
تعودنا دائما على خبث الصهاينة حين يتعلق الأمر بالأزمات العربية-العربية وكيف يوظفون أذرعهم لبث بذور الفتنة وصب الزيت على النار، ولنا في وحدة 8200 خير مثال؛ من أجل الحصول على نتائج ترضي طموحاتهم التوسعية وتكرس الفرقة والشتات العربي، لكن هذه المرة تطور التواجد الإسرائيلي وخرق كل المراحل ليصل للذروة في الشنآن الخليجي الأخير، صحيح أن الإمارات ليست "حليفا تقليديا" لدى الكيان لا سيما في ظل "الخدمات الجليلة" التي أسدتها وتسديها عن طيب خاطر له، إلا أن الرسالة الأكبر التي يتعمد أرسالها للمنطقة وكل الوطن العربي مفادها أن الصهاينة لا يفرطون في "أصدقائهم" ولا يتركونهم فريسة سهلة حين يشتد بهم الكرب وتسوء بهم الأمور، وهم جاهزون للذود عنهم مهما كان "الخصم" وبلغت قوته. ولعل ما يختصر هذا التوجه ما نشره قائد شرطة دبي السابق ضاحي خلفان قبل أيام قليلة على حسابه على منصة إكس، حين كتب بالحرف الواحد: "من سيحاول مناطحة إسرائيل ستفضي به الأمور إلى اضطرابات داخلية. خذوها من رجل أمن غشيم".
نعم بهذا الوضوح ودون مواربة أصبح البعض يحتمي بالكيان الصهيوني، ويرعد ويزبد ويعلنها بشكل علني أننا نعيش في زمن "إسرائيل" وعلى الجميع تقديم فروض الطاعة والولاء وإلا.. فالنتيجة معلومة، وبالتالي يقودنا ما سبق نحو خلاصة مهمة رغم مرارتها؛ أن "التنسيق الإماراتي-الصهيوني" يهدف لحث الجميع وبالأخص المترددين في الانضمام إلى ما يطلق عليه "اتفاقيات أبراهام" لحسم القرار بسرعة ودون تفكير، فالكل أضحى مسيّرا لا مخيّرا لإرضاء "القُطر الشقيق الجديد". وانظروا لِكَم الأسماء التي "تجرأت" على مهاجمة السعودية رغم "كرمها" مع إدارة "أبي إيفانكا" الذي ظل ملتزما الصمت بشكل خبيث للغاية.
طبعا لن نتمكن من إحصاء وجرد كل الأسماء المعروفة التي انبرت لإشهار موقفها وتأييدها للطرف الإماراتي؛ من الإعلامي مارك ليفين الذي كان أول من وصف الرئيس الأمريكي الحالي بأنه "أول رئيس يهودي يتولى ولايتين متتالتين لأمريكا"، وصولا للمنظمات الصهيونية الأمريكية التي "استفزها" الموقف السعودي، وغيرهم الكثير ممن سعوا لزيادة الضغط وتطبيق خطط صُممت بعناية فائقة لعدة أهداف دنيئة؛ أهمها حشر السعوديين في الزاوية وثنيهم على المسار الجديد الذي اتخذته القيادة بالتوجه نحو تركيا وباكستان وقطر، وذلك ما صرح به نتنياهو شخصيا في إحدى إطلالاته التلفزيونية. لكن السؤال الملحّ: هل يقتصر هذا الخطاب السام على الإمارات وحدها أم أنه تسلل لباقي الدول العربية؟
الاعلام المغربي ومجلس السلام العالمي:
قطعا ما نعاينه اليوم يبدو بعيدا عن الصدفة والعبث، لأن من يشاهد تعليقات الإعلام المغربي على سبيل المثال، ونحن نتحدث عن فترة زمنية متقاربة جدا لما سلف، سيدرك أن هناك جهات متواطئة هدفها نشر "الخطاب الصهيوني" و"اللغة الجديدة" المراد تعميمها، والترويج لمصطلحات ومخططات مغالطة ومخادعة ولا تمت للواقع بصلة، وأحدث هذه الديباجات ما أسماه أبو ايفانكا "مجلس السلام العالمي" في غزة، وهو يندرج أيضا تحت خانة الشعارات المضللة "لتمجيد" القوة "الخارقة" للصهاينة وخلفهم أمريكا بالطبع، وبالتالي فإن "التموقع" في هذا الخندق كفيل بحل كل الأزمات والمشاكل التي تهدد أي بلد عربي.
هذا السعي لإقناع كل الأطراف العربية بأن لا طريق ولا حل ولا خيار سوى "الحضن الصهيوني"، وهو "الحل السحري" و"عصا موسى" التي ستحول هذه البلدان بقدرة قادر لمصاف الدول العملاقة وتمهد للرخاء الاقتصادي والارتقاء بمستوى معيشة المواطن المحلي والقفز من خط الفقر، وهي السبيل الوحيد لتجاوز كل المطبات والعراقيل. كل هذا صار واضحا للعيان أنه نتيجة "تنسيق" وسياسة مدروسة باتت تخرج من نطاقها الضيق لتبصر النور وتطرح نهارا جهارا، لكن يكفي استحضار نموذجين عربيين بادرا للسير على هذا الطريق ولم يجنيا سوى الخيبات والحصار الخانق، ونقصد بهما طبعا مصر والأردن، لنتساءل: ماذا جنت المحروسة وهي أول من وقع ما سمي بـ"معاهدة السلام" سنة 1979، وأيضا المملكة الأردنية سنة 1994 في ما يطلق عليه "معاهدة وادي عربة"؟ هل يحيا المواطنون فيهما وينعمون برغد العيش ويشعرون بالفخر والكرامة على أراضيهم المهددة والقابعة تحت رحمة الكيان الغادر؟
لا بد من محاولة التصدي لهذا الخطاب المستشري في الإعلام التقليدي والحديث، رغم الجحافل والميزانيات الفلكية التي تصرف من أجل وصوله لفئات عريضة لإقناعها بـ"الخلطة السحرية الجديدة" التي صار لزاما تعميمها بشتى الطرق والأساليب وتخدير العقول وسلب الألباب بالأكاذيب.
بدأنا هذه المادة بحوار من مسرحية "كاسك يا وطن"، ونختمها بكلمات خالدة لنفس الكاتب تلخص أيضا واقعنا العربي الكئيب؛ حين يرد الابن على صرخة والده الشهيد المتخيلة بالقول: "الله وكيلك يا أبي مو ناقصنا إلا شوية كرامة بس"..
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء إسرائيل الإماراتي السعودية الأزمات إسرائيل السعودية الإمارات أزمات قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.