احتضنت قاعة ديوان الشعر ندوة لمناقشة كتاب «ما وراء الحجر: سردية حضارية في جدران معاصرة» للكاتب والباحث المعماري سالم حسين، بحضور نخبة من الكتّاب والباحثين، من بينهم مي سيد وندى يحيى وهنا محمد، وأدار الندوة مؤلف الكتاب، وذلك ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب.

في مستهل اللقاء، أكد سالم حسين أن الندوة تمثل مساحة لانفتاح فكري على تجربة المتحف المصري الكبير، موضحًا أن مفهوم المتاحف شهد تحولًا جذريًا منذ ستينيات القرن الماضي، إذ لم تعد مجرد أماكن لعرض القطع الأثرية، بل فضاءات تفاعلية تصنع الحكاية وتبني السرد.

 
وأشار إلى أن نحو 40% فقط من معروضات المتاحف ثابتة، مقابل 60% تعتمد على الحركة والتفاعل.

وأوضح حسين أن المتحف المصري الكبير يُعد نموذجًا متقدمًا لهذا التحول، بعدما تجاوز فكرة العرض التقليدي إلى كونه مساحة معاصرة لرواية التاريخ، لافتًا إلى أن عدد الآثار المصرية يتجاوز 300 ألف قطعة، يوجد جزء كبير منها خارج البلاد، نتيجة فترات سابقة ارتبط فيها تهريب الآثار بسيطرة أجانب على هذا المجال.

وتطرق إلى الفارق بين المتحف المصري بالتحرير والمتحف الكبير، موضحًا أن المتاحف العالمية الكبرى تعتمد على تعدد المسارات السردية، بينما افتقد متحف التحرير لهذا البُعد، حيث وُضعت القطع متجاورة دون حكاية متكاملة. 
كما أشار إلى أن فكرة المتحف الكبير بدأت عام 1999 باختيار موقعه، ثم تدرجت مراحل التخطيط والتنفيذ.

من جانبها، استعرضت الباحثة والمهندسة المعمارية هنا محمد كواليس تصميم المتحف، مشيرة إلى أن عام 2002 شهد إطلاق مسابقة دولية شاركت فيها 82 دولة، تأهل منها 20 مشروعًا، قبل أن يفوز مكتب «هينيغان بينغ» الأيرلندي. وأوضحت أن ميلان المبنى يعكس انتقالًا رمزيًا من المدينة إلى الصحراء، ومن الحاضر إلى الماضي، في توازن دقيق بين التكنولوجيا الحديثة وطبيعة المكان.

وأضافت أن «الدرج العظيم» يمنح الزائر إحساسًا بالصعود، بما يحمله من دلالة على عظمة الحضارة المصرية، مشيرة إلى أن قاعة العرض الرئيسية تقدم تحف أربعة عصور عبر سرد متسلسل يقوم على ثلاثة محاور: المعتقدات، والملكية، والمجتمع.

بدورها، تناولت مي سيد البعد العالمي للمتحف المصري الكبير، متسائلة عن جدوى إنشائه في ظل وجود متحف التحرير، قبل أن تؤكد أن قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على تقديم قراءة أعمق لتاريخ المصري القديم، وربط الحضارة المصرية بسياقها الإنساني الأوسع، مؤكدة أن قيمة المتحف لا تُقاس بضخامته، بل بانفتاحه الحضاري.

وفي ختام الندوة، شدد سالم حسين على أن الاعتقاد بانتهاء الحضارة المصرية تصور خاطئ، فالحضارات لا تندثر بل تتجدد، مؤكدًا أن وراء كل قطعة معروضة قصة تفسر وجودها ودلالتها. 
وأشار إلى أن تصميم المتحف يعتمد على تسلسل بصري في الإضاءة والحركة يعكس تطور الفترات التاريخية، موضحًا أن تجربة زيارة المتحف المصري الكبير لا يمكن اختزالها في زيارة واحدة، نظرًا لثراء محتواه وتعدد مساراته السردية، ما يجعله حكاية حضارية مفتوحة بلغة معاصرة.

 

ندوة «اللقاء الشعري» تحتفي بتجربة الشاعر ناجي شعيب في معرض الكتاب المؤمن عبد الله: أكبر عدد من الدارسين العرب في اليابان مصريون محيي الدين اللباد.. حين صنعت الصورة هوية الطفل المصري في معرض الكتاب خبراء ودبلوماسيون بمعرض الكتاب: الأمن المائي في حوض النيل فرصة للتكامل لا الصراع سيرة المفكر الإسلامي أحمد أمين وإسهاماته الفكرية في ندوة بمعرض الكتاب مائدة مستديرة بمعرض الكتاب تناقش مستقبل أدب الطفل بين التكنولوجيا والتراث ديوان الشعر يفتتح أمسياته في معرض القاهرة للكتاب بنخبة عربية لامعة نجيب محفوظ ومكسيم جوركي.. جسور الأدب بين مصر وروسيا أنغام الماضي والحاضر.. أمسية موسيقية تحتفي بالتراث العربي بمعرض الكتاب مؤلف «أبناء النيل»: أوثق العلاقات المصرية الإفريقية منذ عهد الفراعنة

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: معرض الكتاب ندوات معرض الكتاب فعاليات معرض الكتاب معرض الكتاب 2026 فعاليات معرض الكتاب 2026 المتحف المصری الکبیر بمعرض الکتاب إلى أن

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • مصر تخطف الأنظار في احتفالية يوم إفريقيا ببوينوس آيرس.. جناح فرعوني مميز
  • وظائف بعض الكتاب
  • أسامح السارق إزاي .. عم شعبان يروي كواليس مفاجئة عن لص إيراد الجرايد
  • الموزة المنهوبة للمرة الثانية
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
  • الفري يفتتح معرض الكتاب 52 في الرابطة الثقاقية  من طرابلس الى الوطن: الكتاب رسالة صمود
  • كنز عمره 1900 عام يظهر من بين الأعشاب.. اكتشاف أثري مذهل في حديقة منزل
  • الزراعة تُكثف جولاتها على منافذ الحجر الزراعي ومحطات التعبئة
  • الحوار بين حضارات المدن القديمة (القاهرة - هانغتشو).. من أصول الحضارات إلى تصورات المستقبل