محافظ موقع بناصا الأثري لـRue20: الكوارث الطبيعية تفرض إعادة التفكير في سياسات حماية الآثار
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
زنقة20| الرباط
في ظل تزايد المخاطر الطبيعية المرتبطة بالتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية المرتبطة بالفيضانات على الخصوص، حذر رشيد أغربي، الباحث في علم الآثار والمحافظ الحالي لموقعي بناصا وتاموسيدا الأثريين من تنامي التهديدات التي تواجه المآثر التاريخية بالمغرب، مؤكدا أن الفيضانات تشكل أحد أخطر هذه التحديات بالنظر إلى تأثيرها المباشر على استقرار المباني الأثرية والبنيات التاريخية.
وأوضح السيد رشيد أغربي في حوار مقتضب أجرته معه جريدة Rue20, أن الكوارث الطبيعية، من زلازل وحرائق وانهيارات وفيضانات تظل خارج نطاق التحكم البشري المباشر غير أن تداعياتها يمكن التخفيف منها عبر سياسات وقائية محكمة، تقوم على التخطيط المسبق وتدبير ما بعد الكوارث بدل الاكتفاء بالتدخلات الظرفية بعد وقوع الضرر.
وقال المسؤول عن أحد أبرز المواقع التاريخية والأثرية بالمملكة، أن التجربة التاريخية قد أثبتت أن التعمير القديم كان أكثر انسجاما مع المجال الطبيعي، حيث شُيّدت المدن الأثرية الكبرى على مرتفعات نسبية بمحاذاة الأنهار، ما وفر لها حماية طبيعية من الفيضانات، معززة بأسوار دفاعية ذات وظائف متعددة، أمنية وبيئية في آن واحد.
واعتبر أغربي، أن هذا المعطى يعكس مستوى متقدمًا من المعرفة الجغرافية والهندسية لدى الحضارات القديمة، وهو ما ينبغي استلهامه اليوم في سياسات حماية التراث.
وشدد أغربي، على أن موقع تاموسيدا يُجسد هذا الوعي المبكر من خلال السور الضخم المشيد بمحاذاة نهر سبو، والذي اعتمد تقنيات بناء مختلفة وأكثر متانة مقارنة بباقي أجزاء السور في دلالة واضحة على إدراك المخاطر المرتبطة بفيضانات النهر.
وأضاف أن الموقع الأثري قد يظل مهددا بفيضانات جزئية في حالات استثنائية مرتبطة بارتفاع منسوب المياه، غير أن الوضع الحالي يبقى مستقراً وتحت المراقبة.
وفي المقابل، أشار أغربي إلى أن موقع بناصا يستفيد من حماية طبيعية نسبية، لكنه يواجه إشكالات تقنية مرتبطة بارتفاع الفرشة المائية، خاصة على مستوى بئر الحمامات ذات الرسومات الجدارية، حيث يؤدي ارتفاع منسوب المياه الجوفية إلى تدفقها داخل بعض البنايات الأثرية، كما حدث سنة 2019، وهو ما استدعى تدخلاً ميدانياً عاجلاً لضخ المياه وحماية المكونات المعمارية للموقع.
وجدد أغربي التأكيد على أن حماية التراث الأثري لا يمكن أن تُختزل في تدخلات معزولة، بل تستوجب استراتيجية وطنية وقائية واضحة المعالم، خاصة بالنسبة للمواقع المهددة بالفيضانات أو الواقعة على جنبات الأودية والسواحل المعرضة للانجراف البحري.
وفي هذا الإطار، نوه أغربي بالمشاريع التي تشرف عليها وزارة الثقافة وعلى رأسها مشاريع حماية قصر البحر البرتغالي بآسفي وحصن الفتح بالعرائش، معتبراً إياها نماذج ناجحة في صيانة ورد الاعتبار للمعالم التاريخية المهددة.
وأكد أغربي أن الرهان الحقيقي يكمن في اعتماد مقاربة تشاركية، باعتبار أن مسؤولية حماية التراث مشتركة بين وزارة الثقافة والسلطات المحلية والمجالس المنتخبة، إضافة إلى قطاعات استراتيجية كوزارة التجهيز والماء، داعياً إلى إدماج حماية التراث ضمن برامج التنمية الترابية بدل التعامل معها كملف ثانوي.
وفي بعد آخر لا يقل خطورة، نبه الباحث الأثري إلى التهديدات البشرية التي تطال المواقع الأثرية وعلى رأسها تنامي ظاهرة التنقيب غير القانوني باستعمال الكاشفات المعدنية، معتبراً أن هذا السلوك يشكل اعتداءً مباشرا على الذاكرة التاريخية الوطنية، ويستوجب تطبيقاً صارماً لقانون حماية التراث، إلى جانب حملات تحسيسية وتوعوية.
وختم رشيد أغربي حديثه بالتأكيد على ضرورة إقرار ميثاق وطني شامل لحماية التراث الثقافي المادي، يواكب التحديات المناخية والبيئية الراهنة، ويوفر الموارد البشرية والمالية الكفيلة بتنزيل مشاريع مندمجة، قادرة على حماية الموروث الحضاري وتحويله إلى رافعة للتنمية المستدامة، بدل أن يظل عرضة للتآكل والإهمال.
تابعوا آخر الأخبار من زنقة 20 على Google News
المصدر
المصدر: زنقة 20
كلمات دلالية: حمایة التراث
إقرأ أيضاً:
العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟
الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.
وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.
الاقتصاد كمشروع جماعي
تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.
في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.
وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.
وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.
خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد
يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".
ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.
أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.
ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.
أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.
نقد للنمو التقليدي
من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.
وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.
وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.
كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.
وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.
إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟
يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.
فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.
ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.
كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.
تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال
ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.
فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.
وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.
ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.
ما بعد منطق السوق
في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.
ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".
وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.
ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.
وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.